الادمان على مواقع التواصل الاجتماعي : هل أنت مدمن؟! (1)

internetaddiction
محاضرة ألقيت أمام شباب الكشافة الاسلامية الجزائرية ببرج بوعريريج:
هل نحن مدمنون على مواقع التواصل الاجتماعي ؟
و ما الذي يدفعنا إلى قول ذلك ؟الوقت الذي نقضيه على هذه المواقع ؟ لا شك أن الوقت الذي يقضيه شبابنا على الفيس بوك يفوق بكثير الوقت الذي يقضيه الشباب الأوروبي أمام مواقع التواصل الاجتماعي … إحدى هذه الدراسات تقول إن الجزائري يقضي أكثر من أربع ساعات يوميا مع المواقع ( هي أكثر من أربع ساعات عند الشباب لأن الدراسة شملت الفئة العمرية من 16 الى 64 ونحن نعلم ضعف الإقبال على هذه الوسائط عند كبار السن ) فيما يقضي الياباني أمامها 38 د يومياً والأمريكي 2٫7 ساعة في اليوم!..
لكنننا لا يمكن أن نعرف بمجرد عامل الوقت و إلا غدا كل مرغوب إدمانا كالقراءة و اللعب و العمل و غيرها.. لابد أن تضاف عوامل أخرى حتي يصير التصرف إدمانا و صاحبه مدمنا.. يعرف علماء النفس الادمان بأنه حالة الاعتماد ( فيزيولوجي أو نفسي ) تجاه مادة او سلوك .
و يدرس الادمان comportement compulsifs في حالات الاعتماد ….
فيزيولوجي كالكحول و المخدرات و التدخين و نفسي كاضطرابات السلوك الغذائي و إدمان اللعب .
أما من المنظور العلمي الضيق فإن الادمان على الافتراض ليس معترفا به في الهيئات العلمية الكبيرة و ليس مذكورا في DSM الأمريكي الذي هو المرجع والمقياس في معرفة الاضطرابات النفسية جميعا في العالم كله تقريبا.
و لكن بعيدا عن التصنيفات العلمية لابد أن نعترف أن الاقبال على مواقع التواصل الاجتماعي قد طرح علينا جملة من الأسئلة الضاغطة التي تبحث عن أجوبة مقنعة فنحن بعيدون عن الأنترنيت بصيغته الكلاسيكية التي تمكن من التعلم و التثاقف و الاتصال و النشر و حتى في الدول المتقدمة البيع و الشراء و حجز التذاكر و الأماكن و المواعيد و طلب بيتزا للبيت و ….
فالطالب الذي يقبل على قراءة رواية أو تحليلات سياسية أو الجرائد العالمية على النت و يقضي في ذلك الساعات الطوال لا يمكن أن نقول إنه مدمن على الأنترنيت و خاصة في الحالة الجزائرية حيث لا تتوفر هذه المواد خارج الشبكة و إن توفرت فبثمن لا يقدر عليه إلا القليل !
و الشاب الذي يقبل على المواقع الإباحية الساعات الطوال لا يمكن أن نعده مدمنا على الانترنيت بل هو مقبل على الجنس الذي لا يجده خارج الشبكة مع توفره له الشبكة من سرية و مجانية المتعة ( و إن كان المرور إلى الادمان و الانحراف الجنسي ممكنا حيث يستمر الشاب في تفضيل هذه المتعة الجنسية على غيرها بعد الزواج مثلا مما يوصله إلى المعالجة النفسية في بعض الأحيان) .
