جمعية العلماء في قلب التاريخ /د.مولود عويمر

تلقيت الأسبوع الماضي عدة دعوات لإلقاء محاضرات غير أنني لم استطع إلا تلبية الدعوتين المبكرتين: الأولى من بلدية دالي إبراهيم التي احتضنت فعاليات الاحتفالات الوطنية المخلدة للذكرى الواحدة والخمسين لمجازر 17 أكتوبر 1961، والثانية من جامعة البويرة. واعتذرت عن الدعوات المتأخرة.
ولقد تطرقت في المحاضرة الأولى التي قدمتها يوم الثلاثاء 16 أكتوبر 2012 في ثانوية دالي إبراهيم إلى “دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في نشر الوعي الوطني لدى الجالية الجزائرية في المهجر”. بينما تحدثت في المحاضرة الثانية عن “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في منطقة البويرة: أعلام وأعمال”، وذلك يوم الأربعاء 17 أكتوبر 2012 بقاعة المحاضرات الكبرى بجامعة البويرة بمناسبة الملتقى الوطني الأول عن تاريخ البويرة الذي نظمه قسم العلوم الإنسانية.

الجمعية في عالم الصور
لقد اغتنمت فرصة الاحتفال بيوم الهجرة للتذكير بجهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في المهجر. وأنا جالس في مكتبي أحضر مداخلتي التي سأقدمها أمام تلامذة ثانوية دالي إبراهيم في أعالي الجزائر العاصمة، تبادرت إلى ذهني الأسئلة التالية: كيف تقدم تاريخ جمعية العلماء أو تاريخنا الوطني للتلامذة والشباب؟ كيف تتعامل معهم إذا انصرفت اهتماماتهم إلى أشياء أخرى وعزفوا عن متابعة محاضرتك؟
فكرت قليلا فاهتديت إلى الحل. انتقيت عددا من الصور من ألبوم الجمعية، وقلت في قرارة نفسي: هذا هو سبيلي إلى جذب انتباه التلامذة. وكان حدسي في محله، فلم يكونوا منتبهين كثيرا خلال المداخلات التي سبقتني رغم أهميتها التاريخية ونوعية المتدخلين. بينما تابع الجمهور حديثي وأنصتوا له وهم يشاهدون الصور على الشاشة الكبيرة.
إنها المرة الأولى التي أغير فيها طريقتي وأنا المتعود دائما على الإلقاء والخطاب المباشر، وزاهد في كل وسائل الإيضاح أو القراءة. لقد علمتني هذه التجربة أن عزوف الشباب عن التاريخ ليس لذات التاريخ وإنما هو نفور من طريقة عرضه وتدريسه وكتابته.

جمعية العلماء في معركة الحضارة
أدركت جمعية العلماء الجزائريين مبكرا أهمية نشر الوعي الديني والوطني لدى الجالية الجزائرية في المهجر. وأرسلت في سنة 1936 وفدا من العلماء برئاسة الشيخ الفضيل الورتلاني لتحقيق هذه الإستراتجية. وحقا استطاعت الجمعية أن تفتح نوادي للتعليم والوعظ والإرشاد وإحياء المناسبات الوطنية والدينية لجمع شمل المهاجرين الجزائريين في مختلف المناطق الفرنسية خاصة في باريس ومرسيليا وليون.
وتعاقب على العمل الدعوي والبناء الوطني في نوادي الجمعية بين 1936 و1956 عدد من العلماء الجزائريين (سعيد صالحي، عبد الرحمان اليعلاوي، ربيع بوشامة، سعيد البيباني…) بمساعدة مجموعة من الطلبة العرب والمسلمين الوافدين إلى فرنسا لمواصلة دراساتهم العليا (محمد عبد الله دراز، محمد مبارك، عمر بهاء الدين الأميري، صبحي الصالح).

