الإرث المثقل بالمآسي

 بين الجزائر وفرنسا، من الإرث المثقل بالأزمات والمآسي، والجرائم، أكثر من الأمواج المتلاطمة التي تعكر صفو البحر الأبيض المتوسط، الذي يفصل فرنسا عن الجزائر، كما يقول الإمام عبد الحميد بن باديس.

فبالرغم من انقضاء خمسين سنة من الاستقلال الوطني لا يزال بعض أبناء الجزائر يحملون من الجراح البدنية، والإعاقة الفكرية، ما يذكرنا بالإرث الثقيل الذي كان الثمن الباهض للاستعمار في بلادنا.

واليوم؛ والجزائر الرسمية تتزين بالأعلام لاستقبال الضيف الفرنسي الوافد، ممثلاً في رئيس جمهوريتها، فإنّنا تأبى علينا أعراقنا، وتقاليدنا، وكرمنا العربي الإسلامي، أن نلقي في وجه الضيف الفرنسي القادم، بتحية المرحوم الشاعر صالح خرفي، التي ألقى بها في وجه ضيف فرنسي آخر حلّ بالجزائر ذات يوم من ثورتها، وهو “غي مولى” Guy Mollet، رئيس حكومة فرنسا، حين قال عنه:

أطلّ على الجزائر ثم ولّى      فلا أهلا بمقدمه وسهلا

إنّنا بالرغم من الذكريات المرّة التي تستبد بمشاعرنا، فتعيد إلى ذاكرتنا التاريخية صور التعذيب، والترهيب، والقمع، والتخريب، تأبى علينا عراقتنا إلا أن نخصص للقادم الفرنسي عبارات الضيافة التي قال عنها حاتم الطائي:

يا ضيفنا، لو جئتنا لوجدتنا     نحن الضيوف وأنت ربّ المنزل

فسيجد الرئيس “فرانسوا هولاند” أطيب الإقامة، وأطايب المأكولات الجزائرية الشهيّة، ولكنّها لا تنسينا، أنواع الإعاقة التي لا زلنا نعانيها؛ بعضها في الأبدان وأخرى في اللسان والجِنان.

سيقرأ الضيف القادم في شخصيتنا ملامح هويتنا المنسلبة، وألسنتنا المرقعة، ولغتنا المهجورة، وثقافتنا المطمورة، وكلّها آثار للغزو المتعدد الأعراض والأساليب التي ناءت بكلكلها شخصيَتُنا محاولةً طمسها، وعقيدََُتنا محاولةً كنسها.

إنّ الشجاعة التي تتحلى بها الجزائر الرسمية التي تخصص لضيفها، ما يستحق من كرم الضيافة، وحسن الاستقبال، نَتَمنَّى أن تقابلها شجاعة مماثلة من جانب فرنسا الرسمية، فتخرج على الناس باعتراف الشجعان، وتقرّ بما اقترفته في حق بلادنا، من ويلات ومحن، فتعتذر للشعب الجزائري عمّا فعله -باسمها- أراذل القوم، وتمد يدًا نظيفة لمصافحتنا، إذا أرادت أن تبدأ صفحة جديدة في تاريخ علاقاتنا.

يجب أن يدرك القادم الفرنسي -إلينا- مدى الحزن والأسى اللذين سيستبدان بذاكرة شعبنا، فيحرك السكين في جرحه الغائر، ويثير الأعصاب في جسم الحرّ الثائر. فما من أسرة جزائرية، إلاّ وفقدت نتيجة القمع الاستعماري، شهيدًا أو شهيدة، أو طريدًا أو طريدة، وتضحيات جسيمه شديدة وعديدة، ويقولون أنّ دواء كلّ ذلك النسيان، ليتني أنسى! ولكن كيف أنسى؟!.

لقد سبقت فرنسا دولٌ قبلها قدمت اعتذارا لشعوب استعمرتها، وقهرتها، فما زادها ذلك إلا رفعة وسموًا.

ليس العيب –إذن- أن تخطئ فرنسا في حقنا، ولكن العيب كلّ العيب أن تتمادى في خطئها، وأن تصرّ على ضلالها القديم.

إنّ التاريخ قد فتح صفحاته، في جزائر المليون شهيد، وناظرٌ ماذا سيكتب المؤرخون بعد نصف قرن من النكران والجحود.

فهل سترتفع فرنسا، في شخص رئيسها الاشتراكي “فرانسوا هولاند”، فيندد بجرائم رفقائه الاشتراكيين، من أمثال “غي مولى” و”روبير لاكوست” و”فرانسوا ميتران” وأدوات قمعهم، فيصحح التاريخي الفرنسي على يديه؟.

إنّ الرئيس “هولاند” لو فعل هذا فسينقذ بلاده وتاريخها من لعنة التاريخ التي ستظل تلاحقها، بسبب جرائمها في الجزائر… وإنّه لو فعل هذا، فسيجد من الجانب الشرفي عندنا استعدادًا للتعاون الجديد في جميع المجالات الاقتصادية، والثقافية، والسياسية، والصناعية، على أساس الشراكة النظيفة، والمصلحة العفيفة، والمعاملة اللطيفة.

ويجب أن نذّكر ضيفنا بما قاله في حق أمثاله شاعر عربي خالد:

يا ابن الذين تحكموا بالأمس في أمر الشعوب

الأمس قد ولّى    وها أنتم هنا خلف الدروب

نزلاء شعب في جحيمكم    تأهب للوثوب

وويل للمجرمين من لعبة التاريخ

وويل للظالمين من نقمة الشعوب

ونريد أن نتطلع إلى المستقبل، ولكن في ضوء الماضي.                                                                                                           

 

تغريدات الجمعية