سر مشاكل الإنسان في خصيصة النسيان- الشيخ محمد مكركب

أكبر الأخطاء التي يرتكبها الإنسان سببها نسيانه، ولو أنه تذكر واعتبر واستبصر وتدبر لَوَقَى نفسه من الوقوع في مشاكل وخطيئات تعود عليه بالحسرة والندم، ولذلك أمر ربنا عز وجل بالتذكر، والتذكير، وقص علينا قصصا كثيرة في التاريخ لنعتبر بها. والنسيان بقدر ما هو نعمة للتخلص من الهموم والأحزان، فهو نقمة من جهة أجرى إذ بسببه يسقط الإنسان في مآزق رهيبة، ومشاكل غريبة وعصيبة.
كم من عهد قطعناه على أنفسنا ونسيناه، ففاتت عنا فُرَصٌ كثيرة لم تعوض، وكم من واجب وطاعة تركناها نسيانا حتى فات أجلُها، وذقنا مرارة الأسف، وكم من معصية نُهِينا عنها وعلمنا خطر جُرْمِها، ولكننا ارتكبناها لأننا وببساطة الكلام نسينا،.. نسينا العهد، ونسينا الواجب، ونسينا خطر المعاصي، والخطر العظيم أن ينسى العبد ربه الذي خلقه..وفي القرآن الكريم:﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾(الحشر:19). ولا تكونوا كالذين نسوا أمر الله تعالى، ونسوا حقه عليهم، فأنساهم حق أنفسهم. أولئك هم الفاسقون الخارجون عن شريعة الله جل جلاله.
ولنعتبر ونتعظ، ولنحتاط لعلة النسيان وآفات الزلل والغلط، قص علينا ربنا عز وجل قصة أبينا آدم عليه السلام، وفيها:﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾(سورة طه:115). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:( فنَسِي) هُنَا مِنَ السهو والنسيان، وإنما أُخِذ الإنسان من أنه عُهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ. وَالشيءُ الذي عُهِدَ إِلَى آدمَ هوَ أَلَّا يَأكل مِن الشجرَة، وَأُعْلِمَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ عَدُوٌّ لَهُ، ولكنه نسي، مشكلة الإنسان أنه ينسى العهود ويعود، ويترك كل ما أحل الله له ويكفيه، ويذهب إلى ما نهاه الله عنه ويعصيه ﴿وَقُلْنا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:35).
تدبر قول الله تعالى:﴿وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما﴾ لقد أعطى الله كل شيء لآدم في الجنة: كل ما يستحق من الأكل، والشرب، واللباس، والسكن، والزوجة. وقال له: فقط.﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ ولكن من يلعب على عقل الإنسان في حالة النسيان؟ إنه: إبليس الشيطان ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (سورة طه:120/ 122).
وإذا كان هذا أولَ اختبار لأبينا آدم، ودرسا عظيما لأولاده إلى يوم القيامة، فلِمَ لا نتعظ نحن وقد أعْلَمَنا ربُّنا تبارك وتعالى بأن الشيطان عدو لنا، فَلِمَ ننسى نسيان السهو والغفلة واللامبالاة؟. وقد قلت لك بأننا عندما نتكلم عن الأنبياء نكتفي بالخبر من القرآن أو السنة، وبأدب. وهذا موسى عليه الصلاة والسلام ينسى وهو يرافق الخضر كما أمره الله تعالى ﴿ قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾(سورة الكهف:70 ـ 73).. ما هي الموعظة التي تنفعنا نحن من غير الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، هنا في نسيان موسى عليه السلام فيما عهد إليه الخضرُ؟ إن الرحلة التدريبية هذه ليست دروسا للتعليم مثلما هو أمر التعليم في المناهج الدراسية، وإنما قصة السفينة، والغلام، والجدار، آيات دالة على أسرار الحياة في علم الله الواسع، ليعلم الناس الحكمة من وراء هذا الخبر ، ومنها والله تعالى أعلم: أن ثمة قضايا في الحياة يقف العقل البشريُّ عاجزا عن تفسيرها، منها (القضاء والقدر) ومن ثم لا يحكم الإنسان بعقله المجرد على خبر في الوحي، أو على حدث في التاريخ، ثم يقول بعقله: هذا هو القصد وانتهى في القضية كذا.
