من معالم التغيير الحضاري عند ابن باديس -الجزء الأول

من معالم التغيير الحضاري عند ابن باديس -الجزء الأول

د. محمد زرمان
أستاذ بجامعة الحاج لخضر ـ باتنة
بن باديسجزء
لقدكان الاجتياح الفرنسي للجزائر عام 1830 يحمل بين طياته –بالإضافة إلى الطمع في الثروة و الرغبة في التوسع- أهدافا صليبية أكيدة، بدت مظاهرها واضحة في وفود جماعات هامّة من القساوسة و الرهبان مع الجيش الفرنسي، ترافقه في حله و ترحاله تحدوها الأحقاد الدينية التي تراكمت خلال قرون طويلة من الصراع المرير بين الإسلام و المسيحية على ضفتي البحر الأبيض المتوسط و تمهد لحملة صليبية شرسة على الشعب الجزائري، تعيد بها أمجاد المسيحية القديمة في شمال إفريقيا، وتجعل من الجزائر أندلسا ثانية.
فقد كتب قائد جيش الاحتلال إلى القسيس الذي رافقه في حملته كتابا يقول فيه: “إنكم جئتم معنا إلى هنا لتفتحوا من جديد أبواب المسيحية في إفريقيا”(1).
و قد كانت الحملة العسكرية الفرنسية على الجزائر بداية لفصل طويل من المآسي و الآلام و الأهوال و المحن و النكبات التي دامت أكثر من قرن و ربع قرن من الزمن، سفك خلالها الاستعمار مغزارا، و ارتكب المجازر التي يندى لها جبين الإنسانية و شن حملة رهيبة واسعة، استهدفت الثقافة العربية الإسلامية للقضاء على مقومات الشخصية الجزائرية وطمس معالمها ومحو آثارها و استبدال الثقافة الفرنسية بها حتى يقطع بين حاضر الجزائريين وماضيهم. وقد تميزت الهجمة الاستعمارية على مقومات الشخصية الوطنية ببشاعة و همجية فاقت بشاعته و همجيته العسكرية، و أعادت إلى الأذهان ما فعله التتار عند دخولهم إلى بغداد.
و جند الاستعمار لتحقيق مشروعه الصليبي كل الوسائل التي أتيحت له، حيث قمع الثورات الشعبية التي قاومته قمعا دمويا و حشيا، و سن قوانين “الأنديجينا” الجائرة، ومارس سياسة التفقير و التجهيل على نطاق واسع لإذلال الجزائريين و إخضاعهم، ووجه ضربات موجعة إلى معالم الدين الإسلامي كالمساجد و الزوايا و الكتاتيب القرآنية، و المدارس، و معاهد التعليم الديني(2) و استولى على الأوقاف و حارب القضاء الإسلامي و حاصره، و شتت شمل العلماء(3) الذين كانوا يمثلون صفوة المجتمع ، كما صلت على الجزائريين الحركات التنصيرية (4) بمختلف مذاهبها مدعومة بالأموال الوفيرة، و القوة لتنصيرهم أو تشكيكهم في إسلامهم، وشجع البدع و الخرافات (5) وعمل على تشويه عقائد الإسلام و أخلاقه و شعائره، وقاد موجات الإلحاد و الإباحية.
فلا عجب – بعد هذه الحرب الشرسة و الإبادة الثقافية الشاملة –أن نجد الإنسان الجزائري على مشارف القرن العشرين ذليلا، مقهورا، محطما، فقيرا في دينه و دنياه، مستسلما للواقع الاستعماري في كل شؤونه و أن نجد –في المقابل الاستعمار الفرنسي تملؤه نشوة النصر، وهو يتحدث –في غطرسة و كبرياء عن عظمة فرنسا، وقوتها، وحضارتها التي قهرت الشعوب البربرية في شمال إفريقيا، و قضت على الإسلام و شيعت جنازته إلى الأبد(6) لترفع الصليب على أنقاضه.
