وظيفة علماء الدين بقلم الإمام محمّد البشير الإبراهيمي

خصّ الإمام محمّد البشير الإبراهيمي مجلة المنهل (جدّة) بمقال نشر في ثلاث حلقات بتاريخ محرم – صفر – ربيع الأول 1372هـ/ أكتوبر- نوفمبر- ديسمبر 1952م بعنوان:
وظيفة علماء الدين
لا توجد في الإسلام وظيفة أشرف قدرا وأسمى منزلة وأرحب أفقا وأثقل تبعة وأوثق عهدا وأعظم أجرا عند الله من وظيفة العالم الديني ذلك لأنّه وارث لمقام النبوة وآخذ بأهمّ تكاليفها وهو الدعوة إلى الله وتوجيه خلقه إليه وتزكيتهم وتعليمهم وترويضهم على الحقّ حتّى يفهموه ويقبلوه، ثمّ يعلموا به ويعملوا له…فالعالم بمفهومه الديني في الإسلام قائد ميدانه النفوس، وسلاحه الكتاب والسنّة وتفسيرهما العمليّ من فعل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفعل أصحابه، وعونه الأكبر على الانتصار في هذا الميدان أن ينسى نفسه، ويذوب في المعاني الساميّة التي جاء بها الإسلام، وأن يطرح حظوظها وشهواتها من الاعتبار، وأن يكون حظّه من النبوّة أن يزكّي ويعلّم، وأن يقول الحقّ بلسانه ويحقّقه بجوارحه، وأن ينصره إذا خذله الناس، وأن يجاهد في سبيله بكلّ ما آتاه الله من قوّة…وكان كلّ واحد منهم يرى أنّه مستحفظ على كتاب الله، ومؤتمن على سنة رسوله في العمل بها، وتبليغها كما هي، وحارس لهما أن يحرفهما الغالون، أو يزيغ بهما عن حقيقتهما المبطلون، أو يعبث بهما المبتدعة، فكلّ واحد منهم حذر أن يؤتى الإسلام من قبله، فهو لذلك يقظ الضمير، متأجّج الشعور، مضبوط الأنفاس، دقيق الوزن، مرهف الحسّ، متتبّع لـــما يأتي الناس وما يذرون من قول وعمل، سريع الاستجابة للحقّ إذا دعا داعيه، وإلى نجدته إذا ريع سربه أو طرق بالسرّ حماه. وكانوا يأخذون أنفسهم بالفزع لحرب الباطل لأوّل ما تنجم ناجمته فلا يهدأ لهم خاطر حتّى يوسعوه إبطالا ومحوا، ولا يسكتون عليه حتى يستشري شرّه ويستفحل أمره فتستغلظ جذوره، ويتبوّأ من نفوس العامة مكانا مطمئنا، وكانوا يذكرون دائما عهد الله وأنهم أخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحقّ، وأنّ الحقّ هو ما جاء به محمد عن ربّه لهداية البشر وصلاح حالهم، وكانوا يزنون أنفسهم دائما بميزان الكتاب والسنة، فما وجدوا من زيغ أو عوج قوّموه في الحال بالرجوع والإنابة، كما يفعل المفتونون بالجسمانيات في عصرنا هذا في وزن أبدانهم كلّ شهر… وكانوا يحكّمون دينهم في عقولهم، ويحكّمون عقولهم في ألسنتهم، فلا تصدر الألسنة إلا بعد مؤامرة العقل، ويعدّون العقل مع النصّ أداة للفهم، معزولة عن التصرف، ومع المجملات ميزانا للترجيح، يدخل في حسابه المصلحة والضرورة والزمان والمكان والحال، ويميّز بين الخير والشرّ، وبين خير الخيرين، وشرّ الشرّين، لذلك غلب صوابهم على خطئهم في الفهم وفي الاجتهاد، ولذلك أصبحت فهومهم للدين وسائل للوصول إلى الحقّ وآراؤهم في الدنيا موازين للمصلحة، وما هم بالمعصومين، ولكن لوقوفهم عند الحدود وارتياض نفوسهم على إيثار رضى الله وشعورهم بثقل عهده، وفّقهم الله لإصابة الصواب، وكانوا يزنون الشدائد التي تصيبهم في الطريق إلى إقامة دين الله بأجرها عنده، ومثوبتها في الدار الآخرة، لا بما يفوتهم من أعراض الدنيا وسلامة البدن وخفض العيش وراحة البال، فكلّ ما أصابهم من ذلك يعدّونه طريقا إلى الجنة ووسيلة إلى رضى الله.
وكانوا ملوكا على الملوك واقفين لهم بالمرصاد، لا يقرّونهم على باطل ولا منكر، ولا يسكتون لهم على مخالفة صريحة للدين، ولا يتساهلون معهم في حقّ الله، ولا يترضّونهم فيما يسخط الله.
