الذكرى الأولى لوفاة الشيخ المجاهد المصلح سي الموهوب أوعيسى (1920م/1338هـ– 2016م/1437هـ)

بقلم: الأستاذ أرزقي العربي أبرباش-(1)
انتقل إلى رحمة الله سي الموهوب أوعيسى المسجل في الحالة المدنية (لحبيبن) موهوب يوم الأحد06 مارس 2016م الموافق 26 جمادى الأول 1437هـ عن عمر ناهز 96 عامًا بالحساب الميلادي، 99 عامًا بالعدّ الهجري. كان سي الموهوب طالبًا في زاوية أمالو سيدي أحمد بن يحيى 1934- 1936 وعاد إليها سنة 1939- 1942م ، وبزاوية يحيى العيدلي بتمقرة 1937- 1938م، وإمامًا بقرية بوسهل 1942- 1955م ومجاهدًا 1956- 1959م ومسجونًا 1960- 1962م، وأمينًا عاما لقسمة جبهة التحرير الوطني ببلدية محفوظة أعوام 62-63-1964م، وموظفا بدائرة أقبو ولاية بجاية 1964م حتى التقاعد، ومصلحا اجتماعيا حتى الوفاة.
إن سي الموهوب الطالب والإمام والمعلم والوطني المجاهد والسجين والسياسي المصلح والمعروف في بني عيدل وحوض الصومام بولاية بجاية عند العامة والخاصة في كل من بلديات أمالو، تمقرة، بوحمزة، أقبو، إغزر أمقران وصدوق وخاصة أنه لم يغادر المنطقة إلّا في فترة السجن في قصر الأبطال بسطيف حوالي السنتان والنصف في نهاية الحرب التحريرية.
إن عرش بني عيدل (أمالو- تمقرة- بوحمزة وصدوق) يقع بين وادي الصومام غربًا وبني معوش شرقًا وبني عباسووادي بوسلام والساحل جنوبا وعرش مسيسنة شمالاً. في هذه المنطقة استقر سي الموهوب قبل الثورة التحريرية حيث ولد وعاش وترعرع مع أسرته في قرية إغيل تالة بأمالو حتّى 1942م وبعد استرجاع الحرية والاستقلال سكن مدينة أقبو ثمّ إغزر أمقران أوزلاقن حيث توفي ودفن، غفر الله له ولنا.
ارتقى سي الموهوب أوعيسى من الطالب إلى الإمام المعلم إلى وكيل زاوية أمالو إلى جامع أموال الإشتراكات لفائدة الثورة التحريرية ثمّ المحافظ السياسي لجبهة وجيش التحرير الوطني الجزائري فالمسؤول السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني إلى الموظف بدائرة أقبو، وعاد في آخر عمره إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن بعد التقاعد من العمل.
هذه الشخصية المعروفة بأخلاقها العالية ونضالها الدائم لم يُعطَ لها حقُها في التعريف بها ضمن رجالات الجزائر الخَيِّرين سواء عند الوفاة في مارس 2016م حيث وري الثرى بدون تأبين لاَ مِن المجاهدين ولاَ مِن الأئمة؟ ولقد كتب صاحب هذا الموضوع (الذكرى الأولى لوفاة الشيخ سي الموهوب أوعيسى) مقالا سابقا نشر في جريدة البصائر الأسبوعية لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بتاريخ (25أبريل -01ماي2016م)، وفي جريدة الخبر اليومية (29 أبريل 2016م) تحت عنوان (الشيخ المجاهد المصلح موهوب أوعيسى (لحبيبن) بين الجحود والغموض) فالشكر للجريدتين الناشرتين للمقال وسمح الله لجريدة الشروق اليومي التي أخذت المقال ولم تنشره؟ ورحم الله الجميع وغفر لهم.
قصدت بكلمة الجحود عامة وأقارب سي الموهوب خاصة. وبكلمة الغموض موقف السكوت والتململ والبلبلة وكثرة الكلام بدون حديث جامع لتوضيح خصال المتوفى في المقبرة عند الدفن يوم 07 مارس 2016 فلا الشيوخ الزملاء ولا المجاهدين الإخوة الرفقاء تحدثوا ولا تفوهوا وكأن على ألسنتهم وأفواههم سيوف مسلطة عليهم ياللعجب ؟ وإن ذكره الذين لا يرجون جزاءًا ولا شكورا في مجالسهم الخاصة.
