الدكتور نور الدين الخادمي للبصائر السياسة الحكومية في تونس اليوم هي أكثر أمنا واستقرارا والأكثر اتجاها للمضي قدما. الاهتمام بجامع الزيتونة لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب

تحدث الدكتور نور الدين الخادمي في حوار له مع جريدة البصائر عن السياسة الحكومية المنتهجة اليوم في تونس، ودورها في الحفاظ على الأمن واستقرار البلاد، والمضي نحو غد أفضل، كما تحدث عن جامع الزيتونة كمعلم تاريخي وحضاري إلا أنه يعاني من نقائص لم تلق اهتماما من طرف الجهات المعنية، وذكر البرامج والمشاريع التي قام بها في فترة توليه منصب وزير الشؤون الدينية والأوقاف، كما تطرق للحديث عن كتابه “فقه الثورة”.
حاوره رئيس التحرير: التهامي مجوري
* كيف تصفون التجربة السياسية التي قمتم بها بعد ثورة تونس؟
رغم الأوضاع التي تعيشها تونس من تدهور في المؤسسات والمجتمع إلا أن هذه التجربة السياسية التي جرت بعد ثورة تونس أدت إلى التفاهم والتعاون بين الأحزاب السياسية وقادة الرأي مما أدى إلى تشكيل حكومة من أربعة أحزاب منها حركة النهضة المعروفة على أنها حركة إسلامية إلى جانب حركات أخرى.
* لقد عرفت حركة النهضة تراجعا لدورها داخل السلطة، ما هو رأيكم؟
لقد عملت في حكومة السيد حمادي جبالي وفي حكومة السيد علي عطيف، وزيرا ضمن الفريق الوزاري المستقل الذي لا ينتمي إلى الأحزاب ولكن مع ذلك كنا نحترم الأحزاب، وقد كانت أعمالنا في تلك الفترة مع ثلاثة أحزاب حزب النهضة وحزب التكتل إلى جانب حزب المؤتمر، وبخصوص حركة النهضة لقد ضحت هذه الحركة من أجل مصلحة الدولة بحيث تنازلت عن دورها في الحكومة من أجل تونس ومن أجل إنجاح الثورة.
* كيف نقارن السياسة الحكومية الحالية في تونس مع تجربة الترويكا؟.
أولا السياسة الحكومية الحالية في تونس هي أكثر أمنا واستقرارا للأوضاع، فهي الآن في الخمس سنوات مقارنة بالمرحلة السابقة التي دامت سنتين وشهر، كما أن هذه المرحلة تعد أيضا أكثر اتجاها للمضي قدما، أما تجربة الترويكا لم تتمكن فيها الحكومة التونسية من سيطرتها على الوضع الذي كانت تعاني منه تونس آنذاك.
* بقولك أن هذه التجربة أكثر استقرارا هل هذا يعني أنها أفضل من قبل؟
نربط الاستقرار بالمدة الزمنية حيث أن سرعان مازالت حكومة الترويكا بعد سنة وشهر عكس الحكومة التونسية اليوم والتي هي في الخمس سنوات وبالتالي هذا شجع الحكومة من أجل بناء سياستها وأداء التزاماتها اتجاه البلد والشعب التونسي، بالإضافة إلى أن الحكومة الجديدة ليس لها معارضات مقارنة بالحكومة التي عملت على اضطهاد حركة النهضة التي استجابت لمصلحة البلد، وتقديم مصلحة الدولة والشعب على مصلحتها الحزبية وعلى تأمين المسار الانتقالي.
