المفكر الألماني المسلم مراد هوفمان في حوار مطول مع جريدة البصائر ج1

الدبلوماسي المخضرم و المفكر الألماني المسلم الكبير مراد هوفمان في الجزء الاول من حوار مطول شامل للبصائر :
” ربحت محمدا ولم أخسر المسيح ” ..
نصف قلبي في الجزائر، و أنا أبيض مظهرا و مخبرا من ” الأقدام السود”.

Murad Wilfried Hofmann مراد ويلفريد هوفمان في سطور:
ويلفريد هوفمان ألماني الجنسية كاثوليكي الديانة، ولد سنة 1931 في أشافنبورغ و هي بلدة كبيرة في شمال غرب “بافاريا” تابعة إدارياً لمنطقة فرنكونيا السفلى بألمانيا. كان منتميا لشبيبة هتلر عندما كان في سن التاسعة من العمر ولكنه إلى جانب ذلك كان منتميا إلى عصبة محظورة مناهضة للنازية في ذات الوقت. بدأ بدراسة القانون بعد حصوله على شهادة البكالوريا في “ميونخ” وحصل بعدها على الدكتوراه في القانون. كان مولعا برقص الباليه حتى أنه أعطى دروسا فيه وتعلم العزف على طبول الجاز. وأسس رابطة محبي الباليه في ميونخ. وعمل لسنوات طويلة كناقد لفن الباليه في مجلات متخصصة. عمل منذ نهاية الخمسينات و أثناء الاستقلال في سفارة ألمانيا الإتحادية في الجزائر وهذا الذي جعله أن يكون شاهدا عن قرب على الثورة الجزائرية التي يبدو أنها أثارت اهتمامه الشديد ودفعته للتأمل فكانت تضحيات شعب الجزائر و سلوك مواطنيها سببا في إسلامه، مما جعله يردد كلما سئل عن أحسن أيام ذكرياته الديبلوماسية يقول” نصف قلبي في الجزائر “.
عمل هوفمان كخبير في مجال الدّفاع النّووي في وزارة الخارجية الألمانية وكان إسلامه موضع جدل بسبب منصبه الرّفيع في الحكومة الألمانية. عمل كمدير لقسم المعلومات في حلف الناتو في بروكسل من عام 1983 حتى 1987 ثم سفيرا لألمانيا في الجزائر من 1987 حتى 1990 ثم سفيرا في المغرب من 1990 حتى 1994
يعد الدكتور مراد هوفمان أحد نوادر صفوة المفكرين الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام الصافي من كل شوائب و رواسب الغرب، اعتنق الإسلام بعد بحث و دراسة مقارنة بين الإسلام كمنهج حياة و غيره من الأفكار و الفلسفات و الديانات، بحثه هذا مشفوع برحالات في العالمين الإسلامي و الغربي صقلته تجارب يومية بعد أن عايش المسلمين في الجزائر أثناء الثورة وبعدها في العديد من دول عالمنا الإسلامي، كمفكر و محاضر و ديبلوماسي من الطراز الأول، وقد ترقى في العديد من المناصب وحصل على العديد من الأوسمة، بحيث فاز بلقب أكبر شخصية شعبية في بلده ألمانيا، و في عام 2009 فاز بلقب “شخصية العالم الإسلامية لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم”، لنضاله من أجل قضايا الإسلام والمسلمين، باعتباره من أشهر مفكري الغرب الذين اعتنقوا الإسلام، و قادوا حركة الإحياء و التجديد في الفكر المعاصر، ويبدو ذلك جليا من خلال كتبه التي تتعرض في مجملها للإسلام كدين وحضارة عالمية كبديل لكل النظم الوضعية التي أنهكت شعوب العالم وأغرقتهم في بحر لجي من الصراعات والمشكلات. كتب ألاف المقالات وعشرات البحوث من مؤلفاته المنشورة الـ 13 نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
“ربحت محمدا ولم أخسر المسيح” ، “الاسلام عام 2000″، “الإسلام كبديل”، ” يوميات ألماني مسلم”، ” الإسلام في الألفية الثالثة”، ” طريق فلسفي إلى الإسلام”، و غيرها.
