هل في سطيف من يذكرنا بـ “دي ميشال”؟/أ.محمد الهادي الحسني

في العدد 178 من جريدة البصائر المجاهدة الصادر في 11 / 8 / 1938 كتب الإمام خالد الذكر حميد الفعل عبد المحميد ابن باديس مقالا عنوان “هل في سجن الكدية ما يذكرنا بـ (الباستيل؟)”.
والكُدية هي حي بمدينة قسنطينة، وفيها يوجد سجن رهيب شبهه الإمام ابن باديس بسجن “الباستيل” في مدينة باريس الذي هاجمه الفرنسيون في 14 جويلية 1789 وخربوه لما كان يرتكب فيه من أبشع أنواع التعذيب ضد معارضي النظام الفرنسي، وقد اتخذ الفرنسيون يوم سقوطه عيدا، ولكنهم بنوا عشرات السجون أرهب منه في الجزائر، وهو ما جعل الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري يخاطب فرنسا قائلا:
لك الويل فاجرة علقت تهدم (بستيل) في موضع
صليب المسيح على المخدع وتبني ( بساتيل) في موضع (1)
وقد سمى أحد أراذلنا يوم 5 / 7 / 1830، يوم دنست فرنسا الجزائر، سماه “14 جويلية الجزائري”، فلعنه الله عليه وعلى أمثاله من الخونة، عديمي المروءة والكرامة الإنسانية.
إن الدافع الذي دفع الإمام ابن باديس إلى كتابة ذلك المقال هو إلقاء فرنسا المجرمة، أربعة من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في سجن الكدية الرهيب دون جرم، وإبقاؤهم فيه سنة وأربعة أشهر دون محاكمة، لأنهم قاموا بواجبهم الديني من الدعوة إلى الله بالحكمة، وتعليم اللغة العربية، وتوعية إخوانهم، وأولئك الأربعة الأحرار هم: الشيخ عبد العزيز الهاشمي، والشيخ عبد القادر الياجوري، والشيخ علي ابن سعد، والسيد محمد الكامل، رحمهم الله، ورضي عنهم…
لقد أوحي إلي عنوان الإمام إبن باديس بعنوان هذه الكلمة وهو “هل في سطيف من يذكرنا بـ “دي ميشال؟”.
ودي ميشال هو فرديناند جول ميشال، فرنسي، طاغية، صليبي النزعة في الجزائر ـ كأغلب الفرنسيين ـ ولو كان لائكيا في فرنسا، وقد شغل منصب الكاتب العام لولاية الجزائر العاصمة.
رأت السلطات الفرنسية أن الشعب الجزائري بدأ يقبل على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لما رأى في أعضائها من إسلام صحيح، وقول صادق، وعمل مخلص، وأنهم ليسوا أذنابا للإدارة الفرنسية التي “ذعرت لنجاح دعاية العلماء (2)”..و “لم تستطع الولاية العامة بالخصوص أن تتحمل نمو دعاية لا تراقبها (3)”، فراحت تكيد وتمكر بالجمعية ليلا ونهارا، ومن مكرها أنها أوحت إلى عبد من عبيدها، وذيل من أذيالها أن يقدم طلبا لمنع أعضاء جمعية العلماء من إلقاء دروس في المساجد، ومما جاء في ذلك الطلب: “راجعني بعض الأشراف والعلماء بشأن بعض المحاضرين في المساجد، الذين يصحبون معهم صحافيين، ويستغلون الدعوة الدينية لكي يثيروا مناقشات سياسية في المساجد التي تشرف عليها الدولة (4)”.

كلف والي ولاية الجزائر مصالحه بإعداد تعليمة يمنع بموجبها أعضاد جمعية العلماء من إلقاء دروس في المساجد، وأمر رئيس اللجنة الدينية محمد ابن صيام أن يوقع تلك التعليمة “ليكون القرار عليه وزره ومسؤوليته، فتوقف السيد ابن صيام في التنفيذ ـ فأعيد عليه الطلب والإلحاح فأبت عليه ديانته وهمته وتقديره للعواقب أن ينفذه (5)”، فأصدر دي ميشال تعليمتين في 16 و 18 فبراير 933 أعضاء جمعية لمنع العلماء من التعليم الديني والوعظ في المساجد، وأبعد ابن صيام عن رئاسة الجمعية الدينية التي تولاها فرديناند دي ميشال، برضى ومباركة من غضب الله عليهم، حيث كانوا أحرص على إرضاء فرنسا من إرضاء الله ـ عز وجل ـ وابتغوا العزة عندها، وأشد ولاء لها، وقد صار الجزائريون يسخرون من فرنسا وأوليائها، وينسبون إليهم مناداة هذا الرئيس النشاز “سيدي ميشال” لقد أخزى الله ـ عز وجل ـ فرنسا وألياءها، إذ “لم ينل منع الوعظ بالمساجد في شيء من نفوذ العلماء (6)”، ومن خزي الله – عز وجل- لمن أمر بإصدار هذه التعليمة، ومن وقعها، ومن رضي عنها من “رجال الدين الجزائريين” الذين خانوا الله ورسوله والمؤمنين أن وزير الداخلية الفرنسي -فيما بعد- وصف هذه التعليمة بأنها “رعونة كبرى، وقلة ذوق، وخطأ أخلاقي، وغلطة فادحة (7)”.