لقد جاءت مواقع التواصل الاجتماعي بعالم افتراض جديد يمزج بين الحياة الإجتماعية و المتعة و الفائدة بالمعنى الأوسع للكلمة معا طرح تحديات كبيرة على خبراء النفس و المجتمع في تحليل هذه الظاهرة التي قد تقطعنا عن المجتمع لكنها توفر لنا في الوقت نفسه عددا لابأس به ( 5000 آلاف في بعض الأحيان !) من الأصدقاء ( الافتراضيين بالمعنيين) مما يبعد عنها ” شبهه” العزل و الانعزال و توفر لنا رؤية حية على العالم بحيث يستطيع الشاب في لحظات قليلة أن يشاهد صورا شبه مباشرة عن الصلاة في مكة و حصار حلب و مباراة برشلونة و صور أو فيديو صديقه و هو يتجول على بعد مئات الكيلومترات . و توفر لطلاب الخبر الخبر و ما وراءه و ما يقول الناس عنه و المتعة و ما وراءها و من يقبل عليها … الخ
هذا التفاعل مع هذا العالم قد يجرّ إلى الادمان من جهة أنه يجد في النفس دافعا ( أو دوافع عديدة) للالتزام به و جعله عادة ( دوافع العادة التي تجر إلى الادمان قد تكون خارجية ( الإشهار) أو داخلية) و تعويضا مقبولا جدا عن الخيبات الإجتماعية و النفسية ، و فضاء جيدا للتطلعات الثقافية و الترفيهية مع نقل الشخص المتواصل من مقام المتفرج إلى مقام المشارك المتفاعل و من ثم تنشأ السلوكات التدقيقية التي قد تتطور إلى سلوكات قهرية مرضية حين يشعر المتواصل بالرغبة الاستحواذية في المعاينة المتكررة للتعليقات و الإعجابات و طلبات الصداقة و من يتابع الصفحة المرّة تلو المرّة في العمل، وهو مع الأصدقاء ، و في الشارع و البيت و الليل و النهار و في المرحاض.. ساعد على ذلك توفر هذه المواقع على الهواتف المحمولة .
لكن هذا الانغماس الذي انطلق من رغبتنا المعرفية و حاجتنا إلى الاحساس بوجودنا إلى الاحساس بإحساس الآخرين بنا قد يقطعنا –وها هنا التناقض- عن العالم المحيط بنا بحيث نصير لا نحس به رغم حاجتنا إلى الإحساس و لا نشعر به رغم حاجتنا إلى الشعور.
كم هي مكلفة زمنيا /اجتماعيا هذه المتعة الغريبة التي تربطنا رابطا غريبا / خاصا /افتراضيا / غير طبيعي /نريده /لا نريده / نشعر به / لا يكلفنا شيئا / قابل للقطع في أي لحظة / غامض و نحن نحب الغموض /يمكننا أن نقدم أنفسنا كما نريد أو كما نتمنى و نحلم أو كما يريد الآخرون أو كما هو ممنوع علينا أو فاتنا أن نكون /أن نحيا خيارات نفسية عديدة بدل الخيار الوحيد المفروض علينا في الواقع /يمكننا أن نفرح افتراضيا و نغضب افتراضيا و نحب افتراضيا / و نكون مناضلين افتراضيين في قضايا لا يمكن في يوم من الأيام أن تكون شغلنا في الواقع و لو ليوم واحد كقضايا البيئة أو الدفاع عن حقوق الانسان في مناطق بعيدا جدا .
كم هي مكلفة نفسيا / اجتماعيا هذه المتعة التي تجعلنا نعلق على ما ينشر على صفحة أوباما ( فهو يملك صفحة مثلنا لا غير و إن كانت أكثر معجبين و هذا هو الفرق الوحيد وهو الذي يجعلنا نسعى و نسعى و نسعى دائما إلى المزيد من المعجبين ) أو بوتين أو الدلاي لاما أو البابا أو فرانسوا هولاند أو الامام القرضاوي فنعترض أو نؤيد أو نصحح وقد نتعالى و نحذر في بعض الأحيان كذلك.
كم هي مكلفة هذه المتعة النفسية الاجتماعية التي تجعل المراهقين يعجبون و يتابعون في أدق تفاصيل اللباس و الأكل و الدخول و الخروج أبطالهم المفضلين من رياضيين و فنانين و ممثلين و غير ذلك
” كلا ! رغم هذه الصورة القاتمة فإنني أقضي أكثر من ست ساعات في اليوم على النت . ست ساعات ! و لكي أكون منصفا علاوة على ذلك لا ينبغي العدّ هكذا . لأني لو كنت أقضي على النت ست ساعات مجموعة مفصولة من 7 إلى 10 و من 20 إلى 23 مثلا لما كان الأمر بهذه الخطورة و لكنت عددت هذا الوقت الضائع كتسلية و كنت قادرا على الحد منه أو تفريقه . لكن وقتي على النت كالشيطان لا يرى و لا يحس إنه يدخل في كل دقيقة و فكرة .. ذهنيا ، أنا على المواقع دائما دون انقطاع في كل وقت و في كل مكان مهووس بكل ما يُفعل و ما يقال ..”