* بصفتك كوزير سابق للشؤون الدينية، ما هو تقييمكم للقطاع الديني، ومقارنة بالواقع السابق الذي كانت تحسب به تونس قبل الثورة من الدول العلمانية؟
عرف القطاع الديني قبل الثورة العديد من المشاكل والاختلافات، وهذا ما شهدناه أثناء غلق جامع الزيتونة، وإلغاء الأوقاف، وضعف الثقافة الإسلامية، وكل هذا يعود نسبه إلى وزارة الشؤون الدينية الموجودة بالعاصمة، دون أن تكون لها إدراك وملحقات في المديريات والولايات، كذلك الحج الذي كان يؤدى بدون قواعد العدالة، بحيث لم تكن الأولوية في الحج بناء على الأقدمية، وبناء على السن، إضافة إلى غياب معاهد لتكوين الأئمة، والإطارات الدينية، بالإضافة إلى غياب الإعلام الديني، وكل هذه التضليلات التي عاشها المجتمع التونسي كانت موجودة قبل الثورة، فالخطاب الديني قبل الثورة لم يكن خطابا إقناعيا مبنيا على المعرفة الدينية، وعلى المنهج الواضح ولم يكن يتناول قضايا الأمة التي كانت تعيشها تونس، فشأن الدين في تونس قبل الثورة كان مقسما من الناحية الشكلية والمضمونية والقانونية، ثم عرف تقدما ملحوظا بعد الثورة، فأنا شخصيا لما توليت الوزارة عملت أولا على تحسين الظروف في المساجد من إرشاد الأئمة من خلال خطة الخطاب، وخطة الإمام، إضافة إلى تحسين الأوضاع الإدارية والمالية، والأمر الثاني الذي حرصت عليه خلال مرحلة تولي وزارة الشؤون الدينية هو القيام بالترميمات الضرورية من خلال مشاريع إصلاحية كمشروع إصلاح هيكلي للوزارة، كما وضعنا ما يعرف بالهيكل التنظيمي للوزارة، بالإضافة إلى مشروع إحداث الإطارات الجهوية، وإحداث عدد من الإدارات الفعلية في المجتمع، كما قمنا بتنصيب ستة إدارات عامة في الوزارة إضافة إلى الإصلاحات القانونية في التوظيف، والقيام بدورات تدريبية للإطارات الدينية، كما قمنا بمشروع إعلامي ديني حيث أصدرنا نشرية لأول مرة تصدر في تونس باسم الخبر الإسلامي وهذا للتعريف بنشاط الوزارة، كما قمنا بزيارات ميدانية من أجل التوعية الدينية والوطنية لتوصيل رسالة إيجابية صحيحة للمجتمع التونسي بناء على الدين الإسلامي، بالإضافة إلى تحقيق العديد من المشاريع كمشروع الزكاة ومشروع الديوان الوطني للحج والعمرة، ولكن للأسف هذه المشروعات لم تدم طويلا، ونأمل أن يعاد النظر لمثل هذه المشاريع الناقصة للدولة والشعب التونسي.
* هل كل هذه المشاريع مازالت تؤدي وظيفتها؟
للأسف الشديد هناك تأخير وتعطيل للعديد من المشاريع التي كانت من المفروض أن تواصل الوزارة في إنجازها بكونها مبدأ مقرر في القوانين والدساتير، ولهذا دعونا الوزارة إلى النظر في هذه المشاريع حتى تعود بالفائدة على الشعب والحكومة كما ينبغي أن يكون هناك إعلاما حضاريا مدنيا قويا في الصوت والصورة والعبارة يعني شكلا ومضمونا حتى يؤدي وظيفته كما يجب.
* ما هي أوضاع المجلس الإسلامي الأعلى؟
عرف المجلس الإسلامي الأعلى تراجعا كبيرا حيث أصبحت مهامه لا ترتقي إلى المستوى المطلوب، كما أصبح رئيسه معفى من كل المهام، كما تراجع عن دوره الفكري والتربوي الاجتماعي من خلال التأثير الديني والإعلامي.
لكن الأصل في المجلس الإسلامي الأعلى هو هيئة استشارية.
المجلس الإسلامي الأعلى هو هيئة استشارية يتبع رئاسة الحكومة، وقد كان يعمل حتى يتولى هيئة من الهيئات الدستورية لكن لم يصل لدوره إلى ذلك وأصبح المجلس الإسلامي الأعلى يقيم دوره بناء على مشروع إصلاح هيكلي وقانوني ومضموني.
* هل هناك مدارس قرآنية من أجل التعليم الديني؟
هناك قرارات من الوزارة إلى جانب اجتهادات من الدعاة والمصلحين من أجل تقديم الدروس الشرعية، فقد كان بعد الثورة إقبال كبير نحوها سواء فيما يخص تفسير القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف إضافة إلى القضايا الاجتماعية وقضايا الدولة، حيث نجد الأئمة في هذه الفترة أصبحوا يهتمون بشكل كبير بأحوال الشأن العام.
* لكن ما يتناوله الإعلام التونسي يبين أن هناك تمرد في بعض المساجد التونسية من خلال إلقاء الخطابات التي لا تتماشى مع الوحدة الوطنية، ما هو تفسيركم؟
صحيح أن هناك تقصير في مساجد تونس، ولكن ما تتناوله وسائل الإعلام فيه الكثير من المبالغة حيث أن أغلب مساجد تونس هي مساجد منتظمة، تقوم بدورها العبادي والخطابي والتوعوي.
* هل هناك مشاريع بخصوص إعادة بعث جامع الزيتونة؟
منذ بداية الثورة هناك دعوات من أجل الاعتناء بجامع الزيتونة ولكن للأسف لم تكن هناك آذان صاغية من أجل إعادة النظر في هذا المشروع التاريخي.
