محمد البشير الإبراهيمي رائد البيان والتبيين دراسة تحليلة لمقال الإبراهيمي الموسوم (هجرة النبوة)/ أ.د. أحمد عثمان رحماني

محمد البشير الإبراهيمي رائد البيان والتبيين دراسة تحليلة لمقال الإبراهيمي الموسوم (هجرة النبوة)/ أ.د. أحمد عثمان رحماني

البشير الابراهيمي1توطئة:

تحليل مقال (هجرة النبوة) يتطلب قدرة خاصة في سبر أغوار التاريخ وفلسفته، لاكتشاف المقومات الأساسية للوعي بتاريخ الهجرة، ذلك هو السبيل  لاكتشاف العناصر الجوهرية في بيان المقال وتبيينه ومن ثم  تحديد وظيفتها في الكتابة، وفعاليتها في الإقناع والتأثير، لأن تكثيف اللغة أو الإيقاع، أو الصور البيانية من شأنه أن يقرب النص النثري من خصوصيات الشعر، وهذا جميل، لكن؛ لابد مع ذلك من الانسجام حتى لا يتسبب في إفراط وظيفي للعنصر المكثف فيؤدي إلى زخرفة مقيتة، كما أن نقصانه  يسبب قصورا وظيفيا يؤدي إلى المباشرة، ولعل حاجة المقال إلى الإقناع أكثر من حاجته إلى التأثير، لكن الجمع بينهما حسن في الأسلوب كما بينا سابقا في نظرية أبي حيان التوحيدي  حول( الأسلوب الثالث). ومن تلك العناصر طبيعة النص،  وبنائه الفكري، وبنائه الفني، والأسلوب المعتمد في الأداء، والقيم البيانية والصوتية الموظفة  ووظيفة كل عنصر منها، ودرجة فعالية الأدوات لتحقيق الأثر المرتجى من جماليات النص.

قيمة العنوان في العمل الأدبي:

لما كان الأصل في العنوان هو”منح النص اسمه وهويته ومظهرا قصدية المؤلف وخلق أفق التوقع عند المتلقي”[1] فإن عنوان (هجرة النبوة من مكة إلى يثرب)  يعد نقطة مركزية، تحيل على هوية النص، لتصيره دلالة على نوع من الهجرة ذات بعد مغاير للمألوف، مما يعمّق أفق التوقع لدى المتلقي، بحثا عن قيمة (هجرة النبوة)،  لكنها دلالة متولدة عن (التمركز المنطقي) من حيث هو عمل عقلي، بعيدا عن (الشعرية) التي هي عاطفية تخييلية بطبيعتها. لتدخل في عمق التأمل الديني، الذي هو نوع مختلف من التفكير الروحي الصادق، ولما كانت كذلك، فإننا سنبحث عن عمق الدلالة، في النص، وتطورات ملفوظه ومعناه، لنتساءل: فما معنى هجرة النبوة؟

عنوان النص: إن (هجرة النبوة من مكة إلى يثرب)[2]، لهو عنوان دقيق الدلالة، إذ لم يقل (هجرة النبي) ولكن قال (النبوة)، وذلك يعني الحديث عن انتقال الفكرة، من مكة إلى المدينة، وبه يوحي بدلالة عميقة فسرها في السطر الأول من المقدمة إذ بين أن  ” ذلك المعنى الجليل .. بدأ تاريخاً فأنشأه، وأنهض أمة، واستأنف عالماً” فأعطاه بواسطة اختيار ثلاث كلمات دقيقة ثلاثة أبعاد حضارية تتدرج  من نشأة الحضارة، إلى تكوين أمة، إلى استئناف رسالة عالمية نبوية.