وفي هذا الظرف الصعب الذي أوشكت فيه أركان الأمة الجزائرية أن تتقوض ، وأشرف فيه كيانها على الاندثار و الهلاك، وعند هذا المنعطف التاريخي الخطير، قيض الله للجزائر-في ليلها الحالك المظلم- رجلا حكيما، رشيدا، صلبا، جدد لها دينها، و غيّر حياتها، وقلب موازين القوى، ابتعثه القدر ليؤلف: “من الشعب ما عجزت عنه الأيدي المهزوزة، و يفجر فيه ما قصرت عنه العقول المتحجرة”(7)، و هو الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الجزائرية الحديثة، وقائد الحركة الإصلاحية، وفارسها المغوار بلا منازع، و: “باني النهضتين العلمية و الفكرية بالجزائر، وواضع أسسها على صخرة الحق، وقائد زحوفها المغيرة إلى الغايات العليا، وإمام الحركة السفلية(8).
فالمتصفح لتاريخ الجزائر الحديث، لا يعدم شواهد كثيرة وحيّة تدل على شموخ هذا الرجل و عظمته و عبقريته الفذة و مواهبه الفريدة التي أهلته لأن يكون علما بارزا من أعلام التغيير الإسلامي الحديث في الجزائر، ورمزا من رموز الإصلاح الكبرى في العالم الإسلامي، لا يقل شأنا في ذلك كله عن جمال الدين الأفغاني و محمد عبده، ومحمد رشيد رضا و غيرهم.
فقد خاض ابن باديس تجربة التغيير الإسلامي طوال ثلاثة عقود متواصلة، أشرف خلالها على مسيرة التغيير الحضاري من موقع العالم القائد المسؤول، و أذن في الناس بفجر جديد يحمل معه بوارق الأمل و التحرير و الانعتاق، و عمل على صياغة وبلورة مجموعة من الأسس النظرية و القواعد الأساسية التي تستند إليها حركة التجديد الحضاري في الجزائر، و التي يمكن اعتبارها المعالم الكبرى في منهجية التغيير الحضاري عنده، و سنحاول في هذا البحث رصد أهمها و تحليلها.

أولا: اختيار المواجهة الثقافية:
يعد اعتماد المواجهة الثقافية معلما بارزا من معالم منهجية التغيير الحضاري عند ابن باديس إن لم يكن أهمها على الإطلاق، و من الطبيعي أن لا يكون هذا الاختيار –الذي أحدث تغييرا عميقا و جذريا في بنية المجتمع الجزائري وحول مجرى التاريخ- اعتباطيا أو عفويا، بل كان مبنيا على أساس متين من الدراسة العميقة المتأنية في واقع الأمة الجزائرية و طبيعة الاستعمار الفرنسي.
ذلك أن ابن باديس كان –قبل أن يخوض غمار تجربته في التغيير- قد اكتسب معرفة دقيقة بالواقع الجزائري حيث أسهمت ثقافته الموسوعية و خبرته التاريخية، و احتكاكه المتواصل بمختلف شرائح الأمة الجزائرية في فهم طبيعة المجتمع الجزائري، و تشخيص أمراضه و علله تشخيصا صحيحا، وإدراك أسراره و ملابساته و قضاياه، و رصد ظواهره ومعرفة ما يسوده من مذاهب، وما يحركه من عوامل، وما يصطرع فيه من قوى، وما يعاني من أزمات و قد عزز هذه المعرفة العميقة للواقع، بقراءة واعية للتاريخ الجزائري منذ الاحتلال الفرنسي حتى قيام الحرب العالمية الأولى، وهي التي مكنته من رصد مكامن قوة العدو و تقديرها، ودراسة ظروف ثورات المقاومة الشعبية(9) و استكناه أسباب إخفاقها وعوامل فشلها، وما لحق الشعب الجزائري بعد هزيمة الثورات من محن و مآس كسرت عزة نفسه، و حطمت آماله و أسلمته لليأس و القنوط.