هكذا عبر أحد المثقفين الفرنسيين المهووسين بمواقع التواصل الاجتماعي و هكذا أو أكثر أو أقل يمكن أن يعبّر كل واحد منا ليصف تجربته مع هذا النمط من الحياة الموازية الذي جعلنا نرغب أن ننقل كل لحظة من حياتنا إليه.. فإذا سافرنا فلن تكتمل متعة سفرنا إلا أذا نشرنا أننا مسافرون و إذا التقينا بصديق لم يعد ذلك اللقاء شيئا إلا إذا صورناه على الموقع و إذا اعجبنا منظر فلن يكتمل الاعجاب الا إذا أعجب به الأصدقاء على الموقع.
و لكن ماذا يعجبني على هذه المواقع حقا !؟
أنا لا أعرف أصدقائي و هم لا يعرفونني .. و لا أريد ان أعرفهم و لا أريد أن يعرفونني.. و لا أريد و لا أتصور أن أطلب منهم شيئا و لا أتصور و لا أريد أن يطلبوا مني شيئا هم بدورهم.. كل ما أريد هو أن يعجبوا بي و يعلقوا على منشوراتي و يشاركونني و أشاركهم هذه المتعة بين الحين و الآخر كما يتشارك الأصدقاء على سيجارة الكيف بين الحين و الآخر لا يسألون بعضهم البعض عما يفعلون و لا يحاسبون و لا يعاتبون !
لحظة المتعة التي تستدعي فور زوال نشوتها لحظة أخرى تؤدي إلى الحاجة إلى النظر و الترقب متى يظهر إشعار جديد يوصل إعجاب أو تعليق أو إعجاب بتعليق أو رد على التعليق أو رد على الرّد أو أي شيء .
و في عالم التواصل الاجتماعي لا يوجد في نهاية المطاف إلا أنا ، و ما الآخرون إلا خيالات تغذي أوهامي بالقوة و العلم و الشباب و المتعة.. و أنا أنظر على عالمي الأزرق كما ينظر نرسيس إلى نهره الصغير حيث تشكل النقرات نهر الذي أرى فيه نفسي و عيني و أجيء أعكف عليه كل يوم حتى آخذ جرعتي من النرجسية التي سيدفعني غيابها إلى الاحباط و العزلة .
إن نظرة الآخرين إلي هي التي تهمني في نهاية المطاف !
هل نحن مستعدون على المستوى النفسي لهذا الكم / النوع من التنبيهات التي جعلت العالم كله بين أيدينا في نقرة واحدة ؟ أي تكيف هذا الذي جعلنا نرى صور المذبحة تتلوها نكته تتلوها موعظة تتلوها صورة امرأة شبه عارية ! أي تكيف هذا الذي جعلنا نعيش على المنشورات كالملائكة يوما و كالشياطين يوما آخر .. أي إدمان هذا الذي جعلنا نتواصل أكثر لأننا نشعر بعزلة أكبر.. جعلنا نفقد القدرة على القيام لأننا جالسون منكبون على صفحتنا اليوم كله.. جعلنا مشتتين في حياتنا ننتقل بين قطعها المتناثرة كما ننتقل من الضحك إلى الاعجاب إلى الغضب بين المنشورات .. أي إدمان هذا الذي جعلنا نعتبر حياتنا مجرد منشور و أعضاءها عائلتنا أصدقاء قدامى لا يثيرون كثيرا من الاهتمام لأننا نعرفهم و يعرفوننا و نعرف أسرارهم و ليس عندهم غموض أو مناطق ظل تنير اهتمامنا و لا نقدر أن نتشكل في عيونهم كما نتشكل في عيون الأصدقاء الافتراضيين !
كيف ستكون حياة الأجيال التي لم تنشأ إلا في هذا !؟
لست أدري لكني أشعر أنهم سيكونون مختلفين عنا كثيرا جدا .
…/… يتبع/د.علي حليتم

تغريدات الجمعية