طبيعة النص: النص مقال، فهو من النثر الأدبي الفني، ومقصده هو تبليغ رسالة عن مفهوم عميق ( للهجرة)؛ لذلك يُفترض أن يكون من النثر الفني الإسلامي؛  موضوعا وهدفا، و صياغة، ممثلا في مقال يجمع بين الموضوعية و الذاتية؛ لأنه يتخذ من الأسلوب البرهاني أداة للإقناع بحدث تاريخي  وديني في الوقت نفسه، فهو يجمع بطبيعته بين الذات المتعاطفة مع الموضوع، وكونه حقيقة تاريخية تمثل منعرجا خطيرا في حياة البشرية عامة؛ لاستئنافه رسالة الأنبياء، وفي الحضارة الإسلامية خاصة؛ لبعث حضارة نصٍّ عربي اللسان رباني المصدر. من هنا قيل: ” ليست المقالة الأدبية رأيا جامعا مانعا، وليست هي حكمة موجزة أو مثلا سائرا أو جامعة من جوامع الكلم. وإنما هي تجربة عقلية ووجدانية مر بها الكاتب وتمثل خطوطها وألوانها وعبر عنها بأسلوبه الخاص الذي يحمل طابع شخصيته. فهي بهذا تنضح بالذاتية، وتمثل شخصية الكاتب أصدق تمثيل”[3].

 ويتشكل مقال (هجرة النبوة من مكة إلى يثرب) من مقدمة تطرح إشكالا، يلخصه سؤال حول خصوصية دلالتين لكلمة (هجرة)؛ لغوية وتاريخية مفاده: (هل سمته اللغة بأقرب الكلمات إلى معناه، وبما يدل على ظاهره الذي هو انتقال جسماني؟ أم تجاوزته إلى الدلالة  النبوية ذات البعد التاريخي حين سمته:  (الهجرة النبوية المحمدية؟) لذلك تضمن المقال مقدمة مركبة،  يعقبها عرض تحليلي للموضوع، ويخلص إلى خاتمة.

البناء الكلي لنص المقال:

أولا بناء الأفكار: بني هيكل الفكرة  من مقدمة وعرض وخاتمة.

1ـ المقدمة: كانت مقدمة المقال مركبة من دلالتين دلاة لغوية تجاوزها الكاتب لبساطتها، ودلالة تاريخية حضارية، عمد إلى الكشف عنها  بتحليل عقلي عميق ليبرز أنها (هجرة من نوع آخر) لها مقدمات ونتائج، تقوم على وصف وقص، وسرد، ورواية، وشخصيات، واستعراض لآراء. لذلك كانت المقدمة تطرح  قضية تمثل منعرجا حاسما في الحضارة  الإسلامية، كما تضمنت كلمة عن الفرق بين المنهج اللغوي والمنهج التحليلي منتصرا للمنهج التحليلي بقوله: “لا كاشف للحقائق الكونية كالبحث، ولا شارح للأسرار الدينية كالتدبر، ولا محلل للأحداث الاجتماعية كالتاريخ، أما اللغة العربية فوظيفتها وضع العنوان ورسم الخطوط، ومن طلب من اللغة ما هو فوق ذلك فهو لاغٍ” .

2ـ عرض الموضوع وتحليل القضية: يعرض الإبراهيمي موضوعه في فقرات متوازنة ومتماسكة، تراها محكمة النسج تحس كأنما أفرغت إفراغا واحدا فسبكت سبكا.

 يستهل الشيخ الإبراهيمي عرضه للقضية بتوجيه الدلالة وجهة أعمق تفرق بين هجرة (النبوة المحمدية) والهجرة العامة  ليجعل “الهجرة – بهذا المعنى الخاص – كانت وما زالت  تعني، هروباً من الباطل والمبطلين، ونجاءً بالنفس أو بالعقيدة أو بهما، فهى في خلاصتها انهزام يعتذر بالضعف إلى أن يجد القوة، وفرار بعزيز يخاف عليه إلى حيث يؤمن عليه”