وقد هداه نفاذ بصيرته، و عمق نظرته للأحداث التاريخية إلى مواجهة الاستعمار الفرنسي بجيوشه الجرارة و أساطيله الضخمة عسكريا، وفي تلك الظروف الراهنة مغامرة مجنونة غير محمودة العواقب، لذلك لم يفكر في القيام بثورة شعبية أو انتفاضة مسلحة لتخليص الشعب من كابوس الاستعمار، وآمن –في مقابل ذلك- أن طريق الخلاص يكمن في اعتماده المواجهة الثقافية التي رأى أنها أضمن وسيلة للتغيير المثمر، و أنجع طريقة توصله إلى هدفه البعيد بأحسن النتائج وأقل الخسائر.
ومثلما استبعد ابن باديس المواجهة العسكرية، فإنه لم يفكر أيضا في العمل السياسي، ولم يختر طريق المطالبة بالحقوق، باعتبار الجهل الدامس الذي كان الشعب غارقا في ظلماته، مما يقف حاجزا بينه و بين مناصرة من يطالب بحقوقه السياسية. كما أن الوعي الوطني كان ما يزال مغمورا تحت أنقاض الجهل و الأمية و الغزو الفكري الغربي، لذلك رأى أن الحكمة تقتضي مهادنة الإدارة الاستعمارية و تجنب إثارتها لحين من الزمن حتى تأمن حركته التغييرية على نفسها من ضربات الاستعمار القاضية التي لا تتواني عن خنق كل مبادرة وطنية لتغيير واقع الشعب الجزائري البائس، وحتى يجد متنفسا يمارس فيه نشاطه، بعيدا عن المضايقات و الملاحقات، وقد عبّر عن هذا التوجه ب: “مسألة الحكومة وترك الاشتغال بالسياسة”(10)
ويبدو أن نصيحة الشيخ محمد عبده للمصلحين الجزائريين عند زيارته للجزائر في السنوات الأولى من هذا القرن بترك السياسة لأنها من السوس(11)، ولأنها: “ما دخلت عملا إلا أفسدته”(12) و الاهتمام بالتربية و التعليم لأنها أضمن وسيلة للوصول إلى الهدف، وقد وجدت لها أذنا صاغية لدى ابن باديس، بل إنه أدرك أن هذا التوجه أنسب لظروف المجتمع الجزائري في ذلك الوقت.
وهكذا استطاع ابن باديس أن يختار الطريق المناسب ليبدأ حركته التغييرية التي تخطت –في صمت- جمع التحديات، لتصل إلى عمق الداء فتداويه و تحدث المعجزة التي حيرت العالم الذي وقف مشدوها وهو يرى الشعب الجزائري –الذي ظنه الجميع قد طواه النسيان- ينفض عنه غبار السنين لينتفض قويا عملاقا يعلن عن وجوده في قوة تثير الإعجاب، ويقدم البطولات التي تحاكي الأساطير.
وقد اتخذت المواجهة الثقافية التي اعتمدها ابن باديس عدة مظاهر، أبرزها وأشدها تأثيرا في الواقع الجزائري: التعليم، الوعظ و الإرشاد، و الصحافة، و سنحاول تفصيل ذلك فيما يلي:
أ‌- التعليم: لقد كان ابن باديس يدرك أبعاد الخطر الحضاري الذي يمثله الاستعمار الفرنسي على الشعب الجزائري و يقدر مساعيه الحثيثة لمسخه و تحويله عن دينه ولغته حق قدرها، لذلك آمن أن السبيل الأضمن للنهوض بالشعب الجزائري لا يتم إلا بانتهاج سياسة التربية و التعليم، باعتبارها الوسيلة الثابتة التي ظلت –على مر العصور- المنقذ الوحيد من براثن الجهل و أنياب العدو، فوضع برنامجا واسعا لإحداث نهضة ثقافية عن طريق التربية و التعليم.
