الانتصار، والانكسار في غزة

تنازع الراصدون للشأن الفلسطيني، بشأن تقييم أداء المقاومة في خوضها للحرب الدفاعية ضد العدو، وفي أساليب الحرب العدوانية الإسرائيلية على غزة، فاختلفوا في استخلاص النتائج.

فمن قائل إنها انتصار للمقاومة بالرغم من الجراح التي أثخنت بها جسم غزة الهش، والضربات الموجعة التي روعت بها الآمنين، وأفزعت المرضى والعجزة والمعاقين والمقعدين، ولا تسل عن تدمير البنايات وتحطيم المؤسسات، وتشريد الرُّتّع من الأنعام والحيوانات.

ومن قائل إنه انكسار للعرب جميعا وللمقاومة الفلسطينية، لمجرد القضاء على بعض رموز المقاومة، كأبي محمد الجعبري الرمز، قائد كتائب القسّام، الذي يعود له الفضل في أسر المحارب الصهيوني شاليت، والمسؤول عن أسره طيلة السنوات العجاف، لقد انتقم الصهاينة –إذن- من أسر جندي، باغتيال قائد، وأي قائد، عرف ببسالته خلال الحرب، وبإعداده واستعداده أثناء السلم.

فهل انتصروا حقا؟ وهل انكسرنا حقا؟ وأيا كان الانتصار أو الانكسار، فما هي الدروس والمعاني المستفادة من هذه الحرب العدوانية الصهيونية، الدفاعية الفلسطينية؟

نعتقد، بكل نزاهة وموضوعية، أن هذه الحرب، بالرغم من آثارها المدمرة، هي بكل المعايير العسكرية والسياسية، انتصار للفلسطينيين، ويتجسد ذلك في الحقائق التالية:

1- إن مجرد المواجهة بين إسرائيل وهي أول قوة نووية في المنطقة، وما تملك من مختلف أنواع الأسلحة المدمرة مع شعب أعزل من كل أنواع القوة المادية والعسكرية، وهو شعب غزة الذي لا يملك من الأسلحة الفتاكة إلا سلاح الإرادة والعزيمة. إن مجرد مثل هذه المواجهة بين قوتين غير متكافئتين، تمثل انتصاراً للمقاومة الفلسطينية.

2- إن صمود غزة، أمام شلال القاذفات وأسراب الطائرات، وتجريب أحدث ما أنتجته المصانع الحربية من جراثيم وأسلحة فاتكات، هو أيضا انتصار لغزة، يصلح لأن يكون درسا، لباقي الشعوب التي تعاني الاحتلال، والإذلال، والعيش في الأغلال.

3- إن خروج القمقم الغزاوي من عرينه وإمطار العدو بصواريخه المتطورة التي أصابته في عمق عاصمته،فقذفت في قلوب مستوطنيه الرعب، فصاروا كالجرذان يعيشون في ظلام المخابئ، والأقبية، بحثا عن مأمن لا تصيبهم فيه صواريخ المقاومة، أهو الانتصار العظيم أيضا، مضافا إلى ذلك التغيير الذي شمل المنطقة، وفي مقدمتها مصر.

4- إن هلع الدول الكبرى الداعمة لإسرائيل، بضغط من الصهاينة أنفسهم، بحثا عن الهدنة وطلب الوساطة من حلفاء الفلسطينيين لإقناع الفلسطينيين بقبول وقف القتال، إن كل هذا إن هو إلا نصر مبين للمقاومة التي استطاعت بعزم، وحزم، وحكمة، وحنكة، أن تضرب مَواطن الضعف والقوة في الجسم الصهيوني المتغطرس، فأصابت المَقَاتل فيه.

ولكن؟ هل يكفي كل هذا، ليحجب عن أعيننا جوانب الضعف التي قد تكون سببا في إحداث ما يذهب إليه بعض الراصدين للشأن الفلسطيني في وصفهم إياه بالانكسار؟

إن من الشجاعة الحربية والسياسية في الإعداد والاستعداد، الاعتراف بوجود جوانب من الضعف، ينبغي العمل على تلافيها مستقبلا.

إن من أخطر جوانب الضعف في الجسم الفلسطيني هذا الانقسام المشين الذي ظل يمزق الأمّة العربية الإسلامية كلها، فتتحطم على صخرته جهود المقاومة.

وإن من أعراض الضعف أيضا، انشغال الأمّة بحرب أخرى، تدور في أرض سوريا، والتي شغلت اهتمام الكثير من الناس، عما كان يحدث في غزة، وإن في ذلك تشتيت للجهد، وتمزيق للصف العربي الإسلامي، وإهدار لطاقات الأمّة بتبديد عتادها، وتفريق أعدادها.

إنه لكي يلتئم الجرح الفلسطيني النازف لابد من إعادة النظر في كل المواقف العربية والفلسطينية، والإسلامية، كي يتوحد الجميع خلف المقاومة الواحدة والوحيدة وهي المقاومة الفلسطينية، فلا عزة بعد غزة، ولا تمكين بدون فلسطين، ولا نامت أعين الجبناء.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تغريدات الجمعية