واليوم تعمق الغموض إن لم نقل الجحود بما ورد في المُؤلَّف : ”رحلة قرن من عمر الشيخ العلامة محمد الطاهر آيت علجت” الذي خطه نجل العلامة الأستاذ محمد الصالح والمطبوع في أواخر العام 2016م بمطبعة أبجديات، برج بوعراريج الجزائر، ففي الصفحة 104 ذكر وكتب النجل محمد الصالح في سطر وبجملة واحدة وفي قائمة بها أربعة طلبة من بلدية أمالو رقم:4- الموهوب (أومالو) هكذا. وفي صفحة 102 قال “وفي الأخير يجدر بي أن أذكر بالتأكيد على أنه لم تسجل خيانة الوطن والثورة من قبل أي واحد من طلاب الزاوية (يقصد هنا زاوية تمقرة) في حين كان في مثل هذا العدد وأكثر من الطلبة المجاهدين قد استشهدوا في ميدان الشرف” فشهد بعدم الخيانة لكل الطلبة ومنهم الطالب الموهوب (أومالو). وذكر في بلديات بني عيدل: 1- بلدية تمقرة: 28 طالباً ، 2- بلدية بوحمزة:
5 طلّاب، 3- بلدية أمالو:4 طلاب منهم هذا المجهول رقم 4 الموهوب (أومالو) بين قوسين في الصفحة 104.
فكيف لنجل العلامة الشيخ الطاهر آيت علجت أن يتجاهل هذا الشيخ والمجاهد والمصلح والطالب سابقا لدى الأب حفظه الله؟ ومن المعلوم أن الأب العلامة كان في رحلة عمرة يوم وفاة سي الموهوب وقد اعتذر لعدم حضور الجنازة عندما أُعلِم بعد رجوعه وهي شهادة كاتب هذا المقال. إضافة إلى أن الشّاهد سلّم نسخة من المقال -المذكور أعلاه والمنشور سابقاً- للعلاّمة الشيخ محمد الطاهر الأب في بيته عند زيارته بعد العودة من العمرة.
إذا كان الشيخ لحلو وعمارة (أو الخياري) هو الذي أمر الطلبة النجباء من زاوية سيدي أحمد بن يحيى بأمالو بالذهاب إلى تمقرة عند افتتاح الزاوية تحت رئاسة الشيخ الشاب عندئذ محمد الطاهر آيت علجت. والشيخ لحلو وعمارة (أوالخياري) هو أستاذ الشيخ الطاهر آيت علجت وهو شيخ السي الموهوب أوعيسى عندئذ1936م، فكيف يبقى مجهولاً عند النجل محمد الصالح؟
ثمّ إن هناك علاقة روحية وأخلاقية بين العلاّمة آيت علجت والشيخ الموهوب قبل الثورة التحريرية وأثناء الثورة وبعد الثورة كما أن هناك روابط دموية من نسب ومصاهرة بين تمقرة وأمالو منذ غابر الزمان وماتزال إلى الآن كما قال الشيخ العلامة محمد الطاهر آيت علجت ذات يوم. فأمالو وتمقرة منطقة واحدة جغرافيا وتاريخيا ودينيا وحتّى عائليًا واجتماعيًا.
إن الروابط العديدة بين أهل الملة الإسلامية واجب تقويتها، قال تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ} (الأنفال/75).
والجدير بالذكر كما قال سي الموهوب أثناء حياته: إن افتتاح زاوية سيدي يحيى العيدلي بتمقرة كان في عام 1937م، وكانت الدراسة بمسجد القرية والإطعام يحضر في بيت الشيخ الطاهر المقراوي- كما كان يسمى العلامة عندئذ – ثمّ بنيت الإقامة الجديدة في المكان الأعلى (الشْرِيعَة) وبذلك استقلت الزاوية عن القرية. وهذا ما أضفى عليها صفة المعهد المستقل البعيد عن ضوضاء القرية والمشاكل التي قد تحدث بين الطلاب الشباب وعامة القرويين صغارا وكبارا، رجالا ونساء. وهو في ذات الوقت يهيئ الجو المناسب لأداء الأعمال التعليمية والحركة الصحيحة (الوطنية و الجهادية). وتبقى العلاقة الدينية بين السكان والزاوية (المعهد) قوية وتزداد متانة عبر الوقت وهذا ما كان.