وكان يصدر في ذلك عن فلسفة تربوية إصلاحية عميقة، تتمثل في اعتقاده الراسخ بقدرة التعليم على صنع الحياة و إحداث التغيير المنشود في أمة أشرفت على الاندثار: “ولا أدلّ على وجود روح الحياة في الأمة و شعورها بنفسها و رغبتها في التقديم من أخذها بأسباب التعليم، التعليم الذي ينشر فيها الحياة و يبعثها على العمل، و يسمو بشخصيتها في سلم الرقي الإنساني و يظهر كيانها بين الأمم”(13).
لذلك ركز في المرحلة الأولى من بداية حركته التغييرية تركيزا قويا و خاصا على التعليم، وبذل فيه جهودا مضنية ليقدم نماذج راقية للتعليم المثمر الذي ينور العقول و يصحح العقائد، و يطهر النفوس، و يقوم الأخلاق و يشحذ الهمم و العزائم، ويكون الأساس المتين الذي يستند إليه لإصلاح المجتمع و إيقاظ الأمة و القضاء على ما يفسد عليها حياتها من آفات اجتماعية: “لمن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم فإن العلماء من الأمة بمثابة القلب إذا صلح، صلح الجسد كله، و إصلاح المسلمين إنما هو بفقههم الإسلام و عملهم به، وإنما يصل إليهم هذا على يد علمائهم، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم و ابتداع في العمل، فكذلك المسلمون يكونون، فإذا أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علماءهم ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم”(14).
وقد استفذ منه التعليم من الوقت و الجهد ما لا يقوى على تحمله إلا أصحاب النفوس الكبيرة و الهمم العالية و العزائم القوية، حيث رابط لسنوات طويلة بمسجدي سيدي قموش و الجامع الأخضر بقسنطينة يمضي سحابة نهاره، وجزءا كبيرا من ليله، في التربية و التعليم و الإرشاد و التوجيه و التكوين ؛ فكان يلقي أكثر من عشرة دروس في اليوم و الليلة، و يبدؤها بعد صلاة الفجر ولا يختمها إلا مع منتصف الليل، وخلال ذلك كله، لا يستريح إلا لمدة ساعة واحدة بعد صلاة الظهر يستأنف بعدها نشاطه دون كلل أو ملل.
وبعد مدة بدأت هذه الجهود الجبارة المخلصة تؤتي أكلها الطيب، و تطرح ثمارها اليانعة، حيث تخرج على يدي ابن باديس جيل جزائري صحيح العقيدة. نظيف الفكر، طاهر النفس، وقوي الإرادة، كان بمثابة الأسس التي ارتكزت عليها حركة الإصلاح و التجديد في الجزائر، وقد نوه الإبراهيمي بهذا العمل العظيم، وأكد على الأثر العميق الذي تركه في مسيرة الحركة الإصلاحية قائلا: “الثورة التعليمية التي أحدثها الأستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس بدروسه الحية، و التربية الصحيحة التي كان يأخذ بها تلاميذه، و التعاليم الحقة التي كان يبثها في نفوسهم الطاهرة النقية، و الإعداد البعيد المدى الذي كان يغذي به أرواحهم الوثابة الفتية، فما كادت تنقضي مدة حتى كان الفوج الأول من تلاميذ ابن باديس مستكمل الأدوات من فكر صحيح، وعقول نيرة، ونفوس طامحة، و عزائم صادقة وألسن صقيلة، و أقلام كاتبة، و تلك الكتائب الأولى من تلاميذ ابن باديس هي طلائع العهد الجديد الزاهر”(15).