بتلك الخلال التي دللنا القارئ عليها باللمحة المنبّهة، قادوا الأمّة المحمّديّة إلى سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، وبسير الأمراء المصلحين على هداهم سادوا أغلب الجزء المعمور من هذه الأرض بالعدل والإحسان، إذ كان الأمير في السلم لا يصدر إلاّ عن رأيهم والقائد في الحرب لا يسكّن ولا يحرّك إلاّ بإشارتهم في كلّ ما يرجع إلى الدين، فجماع أمر العلماء إذ ذاك أنّهم كانوا: يقودون القادة. وما رفعهم إلى تلك المنزلة بعد العلم والإخلاص إلاّ أنّهم كانوا (حاضرين) غير (غائبين) كانوا يحضرون مجالس الرأي مبشّرين؟؟؟ شاهدين، وميادين الحرب مغيرين مجاهدين، طبعهم الإسلام على الشجاعة بقسميها: شجاعة الرأي وشجاعة اللقاء، فكانوا يلقون الرأي شجاعا فيقهر الآراء، ويخوضون الميادين شجعانا فيقهرون الأعداء، وللآراء اقتتال يظفر فيه الشجاع القويّ، والعالم الجبان في أمّة عضو أشلّ يؤود ولا يذود، ولعمري إنّ في اتّحاد صفّ الصلاة وصفّ القتال في الاسم والاتّجاه والشرائط لموقف عبرة للمتوسّمين.
صدق أولئك العلماء ما عاهدوا الله عليه وفهموا الجهاد الواسع، فجاهدوا في جميع ميادينه، فوضع الله القبول في كلامهم عند الخاصّة والعامّة، وإنّ القبول جزاء من الله على الإخلاص يعجّله لعباده المخلصين، وهو السرّ الإلهي في نفع العالم والانتفاع به، وهو السائق الذي يدعو النفوس المدبرة عن الحقّ إلى الإقبال عليه، ونفوذ الرأي وقبول الكلام من العالم الدينيّ الذي لا يملك إلاّ السلاح الروحيّ هو الفارق الأكبر بين صولة العلم وصولة الملك، وهو الذي أخضع صولة الخلافة في عنفوانها لأحمد بن حنبل، وأخضع صولة الملك في رعونتها لأحمد بن عبد السلام…وإنّ موقف هذين الإمامين من الباطل لعبرة للعلماء لو كانوا يعتبرون، وإنّ في عاقبتهما الحميدة لآية من الله على تحقيق وعده بالنصر لمن ينصره. نضر الله أولئك الرجال الذين كانوا يوم الرأي صدور محافل، ويوم الروع قادة جحافل، وفي التاريخ محقّقين لنقطة الاقتراب بين الحرب والمحراب، فلقد كانوا يقذفون بكلمة الحقّ مجلجلة على الباطل، فإذا الحقّ ظاهر، وإذا الباطل نافر، ويقذفون بعزائمهم في مزدحم الإيمان والكفر، فإذا الإيمان منصور وإذا الكفر مكسور، ووصل الله ما انقطع منّا بهم بإحياء تلك الخلال، فما لنا من فائت نتمنّى ارتجاعه أعظم من تلك الشجاعة، فهي أعظم ما أضعنا من خصالهم، وحرمناه-بسوء تربيتنا- من خلالهم، ولعمري أنّ تلك القوّى لم تمت، وإنّما هي كامنة، وأنّ تلك الشعل لم تنطفئ، فهي في كنف القرآن آمنة، وما دامت نفحة القرآن تلامس العقول الصافية وتلابس النفوس الزكيّة فلابدّ من يوم يتحرّك فيه العلماء فيأتون بالأعاجيب. وما زلنا نلمح وراء كلّ داجية في تاريخ الإسلام نجما يشرق، ونسمع بعد كلّ خفتة فيه صوتا يخرق، من عالم يعيش شاهدا ويموت شهيدا، ويترك بعده ما تترك الشمس من شفق يهدي السارين المدلجين إلى حين. وما علمنا فيمن قرأنا أخبارهم وتقفّينا آثارهم من علماء الإسلام مثلا شرودا في شجاعة النزال بعد الحافظ الربيع بن سالم عالم الأندلس بل أعلم علمائها في فقه السنّة لعصره، فقد شهد وقعة تعدّ من حوامد الأعمار فبزّ الأبطال المساعير وتقدّم الصفوف مجليا [ مجلبا] ومحرّضا، والحرب تقذف تيارا بتيار، حتّى لقي ربّه من أقرب طريق… ولا علمنا فيهم مثالا في شجاعة الرأي العامّ أكمل من الإمام أحمد بن تيمية – وعصراهما متقاربان- فقد شنّها حربا شعواء على البدع والضلالات أقوى ما كانت رسوخا وشموخا، وأكثر أتباعا وشيوخا، يظاهرها الولاة القاسطون ويؤازرها العلماء المتساهلون المتأوّلون.

تغريدات الجمعية