ولذلك ورد أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم، قال: [وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا] وفي تدبر القصة ثلاث مسائل:
1 ـ قلت عن الخبر في المواقف الثلاثة (خرق السفينة) و (قتل الغلام) و (بناء الجدار) ليست دروسا تعليمية محضة حتى لا يقول من ليس له دراية بتدبر القرآن الكريم، كيف يرفض المعلم مناقشة وتساؤل المتعلم؟ نعم إن في تلك المواقف تعليما، ولكنه تعليم خاص في محيط عميق، وجو سحيق، وفن دقيق، في علم القضاء والقدر، مثل أمر الله تعالى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بذبح ولده، هل كان يجوز لإبراهيم أن يقول عن ذبح ولده: هذا ليس من العقل؟ وكيف أذبح ولدي؟ ولماذا؟ لم يصدر من إبراهيم شيء من هذه الأسئلة..ومواقف أخرى كثيرة.
2 ـ وفي القصة الدلالة على أن تلك المواقف التدريبية كانت خاصة جدا، وإعجازية، نجد أن البداية، ومع النسيان أيضا بدأت من خطوات البحث عن العبد الصالح (…فَانْطَلَقَ موسى وفتاه بَقِية يَوْمِهِمَا وَلَيلَتهمَا حتى إِذا كَان مِن الغَدِ، قَال موسى لِفَتَاهُ:﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنا هَذَا نَصَبًا﴾ ولَم يَجِد موسى النصب حَتى جَاوَزَا المَكَان الذِي أَمر الله به، فقال لَه فَتَاه:﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنسانيهِ إِلَا الشيطَان أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبًا﴾، قَالَ: فكان للحوت سربا، وَلِموسى ولفتاهُ عجبًا) وكانت القصة كلها عجبا لما فيها من الأحكام والحكم، فالفتى نسي أن يُذَكِّرَ موسى في المكان الذي فقد فيه الحوت، واعتذر بأن الشيطان هو الذي أنساه، وموسى عليه السلام، نسي شرط الخضر. إذ قال له:﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ ولكن موسى عليه السلام، خالف الشرط، وسأل الخضر، وكان ما كان.
3 ـ لا ينبغي لمن يتدبر القرآن أن يقارن فعل الله تعالى، وعدله سبحانه في خلقه، بمنطق أفعال العباد مع العباد، وعدل العباد مع العباد، أقول هذا حتى لا يلتبس الأمر على القارئ بشأن قتل الغلام، فالله تعالى ليس كمثله شيء، والعقل البشري ليس في مقدوره أن يدرك أبعاد الحكمة الإلهية.
ولما كنا ننسى كثيرا ونرتكب الأخطاء علمنا ربنا دعاء ندعو به. فقال تبارك وتعالى:﴿رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ اللهم:﴿رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ﴾. ما هو المطلوب منا في التعامل مع النسيان؟
1 ـ العمل بالتخطيط المضبوط بمقادير كاملة، في أزمنة وأمكنة محدودة معلومة، وببرمجة ومنهجية مفصلة لا تقبل التأويل. ومن الوسائل ذكر الله تعالى، علمتم أن فتى موسى قال له:﴿وَمَا أَنسانيهِ إِلَا الشيطَان﴾ والذي يداوم على ذكر الله لا يستحوذ عليه الشيطان، ويكون منتبها يقظا.
2 ـ ولعلاج النسيان استحضار الذهن وعقد العزم في اتخاذ القرار. قال عز وجل:﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً﴾(الكف:23/24)
3 ـ اجتناب التسويف والتأويل. فالتسويف يُنسي ويبعث على الإهمال، والتأويل مطية المخالفة. كما فعل الرماة الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وخالفوا لما نسوا الشرط الواضح في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فسبب المخالفات من التأويلات، والتأويلات من نسيان الشروط، فكان الشرط والوصية للرماة: [احموا ظهورنا، واثبتوا في أماكنكم لا تبرحوها، سواء انتصرنا أو انهزمنا]. فلما رأوا النصر في البداية للمسلمين قالوا لأميرهم عبد الله بن جبير: الغنيمة، الغنيمة، ظهر أصحابنا. فقال عبد الله بن جبير أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نعم، نسوا لأنهم اجتهدوا وأولوا فخالفوا. لما نسوا الشرط :[سواء انتصرنا أو انهزمنا]..
