في حواره مع “البصائر”الدكتور عبد العزيز فيلالي : نعمل على استكمال تبليغ رسالة ابن باديس الإصلاحية2/2 حاوره حسن خليفة

في هذا الجزء الثاني من حوارنا مع رئيس مؤسسة الشيخ العلامة عبدالحميد بن باديس الدكتور عبد العزيز فيلالي نستكمل الحديث عن المؤسسة ومهامها،وعن جهود الشيخ ابن باديس في مجالات الإصلاح والفكر .
• سألنا الدكتور ..: حقيقة الإصدارات هي جهد رائع جدير بالتنويه، هل يمكن أن تضيف شيئا..؟
فأجاب رئيس المؤسسة : منذ تأسيس مؤسسة الشيخ ابن باديس ، وهي تعمل على نشر الفكر الباديسي والإصلاحي على وجه العموم، وكذلك تاريخ التراث الوطني والمقاومة الثقافية التي قام بها الإمام، من خلال دروسه ومحاضراته وكتاباته،وجرائده وإصداراته، وهي للعلم كثيرة وعظيمة، إذا قسناها بظروف ذلك الزمن وملابساته. وكان هدفه رحمه الله المحافظة على الهُوية الوطنية، واللغة العربية، والدين الإسلامي، ذلك أن القناعات كانت واضحة تماما في فكره والرؤية بيّنة، فهوالقائل رحمه الله في هذا الخصوص:
“إن الوطنية والانتماء الجغرافي فطرة في كل إنسان، متى تعلق الأمر بالوطن، فيحافظ عليها ويدافع عنه ،ويعمل من أجل تقدم شعبه وازدهاره،”والوطنية في نظره أحد عوامل القوة في المجتمع ، وهي تتطلب الوحدة والانسجام ؛لأن الفُرقة والتنازع الداخلي يشتت الطاقات ويزرع الفتن المهلكة ،ويُضعف الأمة ،ويمحو حبّ الوطن من النفوس. وبالنسبة للإصدارات والنشر كما سبق أن قلت ُ:نحرص على النشر المنتظم كل عام لما نراه مهما ومفيدا ،ونحن على تواصل مع الأساتذة والباحثين في هذا الخصوص ونأمل أن نصل إلى عدد محترم من الكتب والسندات العلمية والوثائق التي تكشف حقائق جهود ابن باديس وجمعية العلماء .
• هل يمكن أن توضح هذه الفكرة ،ونحن نرى من يدّعي أن ابن باديس وأصحابه ليس لهم دور في ثورة الجزائر واستقلالها ؟
في حقيقة الأمر ذلك شأن يجب إيضاحه تماما، فكل ما يُقال في هذ الخصوص هو تخرّصات وأكاذيب وادعاءات وربما هي إملاءات من أطراف معيّنة، الغرض منها تشويه جهود الإمام والنخبة الطيبة التي أدت دورا محوريا في تاريخ الجزائر الحديث بالمحافظة على الهُوية وهي الركن الأساس لأي مجتمع ودولة. دعني أذكّر هنا أن الوطنية كانت “ممنوعة” على الجزائريين ،وحارب العدوّ هذه الفكرة بكل الطرق، لأنه كان يرى الجزائر قطعة من فرنسا، ونعرف أن الاستدمار الفرنسي نوع خاص من الاستدمار الإلحاقي الاستيطاني الذي يريد تثبيت أركانه ولغته وعاداته وكل ما يتصل به، إلى الابد، وهذا ينبغي أن يوقظنا مرة أخرى على أهمية فهم دور ابن باديس والجمعية وكل الحركة الوطنية الحقيقية التي حافظت على الوطن،وكسرت إرادة المستدمر وأعادت الوطن لأبنائه وبناته.ومن يقرأ نصوص علماء الجمعية ويتابع بموضوعية جهودها لابد أن يقف معترفا بشموخ وقوة ما قدمه هؤلاء،من خلال عمل متصل ومنهجي بصبر وثبات وحسن تسيير، حتى حقق الله تعالى الأماني.
• في مسألة الوطنية تحديدا ،وهي مثار لغط وحديث هنا وهناك ..كيف ترى المقاربة الباديسية لمسألة الوطنية؟
إن المقاربة الباديسية العلمائية لفكرة الهُوية تتمثل في ترسيخ مفهوم مركب جميل :فقد فسر الهُوية وجعل العلاقة بين الإسلام كعقيدة وشريعة وبين العروبة ، فجعل الثانية رابطة اجتماعية حضارية.ودعا إلى محبة الوطن والتعلق به : تاريخا وهُوية وانتماء ،وبيّن أن الانتماء الوطني يفرض على كل إنسان العمل الجاد والدؤوب من أجل طرد الاستعمار من بلاده،والسعي من أجل تنميتها (البلاد)، وصناعة التقدم في جميع المجالات التربوية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية،وذلك لأن عزة الإنسان(المواطن) من عزة وطنه ، وأمنه من أمن وطنه وسعادته من سعادة الوطن في ظل الازدهار والاستقرار والتقدم.