وقد ظل ابن باديس –طوال حياته- يتعهد حركة التعليم بالعناية و الرعاية، و يحرص على توسيع دائرتها ما أمكنه ذلك، و بالتحام جهوده و جهود العلماء المجددين في ظل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أخذ التعليم العربي في الجزائر طابعا رسميا و تطورت أساليبه و مناهجه، فانتشرت المدارس و كثر المعلمون، و تزايدت أعداد التلاميذ الجزائريين المتمدرسين أضعافا مضاعفة، و تحولت المدرسة العربية إلى وسيلة فعالة في المواجهة الثقافية مع الاستعمار الفرنسي الذي بذل جهودا للحد من حركة التعليم العربي و تحجيمها، ومحاصرتها بما صبّه على العلماء من أسواط العذاب و الاضطهاد، وما أصدر من قوانين جائزة لإغلاق المدارس و تعطيلها، غير أنه لم يجد أمامه سوى الإصرار القوي و المقاومة الباسلة، وها هو ابن باديس يعلن في لهجة حادة للسلطات الاستعمارية التي طالبة بتسليم إحدى المدارس العربية لتحويلها إلى مدرسة فرنسية عن استحالة تحقيق ذلك فيقول: “لا يمكن أن تحل الفرنسية و تطرد العربية من مدرسة أسسها الشعب بأمواله لتعليم العربية ولن تخرج العربية من هذه المدرسة حتى تخرج روحي من جسدي”(16).
و قد أثبت التاريخ –بعد ذلك- أن حملة التعليم التي قادها ابن باديس، و رعاها و تعهدها بالعناية الشديدة هي التي أشعرت الجزائريين بهويتهم و خصائص أمتهم، ووضعتهم على خط المواجهة التاريخية المسلحة مع الاستعمار الفرنسي، وقد أشاد صلاح الدين الجورشي بحسن اختيار ابن باديس للتعليم كوسيلة ناجعة لإحداث النهضة الشاملة قائلا: “إن قدرة التعليم على غرس القيم و قلب الأوضاع السلوكية على مستوى الفرد و المجتمع، وقلب الأوضاع السياسية، و الاقتصادية أمر لا ينكره أحد، ولذلك كان اتجاه ابن باديس إلى تعليم الناس هو الصواب بعينه، ولو اختار منفذا آخر لأضاع الفرصة و ضيع جهده دون حصاد نافع”(17).
لقد كان ابن باديس يعلم أن استقلال الجزائر لن يتأتي له والشعب غارق في ظلمات الجهل، مستسلم للطرقية المنحرفة، يدين بالبدع و الخرافات، فكان التعليم هو السلاح الذي أشهره في وجه هذا الواقع المنحرف، وقد كان مصيبا إلى حد بعيد في ذلك، لأن دروسه الأولى كانت فعلا أول مسمار دقه في نعش الاستعمار وقد سأله يوما أحد تلامذته: “بأي شيء تحارب الاستعمار؟” فأجابه على الفور: “أنا أحارب الاستعمار لأنني أعلم أهذب، و متى انتشر التعليم و التهذيب في أرض أجدبت على الاستعمار و شعر في النهاية بسوء المصير”(18).
وعلى الدرب نفسه سارت جمعية العلماء، مقدرة خطورة التربية و التعليم في عملها الحضاري، ومع إصرارها على توسيع دائرة التعليم العربي الحر، ونشر المدارس، و القضاء على الأمية، اختلفت –في سنوات الأربعين- مع بعض الأحزاب السياسية الجزائرية التي كانت تركز على المطالبة بالحقوق السياسية، وترى أن تؤجل قضية التربية و التعليم و التكوين إلى ما بعد الحصول على الاستقلال، أما علماء الجمعية فقد كانوا يؤمنون أن الاستقلال لا يوهب، بل يأخذ بالقوة، و أن الشعب الجاهل الأمي لا يستطيع انتزاع حريته وإنما ينتزعها الشعب المتعلم الواعي، المعبأ بالإيمان القوي الذي يمده بالعزيمة و الصمود و القدرة على الاستمرار و المواجهة: “إن جمعية العلماء تعمل لسياسة التربية لأنها الأصل، وبعض ساستنا –مع الأسف- يعملون لتربية السياسة، ولا يعلمون أنها فرع لا يقوم إلا على أصله… إنها –والله- لجريمة يقيم بها مرتكبوها الدليل على أنهم أعداء للعلم و قطاع لطريقه، أم يقولون (لا علم بدون استقلال) فيعاكسون سنة الله التي تقول (لا استقلال بدون علم؟ ) “(19).