إن الشخص الذي ذكرنا في سطيف بـ “سيدي ميشال” هو موظف بمديرية الشؤون الدينية بولاية سطيف.

توجه يوم الجمعة الماضي أعضاء المكتب الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى سطيف لتدشين “مركز الشهاب للدراسات الإسلامية” التابع للجمعية، وكان أعضاء شعبة الجمعية بسطيف قد قدّموا طلبا إلى مديرية الشؤون الدينية للسماح لأعضاء المكتب الوطني بإلقاء درس الجمعة في مساجد المدينة، وما من أحد من أعضاء المكتب الوطني إلا له مقام معلوم.. ولكن من ذكرّنا بـ “سيدي ميشال” لم يأذن “فضلا منه ومنة” إلا لأربعة أعضاء مع شرط أن يحدد هو شخصيا موضوع الدرس، ولم يبق لسيادته إلا أن يحضرهم لمكتبه ليمتحنهم، ويملي عليهم ما يقولونه! وقد تساءلت عن المعيار الذي اعتمده في قبول من قبلهم ورفض من رفضهم؛ هل هو معيار العلم، أم معيار الخلق، أم معيار الوطنية والولاء للدولة؟

وأغلب الظن أنه اعتمد المعيار الأخير، الذي قال فيه مرة السيد وزير الشؤون الدينية الحالية “لقد تعلمت الوطنية في معهد ابن باديس”، حيث كان أحد طلابه، فشكرا له على عدم كتمان الشهادة. وربما نسي هذا الموظف أو تناسى أن السيد رئيس شعبة الجمعية في ولاية سطيف كان مديرا للشؤون الدينية فيها.

لقد رفض العلماء الأربعة الذين “رضي” عنهم موظف المديرية، أن يلقوا دروسا احتراما لإخوانهم “المغضوب عليهم” وليسوا من الضالين، واعترافا بأقدارهم، ولأنه ليس من أخلاق جمعية العلماء الأثرة، وشهوة الكلام، وحب الظهور.

إن الفرق بين دي ميشال ومن ذكّرنا به هو أن دي ميشال يعرف ثقافة الدولة ويطبقها، فقد أطاع رئيسه الذي أمره بإصدار التعليمة وتوقيعها وتطبيقها رغم ما فيها من ظلم وتعسف، وأما من ذكرنا به فقد رفض تطبيق تعليمة رقمها 68، مؤرخة في 8 مارس 2004 أصدرها السيد وزير الشؤون الدينية الحالي ووقعها بنفسه، وأرسلها إلى مديري الشؤون الدينية لكي يتعاونوا مع من تزكيهم جمعية العلماء “لهذه المهمة النبيلة”، رغم أن تعليمة السيد لا تأمر بمنكر، ولا تنهى عن معروف، وإنما تأمر بالتعاون على البر والتقوى.

إن الذي نعلمه هو أن السيد الوزير لم يبد له بداء في تعليمته ولم ينسخها، ولم ينسها، ولم يبدّلها، وقد علمنا أن السيد الوزير طلب من السيد مستشاره أن يبلغ موظف الشؤون الدينية بتسهيل الأمر لأعضاء المكتب الوطني للجمعية، وتأكدنا من تبليغ السيد المستشار لتعليمة السيد الوزير، ولكن موظف المديرية أعرض، واستنكف أن يطبق تعليمة الوزير..

ولابدّ أن أشير إلى أن السيد والي الولاية تأسف بعد علمه بالموضوع لهذا التصرف الذي لم يقع إلا من مديرين اعتذر أحدهما. ويعتذر أعضاء المكتب الوطني للإخوة في سطيف، الذين أقبلوا على المساجد للسلام على أعضاء الجمعية والاستماع إليهم، وسامح الله هذا الموظف.. وعسى أن يكون ردف له ما يستعجل من ترقية، فهنيئا مسبقا، ونشكر السادة الولاة ومديري الشؤون الدينية الذين يستقبلون وفود الجمعية بما فيهم من حسن خلق، وطيب نفس.

.

هوامش:

1) عثمان سعدي: الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ج2 . ص 353.

2 – 3) شارل أندري جوليان: إفريقيا الشمالية تسير … ص137.

4) أحمد الخطيب: جمعية العلماء …ص189. وعلي مرّاد: الحركة الإصلاحية في الجزائر ص7

5) مجلة الشهاب – مارس 1933 ص 188.

6 – 7) شارل. أ. جوليان ….ص138.
الشروق أونلاين/
الخميس 15 نوفمبر 2012 ميلادي الموافق لـ 1 محرم 1434 هجري

تغريدات الجمعية