* من هي الجهات المعنية بالتقصير اتجاه جامع الزيتونة؟
حقيقة ليس هناك تبني رسمي من الدولة بخصوص هذا المشروع، فكان من الواجب على وزارة التربية ووزارة التعليم العالي بالتنسيق مع العلماء، وأيضا الاطلاع على إنجازات وتجارب البلدان المجاورة كتجربة العلم العتيق بالمغرب، وتجربة التعليم المحاضر بموريطانيا، وتجربة التعليم الديني في الجزائر، وكل هذا من أجل الوصول إلى تعليم ديني يتماشى مع الخصوصية التونسية والحاجة التونسية.
* فيما تكمن وظيفة جامع الزيتونة اليوم؟
جامع الزيتونة اليوم تقام فيه صلاة الجمعة وتلقى فيه بعض الدروس ولكنه لم يتطور بعد إلى المستوى المطلوب، باعتباره منطلقا للتدريس الشريعي والعلمي، وكونه معلما حضاريا تاريخيا في تونس.
* ما هي أسباب تفضيل وتأخير جامع الزيتونة عن دوره الأساسي؟
ليس هناك اهتمام كبير بشأن ملف جامع الزيتونة من جهة استئناف التعليم بناء على المرجعية القانونية، وعلى المشروعية الاجتماعية، وأيضا في إطار اعتبار جامع الزيتونة بؤرا لاحتضان عدد من الوافدين العرب والمسلمين، فهو معلم حضاري ديني وتاريخي، وعلمي، حيث أنه يمكن لتونس أن تستثمره في اتجاه نشر الفكر الإسلامي ونشر الوعي الزيتوني المعتدل، وأيضا في إطار ربط العلاقات مع العالم، وتطوير القطاع السياحي والإنتاج الفكري، إضافة إلى الإنتاج المادي والحضاري، وهذا كله مهم، ولا نزال دائما نأمل أن يعيد النظر إلى جامع الزيتونة لإعادة دوره الفعال في المجتمع.
* هل هناك مؤسسات أخرى من أجل التعليم الديني غير جامع الزيتونة؟
جامعة الزيتونة قديمة، وقد تحولت إلى جامعة أكاديمية تتبع وزارة التعليم العالي، وهي تقوم اليوم بالتدريس والتأثير الجامعي، وتقديم المحاضرات، إلا أنه يعاني من بعض النقائص كعدم وجود فروع له في الجهات وعدد الطلبة الذين لا يجاوز عددهم أكثر من المئات.
* هل جامعة الزيتونة فيها كل مراحل التعليم العالي؟
جامعة الزيتونة فيها نظام إلمد-الإجازة والماستر، وفيها دكتوراه، ولكن ليس لها فروع في الجنوب والوسط، ولهذا لا تستوعب كل نشاطات الجامعة من حيث الندوات والملتقيات، ومن حيث استقطاب أعداد أخرى من الطلبة بحيث فيه معهدان، معهد الدين للتونسيين، ومعهد الحضارة يضم التونسيين والوافدين، كما يتخرج من هذه الجامعة إطارات منهم من يمشي للتعليم الثانوي والتعليم الإعدادي، ومنهم من يمشي إلى وزارة الشؤون الدينية.
* ما هي رؤيتك الاستشرافية لمستقبل تونس؟
أولا علينا بالعمل والاجتهاد، وبلوغ الأسباب حتى نصل إلى أهدافنا، كما ينبغي على الشعب التونسي أن يتميز بالوعي لطبيعة المرحلة وتحدياتها لتخطي كل الصعوبات والعراقيل، فالمستقبل يبنى على إرادة الله قبل كل شيء، ثم على استعداد التونسيين حكومة وشعبا للمضي قدما.
* في الختام، كلمة أخيرة لقراء جريدة البصائر؟
الكلمة التي أقولها لقراء البصائر، هو أننا نحن بحول الله سبحانه وتعالى ننظر إلى المستقبل نظرة أمل، وأفق رحب، وهذه الأمة العربية والإسلامية هي فضاء للعطاء والعلم، وللذكر، وفضاء للثبات على قيمنا العربية والإسلامية، والجزائر الشقيقة بلد المليون ونصف المليون شهيد، بلد العروبة والإسلام، والقيم الحضارية والهوية، وبلد الثورة الجزائرية المباركة، تحية لشعبنا في الجزائر وتحية طيبة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فهي جمعية وطنية تظم قوافل من العلماء والمجاهدين المصلحين الذين قاوموا الاحتلال، وساهموا في بناء الدولة من خلال كتبهم وآثارهم، إضافة إلى المجهودات التي يقوم بها صديقنا الدكتور عبد الرزاق قسوم، ومن معه من علماء وشيوخ، فهنيئا للجزائر بهذه الجمعية بدينها وهويتها، وعطائها، ومزيدا من الأمن والأمن والسلم والسلام.

تغريدات الجمعية