 ثم يتدرج في فقرة موالية ترتبط بالأولى وتنطلق منها  بحثا عن الاستدلال ليكشف عن الفروق الدقيقة للدلالة، فيجد تاريخ الهجرة كله مختلفا عن هجرة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لكونها هجرة استراتيجية بما في ذلك تاريخ النبوة كله إذ ” لم يخرج عن هذا المعنى حتى هجرة الأنبياء والصدِّيقين كإبراهيم ولوط، هاجرا من بابل إلى كنعان، ولم يرجعا إلى بابل من كنعان” فهي هجرة مغادرة طلبا للاستقرار، “أما هجرة محمدe وأصحابه فكانت هجرة قوة كاثرها الباطل المتهافت، والشرك المتخافت، وعاقها عن امتداد العروق، وبُسوق الأفنان في أرضها التي فيها نبتت. وجوّها الذي فيه تنفست، وقد طاش ذلك الباطل الطيشة الكبرى، وبحث عن حتفه بظلفه، فأخرج تلك القوة إلى حيث تزداد قوةً ورسوخاً، وهذا من عجيب صنع الله لهذا الدين القوي الراسخ”، ولا شك أن هذا التفسير للفرق بين هجرات أولي العزم دقيق جدا، ومهم كذلك؛ لأنه يقف على أمر ذي أهمية في حياة الإسلام وتاريخه العريق، ليس من حيث هو عنوان (الحق) وحسب، ولكن؛ لأنه الأسلوب الذي اختاره الله للبشرية كاختيار نهائي، لقوله تعالى {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}[الحج: 78]، إذ سبقت هذه التسمية بقوله تعالى:{هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، فهناك إذن اختيار لفئة من البشر مجتبين للقيام بدور عظيم في الحياة هو رعاية (الحقيقة) التي عمل المغضوب عليهم على تضييعها.

لذلك  يستمر الإبراهيمي في مناقشة القضية فيحاول أن يجد سرا في تسمية الله في القرآن لفعل الهجرة من مكة إلى المدينة بلفظ (الإخراج) بدلا من (الهجرة)،  وتفسيره لذلك: أنها لطيفة مقصودة لحكمة لعل بعضها  يعود إلى الاستثارة المسبقة للرغبة في العودة لبيت الله الحرام  التي لابديل للمسلمين بها “وبعض الحكمة في ذلك أن التذكير بالإخراج من الديار يذكي الحماس، ويبقي الحنين إلى الديار متواصلاً، وينمي غريزة الانتقام والأخذ بالثأر، وأن إيجاب الهجرة بتلك الأساليب المغرية البديعة، هو جمع لأنصار الحق في مأرز واحد، بعد تشتتهم لينسجموا ويستعدوا إلى الرجعة والكرة” ويستدل على ذلك بالأثر، الذي لازالت لغة النص القرآني تثيره في النفوس، كلما تأمل القارئ معاني ما يقرأ: ” ثم انظر أيّة ثورة تثيرها في النفوس الحرة آية:{إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا}[التوبة: 40] وآية{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[الفتح: 25]، ومن الحق أن هذا التفسير لتميز هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها هجرة استراتيجية وليست هجرة هروب يبينها حديث شريف يحدد حالات متعددة لطبائع المجتمعات في إطار صراع الأفكار، منه حالة (الاعتزال انتظارا للحل)[4]

وقد عرج الكاتب على (العبرة) من دراسة السيرة ملمِحا لدور التآخي بين المهاجرين والأنصار في ترسيخ قيمة التآخي كقيمة حضارية لها فعاليتها في القضاء على أسباب الشقاق بين المتجاورات وغلق طريق الطمع  أمام القوى المستكبرة، التي  كانت ولا تزال تعتمد (الفتن) لتسود، وهي عبرة كنا نتمنى لو أن الإخوة الأعداء في الوطن العربي يستفيدون منها، للبحث عن الحلول القرآنية لقضاياهم المصيرية.

إن الكاتب لما التفت إلى تاريخ المسلمين، بعد العصور الذهبية، وجد الضعف ينخرها، فبحث عن العلة في ذهاب قيمة ( التآخي)  وحلول (الفرقة)  في العصور المتأخرة، ففسره بنسيان القرآن، إذ “لو دامت للقرآن هيبته في الأفئدة وسلطانه على القلوب لما نبض عرق اليمانية والقيسية في الدولتين الأمويتين بالشرق والأندلس”

الخاتمة: بعد ذلك العرض التحليلي الموجز لمعنى الهجرة كما يتصوره، تأتي لحظة الاستنتاج، وبذلك يعقد خاتمة للمقال،  لخصت النتيجة متمثلة في أمرين:

1ـ التمني: كقوله “ليت شعري…ولَيْتٌ يَقُولُها المَحْزُونُ[5]، هل تحمل ذكرى الهجرة المتكررة مع كل عام أولئك … هل يرجعون بالذاكرة إلى بيعة العقبة وما جرت للعرب من أخوة وسيادة، وعزة وسعادة “