نعلم أن مواقف ابن باديس كانت تغضب الإدارة الاستعمارية ، ولكنه كان لا يخاف في الله لومة لائم ، وكان يصّرح بأن هذه هي مبادئنا،”وسيرضى عنا الأحرار المفكرون وأصحاب الصدور الواسعة والقلوب الكبيرة ، ونحن أمام الجميع لا نخدم إلا الحق والوطن والدين ، وشعارنا هو :الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيءـ…وهذا الالتزام بالوطنية الجزائرية التي عبر عنها الإمام واجب لا يتناقض مع انتماء الجزائر للعروبة والأمازيغية، وأيضا لا يتناقض مع انتمائها إلى الدائرة الإسلامية الكبيرة، فتلك العناصر ـ كلها ـ تتكامل ولا تتناقض.ومما ينبغي التذكير به هنا هو موقفه الذي صرح فيه بقوله :”إن كل محاولة تحمل الجزائريين على ترك جنسيتهم أو لغتهم أو دينهم أو تاريخهم أو شيء من مقوماتهم محاولة فاشلة مقضي عليها بالخيبة ،والواقع الجزائري دل على ذلك منذ عهود خَلت …وإننا أشدُّ الناس محافظة على هذه الجنسية والقومية ، وتشبُّثا بأهدابها وإنه من المستحيل إضعافنا فضلا عن إدماجنا أو محونا” .وتلك المقومات تتمثل في الدين واللغة والوطن والتاريخ والمصير المشترك.
وهذا الموقف الصّلبُ القوي القويم ، لا يتناقض بدوره مع دعوته لأبناء الوطن على تَعَلُّمِ اللغة الأجنبية ،والتفتح على العلوم والحضارات ، وكان ابن باديس يحسن الفرنسية ويقرأ بها الجرائد والمجلات ، ولكنها لا يتحدث بها اعتزازا بلغته العربية،واحتراما لها . أما جزائر اليوم فإن نُخبتها تتنطع بالحديث بالفرنسية في الفضائيات ووسائل الإعلام لمخاطبة الجمهور ـ من أبناء الشعبـ ـ الذي لا يفهمها ،دون أن تتحرج تلك النخبة أو تكون لها غيرة على لغتها وهويتها. وربما كان من المفيد والطريف هنا أن نتعمق في بيان مسألة تعلم اللغات وقد قلت إن ابن باديس كان يحث على تعلمها، لكن كان يحرص على “أن تعلّمها يجب أن يكون بقيّمنا لا بقيم أصحابها. نتعلم العلوم والصنائع والتكنولوجيا ، لا لنتخاطب بها، بل للتفوق في مجالات العلوم والأخذ من الغير.ولعل خلاصة القول المفيد هنا أن العلامة ابن باديس كان منفتح الذهن على كل الحضارات والمدنيات ولم يكن منغلقا أبدا.
• بكل صدق، كيف تنظر كمؤرخ وكمسؤول عن مؤسسة ابن باديس إلى العلامة ابن باديس ؟
تصوري الخاص، أن الله تبارك وتعالى هو الذي تفضّل على بلدنا الجزائر بهذا الرجل الفذّ ، في تلك الفترة الصعبة الحرجة ، وقد كان حلقة من نور استطاع ، بتوفيق الله تعالى أولا، ثم بجهوده وإخلاصه وصدقه ،ومع تلك الثلة من الرجال الأشاوس أن يعمل على توعية الأمة وتعليمها وإحياء دينها ولغتها والدفاع عنها وعن مقوماتها الوطنية والحضارية،وبتوفيق من الله تعالى نجّاها (الأمة) من كيد عظيم ومكر كُبّار ومخططات رهيبة ، فكان الشيخ هو رجل المرحلة هيأته العناية الإلهية ليكون المجدد المفكر العالم القدير، والمعلم البارع، والمربي الصالح النصوح، والداعي المصلح، والخطيب البليغ ،والكاتب المبدع والرجل المقاوم الصلب ،والسياسي الثوري ،والقائد المتبصر، أصلح ورمم في مدة لم تزد على ربع قرن (بالضبط 27 سنة)، ما أفسدته يد الاستعمار وآلاته وخططه وتدميره خلال مئة وعشر سنوات ، أي حتى وفاته رحمه الله .