المطالبة باستقلال الجزائر في عام 1951
في نوفمبر 1951 اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس. واغتنمت بعض وفود الدول العربية هذه الفرصة للمطالبة بإدراج استقلال المغرب الأقصى في جدول الأعمال، غير أنها تراجعت لعدم إحراج الدولة الفرنسية المضيفة لهذا المؤتمر الدولي. وعزم المسؤولون من جمعية العلماء والجمعيات السياسية والمدنية الجزائرية الناشطة في فرنسا على استقبال الوفود العربية وعرض القضية الجزائرية عليها.
وفي هذا السياق تأسست يوم 18 نوفمبر 1951 “اللجنة الجزائرية لاستقبال الوفود العربية لدى المجلس العام لهيئة الأمم المتحدة” وتضم من بين أعضائها: الشيخ عبد الرحمان اليعلاوي عضو المكتب الإداري لجمعية العلماء ومندوبها في فرنسا، وأحمد مزغنة من حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وأحمد بومنجل عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري،…الخ.
وانتقل وفد من جمعية العلماء إلى باريس مشكل من الشيوخ محمد البشير الإبراهيمي، محمد خير الدين والعباس بن الشيخ الحسين للقاء الوفود العربية والإسلامية، وخاصة رئيس الوفد العراقي الدكتور محمد فاضل الجمالي بصفته واحدا من نواب رئيس الجمعية العامة. واقترح عليه عرض القضية الجزائرية في هذه الدورة. وقد رد عليه الجمالي أنه من الصعب كسب نصاب الأصوات المطلوبة، لأن الظرف السياسي والمكان غير مناسبين. ووعده بالاهتمام بالموضوع في الدورات القادمة خارج فرنسا.
ولم ييأس العلماء الجزائريون من مواقف العرب والمسلمين المجاملة لفرنسا، فقال لهم الإبراهيمي وهو متيقن من نصر الله وفتح قريب: ” إن الجزائر ستقوم قريبا بما يدهشكم من تضحيات وبطولات في سبيل نيل استقلالها وإبراز شخصيتها العربية الإسلامية”.
الوفود العربية والإسلامية في ضيافة جمعية العلماء
أقامت الشعبة المركزية مأدبة عشاء مساء الثلاثاء 29 فبراير 1952 بفندق العالمين في شارع الأوبرا حضرها وفود الدول العربية والإسلامية وممثلو المنظمات والأحزاب المغاربية وذلك لإسماع صوت الجزائر والبحث عن كل السبل لتحرير الشعوب الإسلامية. وكان من أبرز الذين استجابوا للدعوة عبد الوهاب عزام الأمين العام لجامعة الدول العربية، ورؤساء وفود باكستان والهند وأندونسيا والعراق وسوريا وزعماء الأحزاب الاستقلالية المغاربية.
وألقيت بهذه المناسبة عدة خطب وكان من أبلغها خطبة الشيخ الإبراهيمي التي عبر من خلالها عن معاناة الشعوب المستعمرة وأملها في غد مشرق. وقد قال في هذا الشأن: ” ها هو الشرق رمى باريس بأفلاذ كبده يدافعون عن حماه بالحق، ويجادلون عن حقه بالمنطق، وما منهم إلا والسيف مضاه، والسيل اندفاعا، وإن وراءهم لشباب سينطق يوم يسكتون، وسيتكلم بما يخرس الاستعمار ويسوؤه، وإن بعد اللسان لخطيبا صامتا هو السنان، وإننا لرجال، وإننا لأبناء رجال، وإننا لأحفاد رجال، وإن أجدادنا دوخوا العالم ولكن بالعدل، وسادوه ولكن بإحسان، وإن فينا لقطرات من دماء أولائك الجدود، وإن فينا لبقايا مدخرة سيجليها الله إلى حين.”
شعبة الجمعية تستقبل اللجنة الثورية للوحدة والعمل
وفي جوان 1954 تأسست الخلية الأولى في المهجر للجنة الثورية للوحدة والعمل التي خططت للثورة التحريرية. وهي تشكلت من: عميروش آيت حمودة، عبد الحفيظ أمقران، سعيد مداح، يوسف مقران، طاهر سي بشير، بشير ازمران، أحمد صخري وسعيد حواسين.
وينتمي كل هؤلاء المناضلون إلى شعب جمعية العلماء في باريس، ويجتمعون في مقر الشعبة المركزية الواقعة في 13 شارع أوغستان بولان في سان دوني في ضواحي باريس. وقد استشهد معظمهم في ميدان الجهاد وفازوا بالشهادة.
الشرطة الفرنسية تداهم نوادي الجمعية
واجهت الحكومة الفرنسية الثورة الجزائرية بوسائل القمع والمنع المختلفة منذ بدايتها، وبذلت قصارى جهودها لمحاصرتها والقضاء عليها غير أنها فشلت في تحقيق أهدافها بسبب إصرار الجزائريين على التضحية والجهاد حتى النصر واستعادة السيادة.
وتضاعف القمع الاستعماري مع انتشار الثورة وانتصاراتها العسكرية ونجاحاتها الدبلوماسية. وقد كانت نوادي الجمعية في فرنسا ضمن ضحايا هذا القمع الأعمى الذي مس كل من شمت فيه رائحة الوطنية وحب الجزائر.