نعتبر أن نقل الزاوية (المعهد) إلى المكان الجديد هو عهد ثان لزاوية سيدي يحيى العيدلي، وهو الطريق الواضح البيّن لنجاح الرسالة التعليمية والجهادية على يدي الشيخ محمد الطاهر آيت علجت والشيخ أحمد إقروفة وغيرهما. إن التعليم في وسط القرية يكبل الجهود وينشئ الأحداث المثبطة لأداء الرسالة. لم تطل مدة إقامة الطالب سي الموهوب أوعيسى في زاوية تمقرة بسبب مرضه ومن ثمة غياب الأب وانقطاع أخباره. وعاد إلى زاوية سيدي أحمد بن يحيى بأمالو بعد شفائه فأكمل الدراسة وتخرج إماما وحافظا للقرآن الكريم وله نصيب من علوم اللغة العربية والشريعة الإسلامية.
وزيادة في التعريف والتعرف على شخصية سي الموهوب أوعيسى، أٌوضح النقاط التالية:
1- زاوية (المعمرة) سيدي أحمد بي يحيى: من أوائل الزوايا تأسيسا وأكثرها دواما رغم تغير الزمن وتعدد القرون التي مرت بها.
2- علاقة قرية بوسهل بهذه الزاوية.
3- اختيار أعيان قرية بوسهل لسي الموهوب أوعيسى إماما ومعلما ومصلحا الذي فتح له سجل الخالدين، لكن جعلت منه مستقرا وقليل التنقل والترحال لقرب القرية بالزاوية.
4- مشاركة سكان قرية بوسهل في الثورة التحريرية مباشرة بالتحاق إمامهم ومعلمهم بصفوف جبهة وجيش التحرير الوطني عام 1956م أضاف إلى هذه الشخصية بعدا وطنيا مع بعده التعليمي والاجتماعي والديني.
أولاً: ما هي زاوية (المعمرة) سيدي أحمد بن يحيى بن علي بن مخلوف…الخ. أسسها الولي الصالح أحمد بن يحيى في أواسط القرن الثامن الهجري، أواسط القرن الرابع عشر الميلادي في المكان المسمّى حاليا ” لوظَا نْ تْقُرَّابَثْ ” بالطاء أو الظاء، وهذا ما تم تحقيقه من قبل الكاتب لهذا المقال سابقا الذي نُشر على نطاق واسع عام 2006م، والزاوية (المعمرة) لا تبعد عن وادي الصومام إلا بحوالي أربعة كيلومترات مشيا وأقل من ذلك بالطريق المعبد. وحوالي ستة كيلومترات من الطريق الوطني بجاية/البويرة/الجزائر غرب الوادي، تقع الزاوية في الجهة الشرقية لوادي الصومام.
اشتهرت هذه الزاوية (المعمرة) بالقرآن الكريم والعلوم الإسلامية منذ تأسيسها فبقيت طوال السبعة قرون الماضية تؤدي رسالتها على الدوام حتى غلب على تسميتها (المعمرة)من التعمير. توقفت بعض الوقت إبان الثورات الشعبية: ثورة بوبغلة وفاطمة نسومر ومقاومة المقراني والحداد. وكانت منارة العلم في بداية القرن العشرين الميلادي في حوض الصومام كله. كما توقفت الدراسة فيها أثناء الثورة التحريرية 1956- 1962 حيث سكن مقراتها النازحون بالقوة الفرنسية من بوحمزة وتمقرة.