مقدمة : كم هو صغير العالم
لا أخفي على القارئ الكريم أني حاورت منذ بضعة سنوات خلت المفكر الاسلامي مراد هوفمان و نشرت ذلك في يوميات جزائرية وعربية، لكن لم أتكلم عن قصة لقائي الاول مع السفير مراد هوفمان و كان ذلك عام1990 بالجزائر، حيث نظمت وزارة الشؤون الدينية الجزائرية حينها تكريما له بمناسبة انتهاء مهامه كسفير للدولة الألمانية بالجزائر ليتولى نفس المنصب بالمغرب الشقيق مع بداية عام 1991، و نشط حفل التكريم أستاذنا الكبير عبد الوهاب حمودة ، حفظه الله، الامين العام للوزارة يومها، و كنت حينها أصغر الضيوف سنا، فتعمد أستاذنا عبد الحمودة بلطافته المعهودة، أثناء الترحيب بضيف الجزائر السفير هوفمان، بقوله:” سعادة السفير المحترم، مرحبا بكم بمرافقيكم .. لقد رحب بك أثناء الثورة شعب الجزائر المضياف بجروحه و آهاته، و اليوم ها هي الدولة الجزائرية المستقلة ترحب بك و تكرمك بمناسبة إنهاء مهامك كسفير فوق العادة لألمانيا ببلادنا .. و الجزائر في هذا اللقاء تكرمك بأجيالها الثلاث، من شيبها لشبابها”، و أوقفني الاستاذ عبد الوهاب، جزته الله خيرا، أنا كشاب و أصغر الضيوف سنا و أوقف أستاذنا العلامة الكبير الهاشمي التيجاني، رحمه الله.. فصفق الحاضرون و كبر بعضهم”، و قبل مغادرة الوزارة أبى الضيف الكريم ، إلا أن يأخذ صورة لنا مع شيخنا الدكتور الهاشمي التيجاني، كان واقفا وسطنا وقال لي مشيرا للدكتور الهاشمي، ” هذا الجيل، جيل جمعية العلماء أحباب الشيخين {يقصد بن باديس و الابراهيمي} أدى ما عليه، الان دورك أيها الشاب النبيل أمثالك لحمل المشعل” فهزتني قشعريرة و طأطأت راسي، دون أن انبس ببنت شفاه.. ثم أردف قائلا:” .. و مرحبا بكما عندي في سفارة ألمانيا بالمغرب”، ثم قال باسما، الدكتور التيجاني عاش في المغرب قبلي، و يعرف حتى ملك المغرب و عاشوا معا سنوات إبان الاحتلال الفرنسي للمغرب..”. فخرجت من ذلك التكريم و عزمت على أن أتعرف أكثر بالدكتور التيجاني ، و إذ بي أجده يسكن بضعة أمطار فقط عن بيت جدي بالعاصمة، فضبطت معه موعدا لحوار نشرته حينها، في يومية “المساء” الجزائرية. من ذلك التاريخ لم أرى الدكتور هومان إلإ بعد 18 سنة ، لما دعيت مع بعض الاخوة الاساتذة في ” الندوة الاوروبية لمعتنقي الاسلام الجدد” و كان هو ضيف الشرف، و أثناء وجبة الغداء، جلست بجواره وسلمت عليه و قلت له، هل تذكر يوم تكريمك بوزارة الشؤون الدينية، فقفز من مكانه و قال “ألست أنت الشاب الذي قدمك أمين عام الوزارة، الاستاذ الخلوق عبد الوهاب حمودة.. صورتك لازالت في ذهني مع الدكتور الهاشمي التيجاني، هل مازال في الجامعة.. ؟”، فأخبرته، أنه أنتقل إلى رحمة الله.. فتأسف له و لحال الجزائر بعد التسعينات.