ففي 23 ديسمبر 1954 اعتقلت الشرطة الفرنسية الأستاذ حسن جرمون الكاتب العام لشعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمرسيليا بعد مداهمة مقرها والاستحواذ على كل وثائقها. وتعرض هذا المسؤول للتعذيب والاستنطاق بتهمة المشاركة في الثورة التحريرية التي انطلقت في الجزائر منذ شهر ونصف.
وفي جوان 1955، داهمت الشرطة اجتماعا لشعبة باريس، وألقت القبض على 55 رجلا من الشعبة وعلى رأسهم الشيخ سعيد البيباني مندوب الجمعية في فرنسا. وقد تعرض للاعتقال أيضا أعضاء شعبة ليون في شرق فرنسا.
هذا هو ملخص المحاضرة الأولى، وإليك أيها القارئ ملخص المحاضرة الثانية.
مصلحون من البويرة في رحاب الوطن
لقد أنجبت منطقة البويرة في العصر الحديث علماء تجاوز صيتهم ونشاطهم حدود منطقتهم ليبلغ مناطق عديدة من الوطن، وسأتوقف هنا عند ثلاثة رجال من أبرز الشخصيات الإصلاحية، وهم: الشيخ عبد الرحمان شيبان، الشيخ عمر بوناب، الشيخ أحمد صدقاوي.
الشيخ عبد الرحمان شيبان ولد في 23 فبراير 1918 ببلدة الشرفة. درس في عدة زوايا ثم سافر إلى تونس لينال شهادة التحصيل في عام 1947. وترأس خلال دراسته جمعية الطلبة الجزائريين الزيتونيين وساهم في الحراك الثقافي في تونس من خلال مشاركته في عدة نشاطات ثقافية والكتابة في الصحافة التونسية.
وعين بعد عودته إلى الجزائر أستاذا للأدب العربي في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة. وكان يساهم في جريدة البصائر والشعلة والنجاح بمقالات سياسية وأدبية. وسنعود إليها بحول الله في مناسبة أخرى لتحليلها ودراستها.
الشيخ عمر بوناب هو من مواليد 20 أفريل 1920 ببلدة عمر . درس في زاوية الرابطة قرب مسقط رأسه. ثم سافر إلى التبسة التي انتقل إليها طلاب جامع الأخضر بعد وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ مبارك الميلي، لمواصلة دراسته على الشيوخ العربي التبسي والسعيد الزموشي ومحمد الشبوكي. وهاجر بعد ذلك إلى تونس في عام 1944 للدراسة في جامع الزيتونة. وتحصل منه على شهادة التحصيل في سنة 1950.
وبعد رجوعه إلى الجزائر كلفته جمعية العلماء بالتدريس في عدة مدارس منها مدرسة التربية والتعليم في سيدي بلعباس، ومدرسة الإحسان بالقليعة التي بقي فيها 3 سنوات، ثم عيّن في عام 1959 في مدرسة الثبات بالحراش.
وساهم في الحراك الثقافي والأدبي من خلال جريدة البصائر التي نشر فيها عدة مقالات. ومن أهمها مقاله المعنون: “العلم وسيلة الاستقلال”. وسأقتبس منه هذه الفقرة ليطلع القارئ على بعد نظر هذا الرجل وإيمانه العميق بتحقيق الاستقلال مهما طال الاستعمار بشرط التمسك بالعلم ونبذ الجهل لأن الاستعمار لا يستطيع أن يستعبد للأبد شعبا يقرأ ويكتب كما قال أحد حكماء الجزائر. قال الشيخ بوناب: ” العلم هو الوسيلة الأولى من وسائل الاستقلال، و لا يمكن الوصول إلى الغاية إلا بعد الحصول على وسائلها لأن الاستقلال معناه انفراد الأمة بحكم نفسها وإرادة شؤونها وتصريف تجارتها توريدا وتصديرا، والموازنة بين الاثنين قلة وكثرة، والاعتماد على محصولات بلادها ونقلها من باب الفلاحة إلى باب الصناعة، والقيام بهذه الأمور يستدعي علما اختباريا وفنا تجريبيا تقوم عليهما دعائم الاستقلال. لسنا وحدنا في العالم ولسنا مبدأ تاريخ حتى نشذ في الدنيا أو نجري على غير المنهاج الذي جرت عليه الأمم في استقلالها.”
أما الشيخ أحمد صدقاوي فقد ولد في 12 فبراير 1920 بالأخضرية. درس في زاوية الرابطة وزاوية ابن الحملاوي. وسافر هو أيضا إلى تونس في سنة 1947 ونال شهادة التحصيل في سنة 1951. عمل معلما في مدرسة التربية والتعليم بالغزوات ثلاث سنوات، ثم انتقل إلى الجزائر العاصمة للتدريس في مدرسة الصادقية إلى غاية الاستقلال.
ونشر الشيخ صدقاوي مقالات في جريدة البصائر، وكان أهمها مقالان صدرا في ماي 1952. تحدث في المقال الأول عن ” تأثير الأقاويل على المثقفين”، بينما أكد في الثاني على أن ” عدم الشعور بالمسؤولية عنوان انحطاط الأمة”.