أما بالنسبة للمؤسسة فهي تعمل بما لديها من إمكانات ـ وهي بسيطة ـ على رصد أفكاره وتجميع تراثه ،والبحث فيه ، وكذا البحث في تراث إخوانه من جمعية العلماء الذي يعود الفضل ،بعد الله تعالى ، إليهم ، في بقاء الجزائر عربية مسلمة أمازيغية ، رغم مخططات الاستعمار الرهيبة، وامكانياته الواسعة ، والعمل على “إدماج ” الشعب الجزائري كله في فضاء المستعمر .
• استوقفني الدكتور عبد العزيز فيلالي هنا ..وطلب تقديم إيضاح مهم في مسألة العربية فقلت له تفضل :
قال: ..هل تعلم أن الجزائر كانت في العهد القديم ، في عهد الاستعمار البيزنطي تسيّر إدارتها وتعليمها باللغة اللاتينية ،وعندما قدم الإسلام إليها (الجزائر) بقيت لبعض الوقت تسير بنفس اللغة..إلى أن اتخذ عبد الملك بن مروان قرارا سياسيا جريئا في النصف الثاني من القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) وعرّب الدواوين والإدارة والتعليم ،ومنذ ذلك التاريخ أصحب الحرف العربي واللغة العربية هي السائدة في هذه البلاد العزيزة إلى اليوم .وبالتالي فإننا نحتاج في حاضرنا اليوم إلى مثل هذه القرارات لنعيد للغة العربية حقها ومكانتها،وهذه اللغة هي التي دافع عنها ابن باديس (الصنهاجي) وعمل على إحيائها بين أبنائها وبناتها …وما نأسف له أن يكون حال العربية ـ اليوم ـ كما هو عليه في الإدارات ،وعند النخب،وفي المؤسسات السيادية وغير السيادية..بالرغم من كل التضحيات المعروفة. والشأن نفسه بالنسبة للغة الأمازيغية التي نأسف لاختلاف متحدثيها في الحرف الذي تُكتب به، فقد ظهرت أطراف تدعو إلى كتابتها بالحرف اللاتيني ، علما أن الحرف العربي أقرب نُطقا وكتابة حسب رأي علماء فقه اللغة .وسكان كثير من المناطق كالأوراس وغرداية والصحراء يفضلون الحرف العربي ..
• على ذكر اللغة ومسائل اللغة …كيف ينظر الدكتور عبد العزيز إلى المسألة اللغوية ؟
لقد ظهرت بعض الدراسات الحديثة ، في جامعات لندن وماليزيا عن اللغات،وقد أكدت أن نصيب اللغة العربية نصيب وافر في مجال التطور والاستيعاب،وأنها ـ بموضوعية ومنطقية ـ أوفر حظا بين اللغات في الانتشار والاتساع والاستخدام والاتساع، بالرغم من كل ما يُقال عنها وعن صعوبتها، حيث أكدت تلك الدراسات أن اللغة العربية هي الأصلح في الاستعمالات الحديثة(الحوسبة مثلا) لوفرة مفرداتها، ولمرونتها، وقدرتها على الاستيعاب بمختلف الصيغ المعروفة في المجالات اللغوية. ونحن نرى تقدم هذه اللغة على المستوى العالمي، بالرغم من أن العرب لا يبذلون ما يكفي من الجهود في سبيل لغتهم،وبالرغم من وجودهم في وضع مترد ومتخلف ومنقسم الخ .ولكن مع ذلك فإن العربية تحقق تقدما هائلا، وهوما يعد بالخير الكثير لهذه الأمة .
