نحن والانتخابات الأمريكية

ابيضّت وجوه، واسودّت وجوه في ساعة الحسم، وما كان ذلك يوم الفزَع الأكبر، ولا يوم يقوم الناس لرب العالمين. إنّما هي الانتخابات الأمريكية، وإنّ هولها لشديد.
ولسائل أن يسأل: وما لنا، نحن، والانتخابات الأمريكية، وهي عملية سياسية، تجري فصولها بعيدا عنا، في أرض غير أرضنا، وفي قارة غير قارتنا؟ وإذا كان ذلك، كذلك فلِم حبست لهولها الأنفاس، وارتعدت لنتائجها فرائس معظم الناس؟

إن السياسة الأمريكية، كما يقول عنها إمامنا محمد البشير الإبراهيمي، أخطبوط مخيف، يعمل على إحكام قبضته على كل البلدان، فهو يضع قاعدة نفوذه في الظهران ليسهل عليه مراقبة، أو ابتلاع إيران، ومن وراء ذلك، يتمدد شرقا نحو باكستان وأفغانستان، وغربا نحو فزان، وبن قردان، والقيروان، ووهران، وتطوان، مرورا بلبنان وعُمان، والسودان، فيسهل عليه مراقبة الوديان والشطآن والخلجان.

هذه –إذن- هي أعراض الورم الأمريكي الذي يخشى، مخاطرة الحكام والمحكومون، فيشيب بهوله النساء، والرجال، والولدان. وإلا فما لنا نحن ونتائج انتخابات أمريكا؟ فماذا سنخسر لو أن الجمهوريين فازوا فيها، فوصلوا إلى سدة الحكم؟ وماذا سنكسب اليوم، وقد وقع تثبيت الديمقراطيين في البيت الأبيض؟

إن الحقيقة التي يسلم بها الجميع هي أن السياسة الأمريكية نظام لا يصنعه رئيس بعينه، أيا كان حزبه، فهي سياسة لا تبقى ببقاء هذا الرئيس أو ذاك، ولا تزول بزواله.. ولذلك حتى وإن اختلفنا مع أطماع السياسة الأمريكية في بلداننا، ووقوفها دوما إلى جانب أعدائنا في فلسطين وغيرها، وتأييدها للاستبداد، ولاحتلال في أراضينا، فإننا لا نملك إلا التسليم مرغمين ببعض محاسن منهجية الانتخابات الأمريكية، على الأقل في جانبها الإجرائي، والشكلي.. وتستوقفنا فيها مجموعة من الإيجابيات لعل أبرزها:

1- الاقتصار في الحكم على عهدتين، أي ثماني سنوات، تحت أية ظروف، ولا يحق لأي رئيس أن يزيد عليها، وتلك هي معالم التجسيد للديمقراطية.

2- الشفافية والوضوح التي طبعت الحملة بين المتنافسين.. صراحة في الكشف عن الأخطاء والسلبيات، وأدب في الاختلاف، في إبداء القناعات والتعبير عن وجهات النظر.

3- سير العملية الانتخابية دون تسجيل أي خرق من الخروقات، ولا أي حدث من الحوادث، فضلا عن أي تزوير في النتائج.

4- التسليم بنتائج الفرز، فلا طعون، ولا ظنون، وإنما يهنئ المهزوم الفائز بشجاعة نادرة، ويهنئ الفائز المهزوم على نظافة حملته، بروح رياضية عالية.

5- تحلي الجمهور الشعبي –هو الآخر- بالروح الديمقراطية المثالية، فلم يعقب إعلان النتائج مسيرات، ومظاهرات، واحتجاجات، ورفض للنتائج، كما يحدث في بلداننا، لأن الجميع مؤمن بنزاهة العملية الانتخابية

ونلتفت –في ضوء ذلك كله- يمنة ويسرة من حولنا، فيطالعنا التقاتل على نتائج مقابلة رياضية، والتنابز على قائمة الترشيحات الانتخابية، فضلا عن طريقة إدارة سير العملية الانتخابية، التي غالبا ما تكون مقدماتها فاسدة، فتضفي حتما إلى نتائج فاسدة.

ونتساءل ببلاهة وقلة فهم، ما الذي ميّز أولئك عنا، في نزاهتهم، ونظافة ذمتهم، وبراءة عمليتهم، عن الغش، والدس، والمس، الذي –غالبا- ما يصاحب اقتراعاتنا، وترشيحاتنا ونتائجنا؟

ألسنا الأمة المسلمة، المؤتمنة على أفضل كتاب يتلى؟ ألسنا نتلوا –في كل آن وفي كل حين- آيات الحق،والعدل، والشورى؟ فما لنا عنها معرضين، بل ونقدم عنها –بسلوكنا- أسوأ صورة للناس غافلين؟

إن في اللوحتين الأمريكية من جهة، والعربية الإسلامية من جهة أخرى، معادلة فكرية سياسية يصعب حلها على العقل الساذج، أو الفطري. هل لأن أرضهم جبلت على النزاهة فلا تنتج إلا طيبا، وأرضنا جبلت على الفساد فلا تنتج إلا فاسدا؟ معاذ الله إن الأصل في أرضنا، إنها البلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه، وإن الأرض الأخرى، بما تحتوي من فجور وخمور وعظائم الأمور، هي البلد الذي خبث، فلا يخرج إلا نكدا.

إن هذا هو الذي حارت البرية فيه، وحله البسيط يكمن في اختلاف الثقافتين السياسية عندنا عندهم، وتباين الذهنيتين عندنا وعندهم. فمتى ترشّد الثقافات، وتتغير الذهنيات؟ ذلك هو السؤال الذي لا نجد له من جواب، إلا جواب إيليا أبي ماضي في طلاسمه: لست أدري!

تغريدات الجمعية