وعاظ ومرشدون في البويرة
لقد زار منطقة البويرة عدد من الوعاظ والمرشدين، فكان أولهم الشيخ أحمد حماني في عام 1938 في جولته عبر الجزائر للتعريف بمجلة الشهاب وجريدة البصائر وحث الناس على الاشتراك فيها ومطالعتها.
كما زار هذه المنطقة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في عام 1948 ونزل ضيفا على أسرة آل شيبان في الشرفة. واستأذن من الشيخ البشير شيبان أن يرفقه ابنه عبد الرحمان في عودته إلى قسنطينة والسماح له بالتدريس في معهد عبد الحميد بن باديس فوافق الوالد على ذلك.
كما حل بها الشيخ سعيد صالحي في ماي 1954 في رحلة قادته إلى بلاد الزواوة.
وفي رمضان 1374 هـ (1955) أرسلت جمعية العلماء وعاظا ومرشدين إلى كافة أنحاء الجزائر لإرشاد الناس وتذكيرهم بواجبهم نحو دينهم ووطنهم، وكان من نصيب البويرة الشيخ محمد أكلي حميمي مرشدا في مسجد العجيبة، والشيخ محمد الطيب الخضيري واعظا فى بني يخلف، والشيخ إسماعيل جوامع مدرسا في مسجد البويرة.
مدارس ومعلمون
ما هي أهم المدارس الإصلاحية في هذه المنطقة وأشهر معلميها؟ تشير القائمة التي نشرتها لجنة التعليم العليا في سنة 1950 عن المدارس التابعة لجمعية العلماء الجزائريين عبر القطر الجزائري إلى 4 مدارس في منطقة البويرة، وهي: بني يخلف، القصر، العجيبة، أولاد إبراهيم.
أنتدب الشيخ محمد الصادق بن أرزقي إلى مدرسة بني يخلف بضواحي مشدالة، والتحق به الشيخ محمد الشريف الثعالبي فيما بعد. وكلف الشيخ محمد الطيب قاسمي بالتعليم في مدرسة القصر. وعينت الجمعية الشيخ محمد العربي بن بوزيد معلما في مدرسة التربية والتعليم بالعجيبة. كما درس فيها الشيخ أحمد شقا الثعالبي. أما مدرسة الفلاح في أولاد إبراهيم بمشدالة فقد أسندت إلى الشيخ الصالح صالح القادم من عزازقة.
وتأسست في منتصف الخمسينات عدة مدارس منها مدرسة الفضيل الورتلاني بالبويرة والتي درس بها عمر عيقون والشيخ المدني زياني. ومدرسة الشرفة مع الشيخ محمد أرزقي كتاب ومدرسة زمورة باشراف الأستاذ محمد عيقون، ومدرسة التربية والتعليم بالبويرة التي يدرس فيها كوكبة من المعلمين ومن أبرزهم: محمد الشريف الحسني، أحمد الحسيني، محمد سعدون، محمد الشريف العربي، عبد الرحمان قاري، موسى سفير…الخ

في قلب الثورة
وقدمت منطقة البويرة قوافل من الشهداء من مختلف التيارات الوطنية، وكان منهم المعلمون والطلبة الذين تشبعوا في مدارس جمعية العلماء بحب الوطن والشعور بالمسؤولية والتضحية في سبيل الحرية والكرامة. وأذكر على سبيل المثال: الأستاذ عبد الرحمان مازري معلم بمدرسة التربية والتعليم بزبوجة قرب البويرة، فقد التحق بجيش التحرير واستشهد في ميدان الشرف. كما استشهد الأستاذ عمر عيقون معلم بمدرسة الفضيل الورتلاني في معركة التحرير عام 1955.
وتعرض المعلمون والطلبة للمضايقات والاضطهاد وأغلقت المدارس بذريعة مناصرة الثورة التحريرية، وتكوين المجاهدين وإيوائهم…الخ.
هذا كله يدل على الانضمام المبكر للعلماء الجزائريين إلى معركة الحرية والاستقلال، ولم يتأخروا عن تلبية نداء “حي على الجهاد” الذي أطلقه المجاهدون في ليلة أول نوفمبر 1954 من جبال الجزائر الشامخات.
*أستاذ التعليم العالي بجامعة الجزائر 2

تغريدات الجمعية