 2ـ التحذير: كقوله “هل يعلمون أن الوطن الذي يعمر بمال الأجنبي ويد الأجنبي! وعلم الأجنبي محكوم عليه بالخراب”

التشكيل الجمالي والفني لمقال (هجرة النبوة): يمكن معالجة التشكيل الجمالي للنص من خلال  (خصوصيات الأسلوب) إذ تميزت أسلوبية الإبراهيمي بالسمات العلمية البرهانية أساسا،  لكن لم يخل من الصور البيانية والبديعية تقريبا، كالقيم الصوتية المألوفة في الفن النثري   من جناس وسجع، وموازنة، وتكرار، وغير ذلك مما يصلح لاستغلال القيمة الصوتية في إحداث التأثيرات الجمالية، فالكاتب وظف بصورة أساسية سمات أسلوبية عالية  هي أصلح للهدف العلمي الذي يتطلب الإقناع والتأثير معا، إنه أسلوب ممتع ومفيد حقا، يؤدي المعنى العميق، ويرفع القيمة الجمالية،  ومن هذه السمات الأسلوبية:

أـ  البرهان التسلسلي، المبني على الحجج  النقلية والعقلية للإثبات أو النفي، والمقدمات وما يترتب عليها من استنباط للنتائج، والتدرج من البسيط إلى المعقد، ومن المعلوم إلى المجهول، ومن المادي إلى الروحي كما في المثال التالي : “فسماه الهجرة النبوية المحمدية، وكشف بهذين الوصفين بعض السر، ونبه العقول إلى أنها هجرة من نوع آخر”.

ولكي يبرهن على أنها هجرة من نوع مختلف اعتمد أسلوب التقسيم فدخل إلى أعماق الشعور وجوانب النفوس مدققًا متقصيًا،   فقال: “ومضى يربط سوابقها بلواحقها، ويصف، وفي كل وصف مثار للإحساس، ويقص، وفي كل قصة موضع للعبرة، ويروي الوقائع، وفي كل واقعة جيش لجب من الحماس، ويحكي الأقوال، وفي كل قول مجال للحكمة، ويسلسل الحوداث، وفي كل حادثة مسرح للعقل، ويسمى الأشخاص، وفي كل شخص وقفة للتوسم، ويستعرض الأراء، وتحت كل رأى نسق من التدبير، ثم يبني النتائج على المقدمات، ويصل الآثار بالمؤثرات، وينتهي وقد كشف عن ذلك المعنى الجليل الذي ضاقت عنه كلمة (هجرة) أتم كشف، وفسره أكمل تفسير”

 ففي ترديده للأدلة  واسقصائه للأحوال بناء على الأفعال المضاعة  المتتالية التي تفيد التجدد كما يلي: (مضى يربط، يصف، يقص، يروي، يحكي، يسلسل، يسمي، يستعرض، يبني، يصل، ينتهي)  أقول: في كل ذلك التكرار والاستقصاء ما يكشف عن تقديم البرهان لإثبات فكرته  بقوة، عبر عنها بقوله: (فسمّاه الهجرة النبوية المحمدية، وكشف بهذين الوصفين بعض السر، ونبه العقول إلى أنها هجرة من نوع آخر)

وهو لايكتفي بالبرهان العقلي والاستقصاء  الأسلوبي، ليقنع المتلقي، بل يلجأ إلى الاستدلال النقلي، كما في قوله: “وانظر إلى بدر والحديبية وعمرة القضاء تجدْها كلها تعبر عن اتجاه وتحويم، وعن حنين إلى مكة تدل مظاهره على خفاياه، ثم انظر أيَّةَ ثورةٍ تثيرها في النفوس الحرة آية : (إذ أخرجه الذين كفروا) وآية (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام)” فتراه يكثف الأدلة النقلية، كما كثف الاستقصاء الأسلوبي ليحقق الهدف  إقناعا وتأثيرا، إفادة ومتعة.