أعاد أعيان سكان أمالو بمساعدة مالية هامة من أحد حفدة صاحب الزاوية (المعمرة) الرئيس عبد الرحمن فارس رئيس الهيئة التنفيذية المؤقتة للجزائر والعضو في البرلمان التأسيسي للجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية، بحيث تبرع بأملاكه العقارية التي ورثها عن أجداده بأمالو، كما تصدق بمبلغ ثلاثة ملايين فرنك حوالي (300) مليون سنتيم بالتقدير الآني للعملة.
وبذلك استأنفت الزاوية (المعمرة) مسارها التعليمي وتخرج منها آلاف الإطارات التعليمية وغيرها، شاركوا في تأطير مؤسسات الدولة الوطنية الجزائرية. ويؤرخ للبداية الجديدة هذه بالعام الدراسي 1963-1964م ومازالت تؤدي الرسالة التعليمية من تحفيظ القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية والعلوم الإسلامية إلى يوم الناس هذا.
أدمجت الزاوية ضمن المعاهد الأصلية عندما وُحد التعليم أواسط السبعينيات من القرن الماضي (العشرين) بتأطير أساتذة من جمهورية مصر العربية، لكن لفترة قصيرة. ثم عادت الزاوية (المعمرة) إلى استقلالها بتسيير من اللجنة الدينية المعتمدة لكن بعدد قليل من الطلاب. والشيخ أو أكثر من تعيين وزارة الشؤون الدينية والأوقاف للتدريس وإقامة الصلوات الجامعة بالمسجد الجامع لقرى وأحياء بلدية أمالو القريبة من مقر البلدية وهذه القرى هي: أكُورْمَة، تيزي أوقدام, بوسهل، إخرشوشان، تمسريرين، ثَوْريرث. والأحياء هي: إغيلأوزمور، البير، تيزي البير، ثَمْريشْثْ، تيزي بوسهل، بورورو، إغزر الجير، ثٌمْليلينْ. ومن المعلوم أن القرى الستة لها مساجد قديمة فيها يرفع الآذان وتقام فيها الصلوات الخمس اليومية دون الجمعة والأعياد الدينية، إن هذه الصلوات تقام في المسجد الجامع بالزاوية (المعمرة). وهذا ما عرف منذ القديم وحتى الآن. أما القرى البعيدة فلها الحق في أداء جميع الصلوات الخمسة والجمعة والأعياد وعلاوة على ذلك فإن صلاة الجنازة إذا كان المتوفى من قرى: إخرشوشن، بوسهل وتمسريرين فإن الصلاة تقام في الزاوية لوجود المقبرة قرب المسجد المركزي هذا.
وبالنسبة إلى التدريس في المدة الأخيرة بالزاوية يتولاه إمامان وقد يتطوع أكثر من أستاذ ثانوي أو متوسطي أو ابتدائي لتكملة الدروس المقررة في هذه المراحل التعليمية حتّى تساير الزاوية التعليم الرسمي حسب برنامج وزارة التربية الوطنية لمن يريد الالتحاق بمهنة التعليم العام. وقد أدخلت اللغة الفرنسية في هذا التعليم وكذلك تم التفكير في تدريس الإعلام الآلي للطلبة الملتحقين بالزاوية (المعمرة)، كما رفعت عنهم كل التكاليف: من تحضير الأكل اليومي وغسل الثياب والمشاركة في الأعمال الزراعية وجلب الماء الصالح للشرب. كما تمنح لكل طالب منحة شهرية يستعين بها عند شراء بعض الحاجات، والدراسة مجانية. ورغم كل هذه التسهيلات فالإقبال ضعيف جدا في الالتحاق بالزاوية ونأمل أن يتفهم الأولياء الوضع الذي تمر به الزوايا في ولاية بجاية وغيرها من الولايات.
*****
إن زاوية (المعمرة) سيدي أحمد بن يحيى بأمالو زاوية علوم الشريعة الإسلامية والعلوم العربية وهي مؤسسة خيرية إصلاحية بعيدة عن الطرق الصوفية، فكان القرآن الكريم هو الورد اليومي صباحا ومساءا فلا ورد ولا وظيفة عبر تاريخها وهذه الشهادة منقولة من الشيخ سي الموهوب أوعيسى أثناء تسجيل شهاداته بمكتبة الزاوية (المعمرة).