الحوار:
خلال الاسبوع المنصرم شاءت الاقدار أن نلتقي في ألمانيا على هامش ندوة للجالية المسلمة في الغرب، فوجدته في كامل القوة رغم كبر سنه، و كان قد رفض لبعض المحطات العربية حوارا لأن الامر يتطلب منه جهدا و تنقلا، و لما حدثته أنا، عن حوار للبصائر، لم يتردد، قائلا “جمعية بن باديس لها فضل كبير علينا جميعا، و كذا فضل رجالها على الامة حاليا أمثال الدكتور عبد الوهاب حمودة و عمار طالبي و الاستاذ الحسني و الشيخ قسوم..و غيرهم .. أخشى أني نسيت بعض الاسماء أو أحرفها.. معذرة ذاكرتي .. ” ، فطمأنته أن الاسماء صحيحة، و تواعدنا على حوار مطول شامل حول الإسلام والمسلمين في الغرب وآرائه ومواقفه من القضايا المعاصرة والعلاقة بين الإسلام و الغرب وإمكانية التفاعل و/أو التعايش بينهما، ومستقبل الإسلام في ديار الغرب، مرورا بوضعه الحالي كمتقاعد ومعرجا على ذكريات الدكتور هوفمان من عهد ثورة التحرير الجزائرية المباركة، و محطات أخرى من حياته مع شخصيات دولية و جزائرية، مع رؤساء الجزائر خاصة الشاذلي بن جديد و غيره، فكان هذا الحوار:
السؤال 1: بداية مرحبا بكم معالي السفير الاسبق و المفكردكتور هوفمان، ولنبدأ من نهاية العنقود، بعد محاضرتكم القيمة والتي استفدنا منها كثيرا، يوم أمس، هل لكم أن تحدثوننا عن اهتماماتكم و نشاطاتكم حاليا، في هذا العمر المبارك:
الدكتور مراد هوفمان:
مرحبا بجريدتكم الغراء و مرحبا بجمعية العلماء و مرحبا بروح شيخها الجليل بن باديس.. و مرحبا بك أنت أيضا، هذه عشرين سنة خلت منذ أن التقينا أول مرة في الجزائر، يومها كنت شابا و الان بدأت بعض شعيرات شيب الحكمة في رأسك.. { يضحك} .. لذلك محاضرتك بالأمس كانت في المستوى {متبسما}
و ردا على سؤالك، حاليا أشتغل في ميدان النقد ، بحيث أقوم بدراسات نقدية لكتب بالإنكليزية والألمانية و الفرنسية، لدوريات عالمية معروفة في بريطانيا (حوليات العالم الإسلامي البريطانية- و أكسفورد جورنال للدراسات الإسلامية) و في الباكستان ( حوليات الدراسات الإسلامية) و في ألمانيا و أمريكا (دراسات متخصصة)، وقد قدمت لحد الساعة ما يربو عن 250 بحثا ودراسة، إضافة لمحاضراتي و ندواتي حول الإسلام كما أخبرتك منذ ثلاث سنوات خلت يوم التقينا في سويسرا، لم أعد اليوم أقوى على الاسفار أخرها سلسلة الندوات التي حدثتك عنها في كل من دبي و الدوحة و عمان و تركيا، أتعبتني كثيرا، و قد رفضت أخيرا الحضور لأسبوع الديانات في سويسرا التي تنطلق بداية الاسبوع الثاني من نوفمبر.. لذلك أغتنم الفرصة معك للاعتذار لك لأنك من المنظمين لهذه التظاهرة السنوية الطيبة كما أحملك اعتذاري للإخوة في سويسرا من الديانات الثلاث الاخرى و أكتفي بمشاركة عن طريق التليفون، بحول الله و قوته..
السؤال 2- :
و على ذكر بركات كبر سنك، التقيت في الغرب برجال و نساء لهم خوف مفزع و مروع من التقاعد، أما في العالم الإسلامي فالخوف نسبي و أحيانا لا وجود له، أنتم منذ سنوات تنعمون بالتقاعد من الوظيفة الرسمية، علما أن المسلم لا يعرف الراحة، هل لكم أن تعرفوا القارئ الكريم، كيف تقضون يومكم.
الدكتور مراد هوفمان:
حاليا أنا على عتبة الـ 82 من عمري و الحمد لله .. لا أبوح سرا إن قلت لك أني أخذت التقاعد قبل موعده بعامين، تقاعدت وعمري 63 سنة لكي أتفرغ للدعوة الإسلامية، فالمسلم و الحمد لله لا يعرف الراحة، راحته في قبره، حاليا إضافة للكتابة يزورني في بيتي عدد من المسلمين، لأن المنطقة التي أسكن فيها لا توجد بها مساجد أو مصليات، لكني كلما صليت في بيتي أذكر دائما مكة المكرمة و كعبتها المشرفة التي حللت بها حاجا مرتين ومعتمرا سبع مرات، و لا زلت أشتاق دائما إليها و نحن حاليا في موسم و بركات الحج و الحمد لله على فضله و إحسانه .. أملي أن ييسر الله في إتمام أشغال المسجد الكبير بمدينة كولونيا التي أصلي بها أحيانا، بحيث تستفيد منه الأجيال وتستثمر جهود الجالية المسلمة في الصالح العام بعيدا عن الصراعات المذهبية الوهمية التي مع كل أسف لازالت تعشش في بعض أذهان الناس و الاسلام أشمل و أوسع صدرا من كل هده الجزئيات..