قال محاوري: كيف نسي العرب شروط الله تعالى في تحقيق النصر لهم؟ ثم هم يكررون الخطأ؟ كيف لم يتعظوا من التاريخ الطويل مع كل النكبات، والانتكاسات، والمصائب القاسية التي أصابتهم، في عهد احتلال أراضيهم من قبل دول أوروبا وأمريكا؟ كيف؟ ثم كيف؟ وهم الآن يلتصقون بهم ويتبعونهم شبرا بشبر، في لغتهم، ولباسهم، وقشور سياستهم، والتطفل على موائدهم، ضربوهم أيام الاحتلال، والآن يضربونهم ببعضهم.
قلت: إننا مسئولون عن الموعظة والتبليغ والبيان، وقد وعظناهم، وسَبَقَنَا من وعظهم، ولكنهم وحكامهم لا يسمعون، ولقد وصلنا لهم ما يجب من التذكير لعلهم يذكرون. قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ لكنهم أبوا إلا أن يكرروا الأخطاء نفسها. وبيّنا لهم بأن النسيان وتكرار الخطيئات من بين شر الآفات التي بسببها تُعاقَبُ الأُمَمُ. قال الله تعالى:﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف:165).
وانظر كيف انتشرت العداوة بين العرب.. وهل هذا من النسيان أيضا؟ نعم، لقد قص الله تعالى علينا خبر النصارى وماذا فعل بهم النسيان، لَمَّا تعمدوا العصيان. قال الله تعالى:﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾(المائدة:14).
ألم يقرأ حُكَّامُ العرب أن سبب طرد المسلمين من الأندلس، وسبب احتلال بلدانهم في شمال إفريقيا، واحتلال فلسطين أن كل ذلك بسبب نسيانهم؟ وإلا فإما أنهم نسوا نسيان إهمال وغباء، وإما تعمدوا ترك بلدانهم للأعداء. والذين أخروا بلدانهم بالصراعات الداخلية والانقلابات الحجرية، ألم يقرؤوا خبر الفتنة الكبرى؟ إنهم قرأوها ولكنهم نسوها، ما معنى هذا؟ معنى هذا أنهم لا يحفظون الدروس، ما معنى هذا؟ أمازلت تقول ما معنى هذا؟معنى هذا أنهم أغبياء. ألم يتعظوا بقصة الخلاف الذي حدث بين عقبة وأبي المهاجر دينار عند فتح شمال إفريقيا؟ قرأوها ونسوها نسيان إهمال فسقطوا في المحال.
قال محاوري: ألم نقرأ في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه] ( رواه ابن ماجة والبيهقي) ومعنى هذا أن الناسي لا يلام؟
قلت: إن هذا الحديث حسن، ويعمل به، ومعنى أن الله جل جلاله تجاوز عن المخطئ والناسي والمستكره، أي تجاوز عنهم من حيث الإثم، أي لا يتحملون إثم المعصية كالمتعمد. ولكنهم يسألون عن الحكم، أي النتيجة المادية للفعل، فالقاتل خطأ لا إثم عليه، ولكن عليه الكفارة والدية. وتارك فريضة أو شعيرة نسيانا حتى فات وقتها لا يؤثم على ذلك، ولكن يقضي ما فاته. وهكذا.
وهناك أمور لا يجوز الاعتذار بالاستكراه في ارتكابها، فمن أكره على الإفطار في رمضان، له عذر، أما من أكره على الزنا أو القتل فلا عذر له. وكذلك لا مسوغ لمن يقوم بفعل يؤدي إلى جرائم القتل، أو خيانة الوطن. فيستثنى من الإكراه المسوغ للاعتذار ما ذكرناه من فعل: الزنا، والقتل، ومساعدة الجاسوس على الوطن، ونقل المخدرات عن علم، وحكم القاضي بغير الحق، واختلاس الأموال العمومية، وتسليم الوديعة لغير صاحبها، وشهادة الزور على الناس. وغير ذلك من الكبائر. والله أعلم، وهو العليم الحكيم.

تغريدات الجمعية