ب ـ التضاد: إن التضاد نوع من الأساليب الفنية المحققة للمفارقة، كالتي نلمسها في شعر المعري،   وقد التمس الإبراهيمي ذلك فتميزالأسلوب  باعتماد (صيغ التضاد والمقابلة)، كما تتجلى في قوله: (فهو يبدئ ويعيد) وقوله: (ويحييان من الأواصر والشوابك ما أماتته عِبِّيَّةُ الجاهلية، ويميتان من النعرات المفرقة ما كانت تحييه المنافرات والمفاخرات)  فهذه الصيغ القائمة على التضاد غرضها قوة البيان، والتشديد على التبيين، إذ الأمور بأضدادها تتضح فيتحقق  الهدف بما تثيره من انتباه للسمع والعقل معا.

دـ صيغ الوصف التي كثفت الترادف، كقوله: (تقبيحه وإنكاره وتحريمه)، وقوله: (وهو يقرنه بالقتل تشويهاً له وتشنيعاً عليه) (يتعاصى عن الصفح والعفو) وقوله: (وجاء العلم فشرح ووضح وفسر وتوسع) وهدفها زيادة الإيضاح، لذلك كان المقال  واضحا  ومستوى الوعي فيه ناضجا، لأن التحكم في عبارات الوصف كان  جميلا موفقا

ج:  العبارات والجمل الفعلية الماضوية: عباراته بصفة عامة جميلة رشيقة عذبة، تسيطر عليها رؤيا  الأديب الإسلامية للتاريخ النبوي، و لما كان الموضوع تاريخيا فمن الأليق أن يبنى سرد الأفكار على  صيغة فعل الماضي في  الغالب؛ لأنها أكثر صلاحية لتقريرحقائق ثابتة،  وذلك أصلح للتلقين الذي من شأنه أن يسند البرهان على الخبر؛ لأن الموضوع تاريخي في طبيعته، تستقيم معه آلية السرد ( الفعل الماضي)، لذلك نجد في مطلع كل فقرة بداية بجملة فعلية ماضوية كقوله في الأولى (لم تتسع العربية – على رحب آفاقها – لذلك المعنى الجليل الذي بدأ تاريخاً) إذ حرف(لم) في “ظاهر مذهب سيبويه أنها تدخل على مضارع اللفظ، فتصرف معناه إلى المضي”[6]، أما في الفقرة الثانية فالفعل ماض صريح :قال: (انتهى الحكم في ذلك المعنى الجليل إلى التاريخ بعد اللغة فسماه الهجرة النبوية المحمدية) وفي الموالية لها:  (كانت الهجرة – بهذا المعنى الخاص – وما زالت، هروباً من الباطل والمبطلين،)  وفي التي تليها(من اللطائف أن القرآن ذكر قصة الهجرة المحمدية من مكة إلى يثرب…) وفي التي تليها يستخدم الجملة الشرطية التي تحيل على الدلالة على الزمن الماضي كما يلي: ( وانظر إلى بدر والحديبية وعمرة القضاء تجدْها كلها تعبر عن اتجاه وتحويم ) ثم يعود إلى الماضي المركب كما في قوله: (ما زلتُ منذ درستٌ السيرة بعقلي، أقف في بعض مقاماتها على ساحل بحر لجي من العبر والمثُلات) وتليها أخرى هكذا (جاءت النبوة من مكة إلى المدينة تعمل عملها في جمع القوتين).

ولم يستخدم جمل المضارع  إلا في الخاتمة حيث التمني الذي يفيد رغبة قوية في التحول، فجاءت جملُه مرتبطة باستفهام  كما يلي: (ليت شعري … ولَيْتٌ يَقُولُها المَحْزُونُ[7]، هل تحمل ذكرى الهجرة المتكررة مع كل عام، أولئك وأولئك على أن يتآخوا على ما تآخوا عليه ؟ هل يرجعون بالذاكرة إلى بيعة العقبة؟ هل آن لهم أن يعلموا أن هذه المذاهب التي صيرتهم أوزاعا في الدين والدنيا هى السبيل المفرقة عن سبيل الواحد ؟ هل يعلمون أن طلاب الغاز غزاة؟ )

ـ العبارات الصارمة في الأحكام: ووظيفتها التلقين العلمي، وبث روح اليقين في المعلومة، كقوله: (لا كاشف للحقائق الكونية كالبحث، ولا شارح للأسرار الدينية كالتدبر، ولا محلل للأحداث الاجتماعية كالتاريخ)