السؤال 3- : على ذكر الصراعات بين المسلمين، ما هو تقييمكم لدور المراكز الإسلامية في الغرب، و ما تصوركم لأسلوب الدعوة الصحيح؟
الدكتور مراد هوفمان:
– المؤسسات الإسلامية في الغرب مطالبة بأن تكثف جهودها لتأهيل دعاتها العاملين في الغرب، بحيث يكونون على قدر كاف من العلم واللغة ومعرفة طبيعة جمهورهم المستهدف، لأن الواقع أكد أن الدعاة الوافدين الذين ترشحهم أو تبعثهم الحكومات الإسلامية للعمل بالغرب، عادة ما يكونون غير مدربين وغير مؤهلين للعمل في غير بلاد المسلمين، كما أن المسلمين في الغرب يرفضونهم بسبب تبعيتهم للحكومات، وهذا خطأ يجب تداركه ( خاصة مع إهلال الربيع العربي الذي أحب أن أفرز له حيزا في خاتمة هذا الحوار الشامل مع القارئ العربي)، وهناك في الغرب كثير من المثقفين وأنا منهم يقومون برصد الأخطاء الواردة في الكتب المدرسية الغربية عن الإسلام في شتى أنواع المعرفة والرد عليها وتصحيحها في كتيبات صغيرة توزع مجانا.
أما بالنسبة للدعوة فنحن في حاجة ماسة لأسلوب دعوة جديد للإسلام في هذه الديار.. في الغرب أناس لا يعترفون ولا يؤمنون بالله، و لا يعقل أن أقول لهم: “قال الله كذا و كذا، أو قال الرسول كيت و كيت..”، بل علي أن أوجه لهم رسالة علمية واضحة بحقائق كونية دامغة وبراهين منطقية متعددة، ثم أقارن هذه الحقائق بما جاء في كتاب الله.
لاحظ معي يا أستاذ مصطفى، هنا مثلا في المجتمع الأوروبي 30 % غير متدينين، في مدينة برلين وحدها و التي تعداد سكانها 5.3 مليون نسمة يوجد من بينهم 4.2 ملايين غير متدينين.. فهذه مجتمعات علمانية بالدرجة الأولى، وهذا يشكل عقبة أمام أي مظهر للتدين من جانب المسلمين، حيث ينظر إليه من منطلق الخوف والقلق لا من منطلق الاطمئنان والارتياح. والفرصة متاحة اليوم أمام الإسلام ليصبح الديانة الأولى للقرن الجديد في العالم كله، لكن هذه الفرصة تظل قابلة لضياع إذا لم نضطلع نحن المسلمين بوضع الأساس القوي لعمل تعاوني مخلص بين علماء الإسلام، مهمته إحداث تغييرات رئيسية في المواقف والمداخل تبنى على أسس عقدي بصير، و تجعل الإسلام أكثر حيوية و ديناميكية، وتزيل الصدأ والغبش الذي غشيه بتصرفات بعض الجهلاء أو المتهورين، وبذلك يستعيد مكانته الأولى في العالم قاطبة، بفضل الله وحسن توفيقه.
السؤال 4 :
وهل الغرب مهيأ حاليا لقبول الإسلام كحل حاسم وناجع للمشكلات التي يتخبط فيها أبناء وبنات الغرب ذاتهم، والتي تنادي بها أنت اليوم وينادي بها عدد من المثقفين الغربيين الذين احتكوا بالإسلام وفهموا منهجه في التغيير، وقدرته على حل مشكلات العصر التي استعصت على المذاهب الغربية ؟
الدكتور مراد هوفمان:
الحضارة الغربية اليوم على وشك الانهيار بعد أن هجر أهلها الكنائس، و لم تشبعهم المادة التي برعوا فيها روحيا، و”انهيار” الكنائس و خواء مدرجاتها.. هذا يعني أن فكرة الإيمان بالله على وشك الاختفاء، لا بل نلاحظ اليوم أن كبار علماء الغرب في الفيزياء و العلوم الاجتماعية والحاصلين على جوائز نوبل ، يعترفون أنهم مؤمنون بالله، ويحتاجون لمعرفته أكثر، و هو أمر كان نادر الحدوث سابقا، والشعوب الغربية أصبحت موقنة تماما ومؤمنة أن الحضارة الغربية فشلت في إشباع احتياجاتهم الروحية وقد أدخلتهم في حروب طاحنة، التهمت منهم الكثير بشريا وماديا. لقد أمضيت أربع سنوات من عمري مديرا للحلف الأطلنطي ولاحظت كيف يضع جنرالات” الناتو” في حساباتهم أن أكثر المواجهات العسكرية احتمالا في المستقبل لن تكون إلا مع الإسلام، لأنه العدو المتنامي المرتقب الذي ينتشر بقوة مذهلة ، لا يعلمون حتى الآن سببها ، كما رأيتهم أيضا كيف يخططون لإبادة الإسلام و تشويه صورته ، لكن هيهات ، فمن كان يصدق أن شخصا مجرما مضللا للإنسانية مثل “مالكوم إكس”، سيتحول يوما للإسلام في أمريكا، و يعود من “مكة المكرمة” داعية لهذا الدين الرباني العجيب، و يقطع صلته بالإجرام و الإرهاب و يكون سببا في دخول آلاف الأمريكان في دين محمد (صلى الله عليه و سلم)..