• قبل أن ننهي الحديث الشيق مع الدكتور عبد العزيز فيلالي رئيس مؤسسة ابن باديس أردنا أن نعرف شيئا عن نشاط وحركية المؤسسة بخصوص الفعاليات الثقافية الماضية والمستقبلية (ملتقيات ، نداوت، الخ)
فأجابنا الدكتور بقوله:أولا أريد أن أقول إن المؤسسة تعاني من ضعف الدعم الموجه لها، بالرغم مما تقوم به من أعمال ونشاطات معدودة معتبرة، وقد قامت لحد الآن بتنظيم نحو عشر ملتقيات دولية ووطنية كالملتقى الدولي عن الفكر السياسي للإمام ابن باديس ، والملتقى الخاص بـ”مساهمة فكر ابن باديس وجمعية العلماء في توعية الأمية الجزائرية” والذي انتهينا فيه إلى بيان أن إطارات الثورة التحريرية في أغلبها تخرّجت من المدرسة الباديسية ومن معهد عبد الحميد بن باديس ،وأيد هذا الطرح شيوخ المعهد وتلاميذه الذين حملوا السلاح ضد الاستعمار خلال الثورة المباركة.كما بيّنا أيضا أن المخابرات الفرنسية كانت تراقب عن كثب وتكتب عن تحرّكات الامام :في دروسه،وتجواله، وحركاته عبر التراب الوطني ، وتنعته بأنه “من المعادين للدولة الفرنسية وللوجود الاستعماري في الجزائر، وتعتبره مرجعية أساسية للذين حملوا السلاح ضد فرنسا”
وهناك ملتقيات أخرى كملتقى “ابن باديس والثقافة العربية” وملتقى ” جمعية العلماء واللغة العربية” وكثير غيرها من الملتقيات التي قمنا بها في الفترات الماضية ،مع ندوات ومحاضرات نحرص على تنظيمها دوريا لإيصال صوت المؤسسة وصوت ابن باديس والجمعية إلى الجمهور العريض .وأريد أن اذكر هنا ملتقى خاصا سننظمه إن شاء الله مستقبلا يتعلق موضوعه بـ”عبد الحميد بن باديس رجل حوار وسلام ومصالحة وثوابت” ردا على تلك الأبواق الناعقة التي ظهرت من إحدى الجمعيات والتي تصفه بأنه ليس رجل سلام، فيما اعتبرت السفاح والقاتل “بيريز” اليهودي الصهيوني رجل السلام . !!
• كلمة أخيرة:…
نحمد الله تعالى على أن الفكر الباديسي ، والإصلاحي عموما بدأ ينتشر في ربوع الوطن ،وحتى خارج الوطن ، وصار محل اهتمام علمي وبحثي وثقافي وإعلامي من قبل الكثير من النخب في وطننا أساسا،وخارج الوطن بعد ذلك.والأهم أن التعريف بهذا الفكر المستنير القويّ المجدد صار مثار اهتمام دوائر علمية تبحث عن مرجعية إسلامية رصينة ومعتدلة وسليمة ووسطية، فوجدت الكثير من الهيئات الثقافية والمخابر العلمية، فضلا عن العلماء والأكاديميين في فكر ابن باديس وجمعية العلماء ما يستحق البحث والاهتمام والنشر والترويج ؛ خاصة في ظل هذه الظروف الصعبة التي اتسمت بكثير من الخلاف والتداخل والتنافر بين المسلمين ،وتميزت بظهور الفتن الفكرية وكثرة التيارات المنادية بالإسلام،وهي لا تعرف من الإسلام شيئا، فتسيء إلى الإسلام بدل أن تحسن إليه وتقدمه بشكل بالغ السوء بدل تقديمه دينا قيّما عظيما، دين مبادئ ودين إنسانية ورحمة ورحابة.
لقد وجد ابن باديس لعمق فكره وقوة منهجه في الإصلاح الكثير من الاهتمام فصار محورا لدراسات وأبحاث وندوات وتعريف وأفلام تسجيلية في العديد من الأوساط.وما أريد التأكيد عليه أننا في الجزائر في حاجة ماسة إلى مزيد اهتمام به وتشجيع له ،ولعل فتح المجال للناشئة من الصغار وللأجيال الحالية وتحفيزها على النهل من هذا المصدر المهم يكون له دور في تعميق الانتماء الوطني وترسيخ ا لاستقلالية الثقافية والفكرية وتعزيز الوحدة الوطنية.وإننا في المؤسسة ندعو كل الخيّرين من أجل العمل في تعاون قوي على القيام بهذا الواجب الثقافي الكبير ونأمل من المسؤولين أن يسهّلوا ويدعموا ويعينوا المؤسسات والجمعيات العاملة الجادة .

مقتطفات

كان الشيخ هو رجل المرحلة هيأته العناية الإلهية ليكون المجدد المفكر العالم القدير، والمعلم البارع، والمربي الصالح النصوح، والداعي المصلح، والخطيب البليغ ،والكاتب المبدع والرجل المقاوم الصلب ،والسياسي الثوري ،والقائد المتبصر، أصلح ورمم في مدة لم تزد على ربع قرن (بالضبط 27 سنة)، ما أفسدته يد الاستعمار وآلاته وخططه وتدميره خلال مئة وعشر سنوات ، أي حتى وفاته رحمه الله .
إن التعريف بهذا الفكر المستنير القويّ المجدد(فكر ابن باديس وجمعية العلماء) صار مثار اهتمام دوائر علمية تبحث عن مرجعية إسلامية رصينة ومعتدلة وسليمة ووسطية، فوجدت الكثير من الهيئات الثقافية والمخابر العلمية، فضلا عن العلماء والأكاديميين في فكر ابن باديس وجمعية العلماء ما يستحق البحث والاهتمام والنشر والترويج لكونه فكرا يستجيب للحاجة الإنسانية .

تغريدات الجمعية