ب‌- الوعظ و الإرشاد: وقد اعتمده ابن باديس كطريقة ناجعة لمعالجة النفوس التي أفسدتها البدع و الخرافات، ولوثتها الأباطيل، و عششت فيها الأفكار المنحرفة و الاعتقادات البالية. حيث يعمد إلى اقتلاع كل ذلك الركام الفاسد من آثار عصور الانحطاط و العهد الاستعماري المظلم، ليحل مكانها المفاهيم الإسلامية الأصيلة، و الاعتقادات الصحيحة، و التصورات السليمة، في محاولة جادة لإعادة تشكيل شخصية الإنسان الجزائري الذي كان يعاني من اختلال خطير في تركيبته النفسية التي غلبت عليها السلبية و الكسل و التواكل و اليأس القاتل الذي شلّ إرادته، و أقعده على التفكير في مستقبل مشرق.
و الوعظ و الإرشاد أسلوب من أساليب الدعوة الإسلامية و “ركن عظيم من أركان الإسلام”(20) اعتمده ابن باديس ليعالج به النفوس المحطمة، و يصلح ما أفسدته الظروف القاسية و المحن المتوالية، لإيمانه بفعالية هذه الوسيلة، في تذكير الناسي، وإيقاظ الغافل، و تليين القلوب القاسية، و ترقيق النفوس التي غلبت عليها الأهواء، ولاعتقاده أن الواعظ إذا امتلك ناصية البيان، وعرف مداخل الإنسانية بإمكانه أن يتناول مستمعيه برفق و أناة عن طريق الترغيب و الترهيب، فيقتلع آثار الرذائل و المنكرات، و يزرع بدلها الفضائل و الصالحات، و يحقق بذلك أعظم النتائج. لذلك كان ابن باديس يرى أن الموعظة تؤثر متى: “حسن لفظها بوضوح دلالته على معناها، و حسن معناها بعظيم وقعه في النفوس، فعذبت في الأسماع، و استقرت في القلوب، وبلغت مبلغها من دواخل النفس البشرية، فأثرت الرغبة و الرهبة، و بعثت الرجاء و الخوف بلا تقنيط من رحمة الله ولا تأمين من مكره، و انبعثت عن إيمان و يقين، ونادت بحماس وتأثر، فتلقتها النفس من النفس، و تلقفها القلب من القلب”(21).
و بهذه الطريقة، استطاع ابن باديس أن يحدث تغييرا عميقا في نفوس الجماهير التي كانت تحضر دروسه المسجدية حيث عززها بالعلم، و حضنها بالأخلاق، وعبأ روحها بمعاني العزة و الكرامة و الأنفة من الظلم و الذل، و بعث فيها الحياة، و زرع فيها الأمل و خلصها من أثقال عصور الاضطهاد و الاستعباد ومن النظرة القاصرة التي كانت تشدها إلى الحضيض و تجعلها قانعة بحياة الهون، و أشعرها بقيمتها، و حسسها بالمسؤولية الحضارية الملقاة على عاتقها، وبالدور التاريخي العظيم المنتظر منها فأوجد بذلك إنسانا جزائريا إيجابيا، فعالا يختلف اختلافا كليا من ذلك الذي شكله الاستعمار.

يتبع

تغريدات الجمعية

    Please check your internet connection.