لذلك أقول دائما إن الإسلام هو النور الحق والفكر الجديد المتجدد، الذي ظهر الآن في أوروبا ، و ينادي به كثير من المفكرين في الغرب و يطلقون عليه اسم “الطريق الثالث”، و هو توصيف دقيق للإسلام، من حيث لا يدري هؤلاء الغربيون، فوسطية الإسلام، تتضح من خلال تقبل الإسلام للملكية الخاصة، و حرية التجارة، والحث على الإنتاج …فالحضارة الإسلامية حضارة إنسانية اشتملت على خصوصيات متميزة ضمنت لها البقاء والاستمرار والصمود، تتيح لكل شعب فرصة التعبير عن ذاتيته، لغة وتاريخا وانتماء، وبالتالي لا يقيم الإسلام أي وزن لأنواع العنصريات الضيقة، جغرافية كانت أم قومية، وفي نفس الوقت فإنه لا يضيق بهذه الانتماءات ولا يلغيها ولا يتجاهل ما تشتمل عليه من إيجابيات، ويجعل من هذه الخصوصيات أداة للتنوع الثقافي، فالإسلام عندما جاء منذ 14 قرنا خلت، سبق الجميع في الدعوة إلى وحدة الإنسانية، مخاطبا الناس قاطبة في الشرق كما في الغرب، بقوله تعالى:” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:12].
السؤال 5 :
محور الأحداث في العالم يدور منذ نصف قرن تقريبا حول إسرائيل و القضية الفلسطينية ، و منذ 3 سنوات لم تتردد إسرائيل حتى في قتل المسالمين ورجال حقوق الإنسان الذين جاءوا من تركيا و أوروبا و بعض دول العالم العربي لكسر الطوق المضروب على غزة ، مما جعل بعض المنظمات الإنسانية في جنيف مقر الأمم المتحدة ، أن تنعت هذه السنة العمليات الإسرائيلية في غزة هذه الايام بعمليات “الفصل العنصري (الأبارتايد)” لنظام جنوب إفريقيا السابق، فهل هناك أوجه تشابه بينهما!
الدكتور مراد هوفمان:
العالم يجري في تسابق مجنون وغير طبيعي، بل غبي إلى مستقبل مبهم، لذا كرجل مسلم أنظر إلى الماضي، فلا يعقل أن شعبا أضطهد و شرد مثل اليهود ليس فقط في ألمانيا أو أوروبا، يمكن بدوره ممارسة مثل هذه الإعمال الشنيعة في انتهاك صارخ لكل الشرائع التي جاء بها القانون الدولي، هذه السياسة هي أسوأ من ” الفصل العنصري (الأبارتايد)” لأن إسرائيل لازالت تسرق التراب الفلسطيني و تغتصب خيراته و تتعد على المواطنين الفلسطينيين دون اكتراث بالرأي العام الدولي. أما عن السكوت العربي فسوف أتناوله في الجزئية الموالية من حوارنا حول الربيع العربي، لأن كثير من دول الجوار كانت و لازالت تقتات مما يسمونه “القضية الفلسطينية”.. { يبتسم بزفير خفيف و يحرك سبابته بالنفي } ..
السؤال 6 :
إذن ما هي رؤيتك اليوم للوضع في فلسطين، والحال كما وصفته؟ وهل يمكننا الحديث عن نهاية للسلطة الفلسطينية ، وبداية النهاية للدولة العبرية ، أم نهاية أحلام العرب؟
الدكتور مراد هوفمان:
إن العرب لديهم عادة التحمل و “الصبر على الاحتلال”، تحتلهم القوات الأجنبية مثل الصليبية، وهم يعرفون أن الحروب الصليبية استمرت 200 سنة، و لكن بفضل “صبر جمال العرب” {متهكما} .. صبر العرب في فلسطين الذي أصفه بغير الإنساني تقريبا، انسحب المحتل الغاصب، فبالنسبة لهم إسرائيل ظاهرة عابرة، لكن نحن (وليس أنا) سوف نرى!! و إن غدا لناظره قريب..
( يتبع )
حاوره في ألمانيا: محمد مصطفى حابس

تغريدات الجمعية