شاهد على ميلاد الحركة الإصلاحية لجمعية العلماء في الأوراس ومؤسسيها الأوائل بقلم: سعدي بزيان

مقدمة:
شاءت لي الظروف أن أكون واحدا من ثمار الحركة الإصلاحية لجمعية العلماء في الأوراس، وبالضبط في قرية غوفي بلدية غسيرة، التي أنجبت علماء تركوا بصماتهم في هذه القرية والقرى المجاورة، ومن هؤلاء الشيخ محمد الغسيري، والشيخ سي عمار بن سي الجودي الرائد الأول للحركة الإصلاحية في غوفي، والشيخ سي أحمد بن السعدي الميموني الغسيري، والشيخ بلقاسم الميموني هؤلاء جميعا درسوا على رائد النهضة الجزائرية الشيخ عبد الحميد بن باديس -قدس الله ثراه-، بل إن الشيخ محمد الغسيري كان واحدا من أعوان ابن باديس في قموش والجامع الأخضر وغدا بعد وفاة ابن باديس مفتشا عاما لمدارس جمعية العلماء على مستوى القطر الجزائري.
وعند اندلاع ثورة نوفمبر 1954 أوفدته جبهة التحرير لتمثيلها في دمشق فكان ممثلا لها، وبعد الاستقلال غدا سفيرا للجمهورية الجزائرية، وهو رابع شخصيات جمعية العلماء الذين اعتمدتهم جبهة التحرير كممثلين لها في الوطن العربي، فالشيخ محمد خير الدين في المغرب، والشيخ عباس في السعودية، والشيخ أحمد توفيق المدني ومعه الشيخ عمر دردور في القاهرة، وتشاء لي الأقدار أن أكون واحدا من تلامذة كل من الشيخين سي عمار بن سي الجودي وسي أحمد بن السعدي الذي سعى سعيا مشكورا لإرسالي في بعثة بمعية المرحوم الأستاذ بن زروال زيادي إلى معهد عبد الحميد ابن باديس بقسنطينة ضمن العديد من تلامذة غسيرة “أوراس” الذين استقبلهم المعهد فتخرج البعض منهم من عدة جامعات في المشرق العربي وقدوم أساتذة إلى الجزائر المستقلة، والحركة الإصلاحية لجمعية العلماء في الأوراس ظهرت بذورها الأولى في باتنة عاصمة الأوراس ومن روّادها الأوائل الشيخان مسعودان الطاهر الحركاتي الذي حضر اجتماع تأسيس جمعية العلماء في الجزائر العاصمة في 5 مايو 1931 والإمام للمسجد العتيق في باتنة مدة تزيد عن نصف قرن، والشيخ عمر دردور نبراس الأوراس، أو باديس الأوراس كما يلقب وهو الذي شاءت له الظروف أن يعيش عمرا مديدا ومن الذين طال عمرهم وحسنت أعمالهم، فكانت حياته كلها كفاحا، وجهادا، فقد سجنه الاستعمار في سجن باتنة جزاء وفاقا له على نشاطه السياسي، وخصص له ابن باديس محاميين دفاعا عنه، كما حضر ابن باديس من قسنطينة إلى باتنة لحضور محاكمته بتهمة سبّ وشتم حاكم آريس وهو فعلا لا يستحق إلا الشتم، والشيخ عمر دردور من الشخصيات الأوراسية التي مازجت بين الإصلاح والجهاد، فهو من العاملين في سبيل الإعداد للثورة في الداخل ومن المدافعين عنها في المشرق العربي، وبعد الاستقلال بدأ جهادا آخر تمثل في إنشاء المعاهد الإسلامية التي عمت القطر الجزائري وخاصة في الأوراس والصحراء وعندما قام المرحوم هواري بومدين بتعيين مصطفى الأشرف على رأس وزارة التربية والتعليم استطاع أن يقنع الرئيس هواري بومدين بضرورة توحيد التعليم، وإلغاء المعاهد الإسلامية وكان قرار مصطفى الأشرف وهو المعروف بعدائه للتعريب واللغة العربية ضربة قاضية أصابت التعليم الديني في الجزائر في الصميم، وشعر الشيخ عمر دردور رحمه الله، وهو الذي جاهد في الله حق الجهاد أُسوة بشيخه ابن باديس واعتبر ذلك تراجعا خطيرا في سياسة الجزائر في مجال نشر المعاهد الإسلامية لصيانة وحفظ الهوية الثقافية والدينية للشعب الجزائري المسلم، ولم يدر في ذهنه أبدا أن بومدين ذو الثقافة العربية الإسلامية يخضع لتوجيه مصطفى الأشرف ويسايره في سياسته هذه أبدا، وقد قال لي صديقي عبد القادر حجار وهو الرئيس للجنة التعريب أنه ما أن سمع بتعيين مصطفى الأشرف حتى طلب مقابلة الرئيس بومدين ليستفسر منه سبب تعيين هذا الرجل الذي شنّ حملة حاقدة على المعربين والدول العربية التي كانت تمنح شهادات لهؤلاء، خالية من المعايير العلمية، وكان جواب بومدين “اخترت الأشرف وما عليكم إلا أن تحاوروه، وتساءلنا نحن يومئذ ماذا وراء تعيين هذا الرجل في منصب تربوي حساس من طرف رئيس الدولة الذي تبنى مبدأ التعريب ولا تراجع عن هذا المبدأ كما كان يردد رحمه الله باستمرار “وعشْ رجبا تر عجبا”.

تغريدات الجمعية