لحظات وفاء، للعلماء والشرفاء -بقلم الدكتور عبد الرزاق قسوم

أخذت الأرض زخرفها، وازّينت، وزادتها أشعة الشمس الربيعية إشراقا وبهاء، فأبان ذلك كله عن روعة جلال طبيعة موطني وعظمة جمال معالم وطني.
فقد لبست المنطقة أبهى حلل جمالها وجلالها، حين رسمت القدرة الإلهية، لوحة فسيفسائية، فنية غنية، امتزجت فيها الخضرة النباتية، والعذوبة المائية، والجمالية الإنسانية، مما كشف عن روعة جبال، وسفوح، وروابي، وأودية، جيجل، وميلة والميلية.
تعالت قدرة الله، التي حبتنا-نحن الجزائريين- هذه المغاني وهذه المباني، وهذه المعاني، فجعلتنا نعيش جنة الدنيا، كمقدمة سليمة لجنّة الآخرة، ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي، حينما فُتن بهذا اللون من سحر وجمال الطبيعة فخلد ذلك في شعره بقوله:
يـا أهــــل أندلس لله دركمُ *** مــــــاءٌ وجنـــــاتٌ وأنـهــــــــارُ
ما جنة الخلد إلا في دياركمُ *** ولو تُخيرت، هذي كنت أختارُ
كان هذا الذي أصفه في ديارنا.. بمناسبة حضوري في واحة “غبالة” ذات السحر والجمال، التي تسبح في أحضان طبيعة كل من ميلة وجيجل. وكانت المناسبة هي إحياء الذكرى الثانية والسبعين لوفاة العالم الرمز، المصلح بمنهجه، العامل بعلمه، المجاهد بلسانه وقلمه الشيخ مبارك بن محمد إبراهيمي )الميلي(.
لقد غصت قاعة المركز الثقافي لبلدية غبالة التي احتضنت الحفل، فضاقت القاعة على سعتها بما رحبت، فامتزجت الأعمار، واختلط الصغار بالكبار، وتعالت الكلمات، والأناشيد، والأشعار وفاءً للعلماء الأصفياء، الأطهار.
نظمت هذه التظاهرة التاريخية الثقافية الهامة، في طبعتها الرابعة، بمبادرة من رئيس المجلس الشعبي البلدي بغبالة، هذا المسؤول الحازم، العازم الدكتور أحمد براهيمي، الذي نجح في إخراج التظاهرة إخراجاً علميا، وفنيا رائعا، حيث ضم نوعية متخصصة من المحاضرين، ونوعية متميزة من الحاضرين، وما كان لهذا النجاح – بهذا المستوى المتألق- أن يتم لولا رابطة الثقة المحكمة، المتبادلة بين الحاكم والمحكوم.
لقد تعاقب على منصة الخطابة في هذه الندوة، التي نشّطها فأحسن تنشيطها ابن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعضو مكتبها الوطني، الإمام الخطيب مصطفى بن عبد الرحمن، الذي زيّن فصول الندوة بِحِكم وأشعار، من أقوال مبارك الميلي، وأحمد سحنون، ومحمد العيد آل خليفة وغيرهم.
كما تعاقب على المنصة، كل من رئيس المجلس الشعبي البلدي، أحمد براهيمي (وهو بالمناسبة حفيد الشيخ مبارك الميلي) والشاعر المسيلي الأستاذ أحمد مراح، والإمام الخطيب الشيخ مسعود براهيمي، ورئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبد الرزاق قسوم، والمؤرخ المتميز الأستاذ نور الدين بوعروج، ونائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ الداعية محمد مكركب – وغيرهم.
وقد أبرز المتدخلون، مقومات وخصائص المنهج الإصلاحي الذي تبناه الشيخ مبارك الميلي، في إصلاح القلوب بتصحيح العقيدة من خلال كتابه “الشرك ومظاهره” الذي تجاوز – لأهميته – الحدود، فأصبح يدرّس في عدد من الجامعات السعودية وغيرها.
كما أبرزوا المنهج التاريخي لمدرسة مبارك الميلي في تركيزها، على تصحيح المفاهيم والقضاء على المغالطات، ووضع أسس لمدرسة تاريخية وطنية، كان أبرز مريديها أحمد توفيق المدني، وأبو القاسم سعد الله، ومحمد الشريف ساحلي، ورمضان حمود وغيرهم من الجامعيين الشباب.
وخُتم الحفل، في جو من البهجة والفرح عم جميع الحاضرين.
وفي المساء، كان الجميع على موعد آخر مع نشاط آخر، في بلدية مجاورة هي بلدية “ستارة”، ذات المنظر الطبيعي الخلاب، والتجمع الإنساني الجذاب.
كان اللقاء تلبية لدعوة كريمة تلقيناها من رئيس شعبة بلدية “ستارة” الشيخ رابح أقيس، الذي أبى هو أيضا إلا أن يواكب الحدث فينظم ندوة وفاء للشهداء، بمناسبة يوم الشهيد.
وقد كان الحضور نوعياً ومتميزا، أمكن فيه الاستماع إلى كلمات كل من الأساتذة كاتب هذه السطور رئيس الجمعية، والشيخ محمد مكركب، نائب الرئيس، والشاعر المتميز الأستاذ أحمد مراح، والشيخ الإمام الخطيب وعضو المكتب الوطني للجمعية مصطفى بن عبد الرحمن، إلى جانب إمام المسجد ورئيس المجلس الشعبي البلدي، أحمد أقيس، وممثلين عن المجاهدين والمثقفين الحاضرين.
كانت الندوة هي الأخرى، كندوة غبالة، مليئة بمشاعر الوفاء للشهداء، والعلماء، تركزت جل مداخلاتها على إيقاظ الضمائر وتأجيج المشاعر، للوفاء لمبادئ وثوابت الشهداء، في الحفاظ على الوطن، وقيمه وثوابته، ووحدته، بعيدا عن الغزو الفكري والعنف بجميع ألوانه، والتشدد الديني أو الإيديولوجي، بكل أشكاله.
لقد حققت هذه الندوة أيضا، هدفها في جمع النخبة الثقافية الوطنية في بلادنا على الوفاء للعلماء، وللمجاهدين والشهداء، الذين ذابوا من أجل جعل المشعل عاليا ومضيئا.
لقد كانت “غبالة” و”ستارة” نموذجين للبلدية الوطنية الملتزمة. فعلى العكس من بعض شيوخ البلديات الذين يزج بهم في المحاكم أو السجون، نجد في هذه النماذج التي ترسم معالم التحام البلدية بالشعب لتلبية مطالبه، والاستجابة لطموحاته، وإيصال الماء، والغاز والكهرباء لسكناته، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتعبيد الطرقات، وفض النزاعات ومساعدة المعوزين والمعوزات.
فحيّا الله العاملين بصدق في وطننا، وخلّد الله ذكرى العلماء العاملين بعلمهم، والشهداء المخلصين في جنتهم. وإنّ البناء لا يكون إلا بمداد العلماء ودماء الشهداء، وعَرَق المواطنين الشرفاء.

تغريدات الجمعية