الصور البيانية:  ووظيفتها إخراج المجرد إخراجا حسيا، واستنفار المخيلة، وقوة التخييل، ليتم الإدراك للحقائق، لأن الحس دائما أقوى في التأثير، من التجريد، ومن الصور البيانية وظفت الاستعارة كما في قوله: (أقف في بعض مقاماتها على ساحل بحر لجي من العبر والمثُلات) (بينهما نار العصبية) (جاءت النبوة من مكة إلى المدينة) ( رؤوس الأموال الأجنبية ذات قرون ناطحة)

المحسنات البديعية الصوتية: ووظيفتها استنفار القوة السمعية لإثارة الانتباه، لمغزى القول ومنها:

التكرار: فقد بنى أسلوب الإبراهيمي من حيث التراكيب على هذا الإيقاع الجميل الناجم عن التكرير المحبب إلى النفس كما في قوله: “وإن له في نفوس الأحرار لأثراً يتعاصى عن الصفح والعفو، وإن له في نفس سيد المرسلين لوقعاً مؤلماً ” وكذلك  التكرار في قوله: “إلى يوم أخرجه قومه بغير حق، إلى يوم أخرجه ربه إلى بدر بالحق، إلى يوم صدقه ربه الرؤيا بالحق” .

الجناس: كما في قوله: (فَال رأيُ أبرهة في الفيل) (جار الجنوب الحبشي، وجار الجنب الفارسي) .

 المشاكلة: كما في قوله: (هل يعلمون أن طلاب الغاز غزاة، وأن الشركات أشراك).

 السجع: وهو مما يرفع من قيمة الشعرية في النثر الفني، لأن الفاصلة كالقافية تؤدي دورين؛ تعين نهاية المعنى، وتحدد الانسجام الصوتي، كما في قوله (وإن تعالت في الأفق قبابه، وكُسيت بوشى السماء هضابه، وسالت بذهب الأرض شعابه !)

 من كل ذلك يتبين أن الإبراهيمي قد وظف الأسلوبيات المختلفة، فكل تلك الحيل التعبيرية والإيحائية وُظّفَتْ، لتزيد في قوة القول ونفاذه، من أجل أن يحقق الهدف، فأفاد بالفكرة حين عرضها عرضا منطقيا، وأمتع القارئ بما شحنه من طاقات أسلوبية في المفردة بدلالاتها العميقة،  وأسلوبية الصوت بطاقاته المختلفة العذبة، بواسطة الأصوات المتميزة  وما يتألف منها  وتعاقب الرنات المختلفة للحركات والإيقاع والشدة وطول الأصوات والتكرار وتجانس الأصوات،  وأسلوبية الجملة النحوية بما حافظ عليه من حسن ترابط الجمل واتساق المعاني، وحسن التقديم والتأخير، من هنا عُدَّ الإبراهيمي من كبار كتاب المقالة الأدبية التي تتميزباحتوائها لشروط الإنتاج المقالي، ذات  التأثير القوي، والبرهان المقنع.


[1] ـ بناء لغة الشعر كوهين ص 191 ترجمة أحمد درويش ضمن النظرية الشعرية دار غريب للنشر 2000م

[2] ـ آثار الإمام الشيخ البشير الإبراهيمي  وقد نشر المقال في صحيفة البصائر ع 14 سنة 1947

[3] ـ  محمد يوسف  نجم فن المقالة (1 / 95):

[4] ـ أحمد عثمان  رحماني: استراف أسرارتغير الظاهرة الحضارية ص 829 بحث  ضمن أعمال الندوة العلمية الدولية الخامسة بدبي سنة 1432هـ=2011م

[5] تاج العروس – (ج 1 / ص 3005) ليتَ شِعري مُسافرَ بنَ أبي عَمْ … رٍو وليتٌ يقولها المَحْزُونُ

[6] ـ ابن أُمّ قَاسِم المرادي: الجنى الداني في حروف المعاني – (ج 1 / ص 44)

[7] تاج العروس – (ج 1 / ص 3005) ليتَ شِعري مُسافرَ بنَ أبي عَمْ … رٍو وليتٌ يقولها المَحْزُونُ

تغريدات الجمعية