في هذا المكان العلمي شب وترعرع سي الموهوب بعيدا كل البعد عن الطرقية بل كان القرآن العظيم والسنة النبوية الشريفة هي روحه وعُمدته. وإصلاح ذات البين طريقه ومنهجه. وكيف لايكون كذلك وهو من أصل شريف ودرس في أحضان الفرقان والحديث من شيوخ كبار نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ الفاضل لحلو وعمارة (أوالخياري) والعلامة محمد الطاهر آيت علجت، وعبد الله المعضادي المنضبط الحازم ومحمد الطيب شنتير أب علي ومحمد الطاهر رحم الله الجميع وغفر لهم ولنا. قال سي الموهوب أوعيسى إن الفكر الوطني الجزائري أخذه من شيخه الفاضل لحلو وعمارة (أوالخياري) فهو الذي أنار له الطريق لأول مرة في حياته، وكان يُكِنُّ لشيخه هذا كل الاحترام والتبجيل عند ذكر اسمه. وقد بقي الشيخ لحلو وعمارة (أوالخياري) حوالي ثلاثين عاما شيخا ومدرسا في الزاوية (المعمرة) حسب ما ذكره الأستاذ المجاهد محمد الصغير بن لعلام في كتابه (علماء من زواوة) الجزء الثاني صفحة 236 -مطبعة ثالة الجزائر2015م-.
ثانياً: والنقطة الثانية المراد توضيحها علاقة الزاوية (المعمرة) بقرية (بوسهل) بأمالو. إن مصطلح القرية يفيد معنى التجمع البشري للإستقرار وللدوام في مكان ما لمجموعة من الأسر، وقدتكون لأسرة واحدة في الأصل ثم تفرعت وكثر أفرادها. إن المصلحة الأمنية، والتساكن، والملكية المشتركة للمنازل والأراضي المحيطة بها من العوامل المؤدية إلى التجمع هذا. وكلمة (بوسهل) المركبة من (بو) بمعنى الصاحب أو المالك وليس الأب بمعنى رب الأسرة. وكلمة (سْهَلْ) بعنى اليسر والمطاوعة والليونة وقد يفيد معنى الأرض الخصبة ويُسر فلاحتها، وعكسها الأرض الجبلية الوعرة فلاحتها. ولوحظ أن منطقة (أمالو) كلها أو غالبيتها صالحة للفلاحة فتربها خصبة لأنها تقع بين وادي الصومام والجبل المطل من جهة الشرق على ضفاف هذا الوادي.
وحسب رأيي فإن كلمة (بوسهل) تعني صاحب اليُسر والليونة والمطاوعة في العمل والمصاحبة والأخلاق الحميدة أوجميع هذه المعاني. وهذه الكلمة (بوسهل) لها تواجد في مناطق أخرى في ولاية تيزي وزو وغيرها من ولايات الوطن الجزائري واللفظ (بوسهل) عربي إسلامي التركيب بخلاف أسماء قرى بلدية أمالو الأخرى التي هي كلمات أمازيغية.
إن سكان قرية (بوسهل) بأمالو لهم علاقة وطيدة بالفلاحة والزراعة، فهم المروضون للتربة والمتفننون في خدمة الأرض عبر القرون الماضية، لكن بعد استرجاع الاستقلال الجزائري تنوعت مهنهم وتعددت، فمنهم التاجر والأستاذ والمقاول والإداري والفلاح وإلى غير ذلك.
كما تدعّم الولاء الديني لزاوية (المعمرة) سيدي أحمد بن يحيى رضي الله عنه لارتباط سكان القرية بها من جهة الأسبقية في حماية المعتقد الإيماني للسكان والتعليم والتوعية والإرشاد لهم. مع وجود المقبرة الجامعة لرفات الأجداد بجوار الزاوية (المعمرة) حيث يدفن أموات القرى الثلاثة: إخرشوشان، بوسهل وتِمَسْريرينْ في ذات المقبرة. كما أن صلاة الجمعة والأعياد تقام في المسجد الجامع للزاوية وليس في مسجد قرية (بوسهل) الذي هو مصلى للأوقات الخمسة اليومية فقط وبما فيهاإعلان الآذان.
والقرية قريبة من الزاوية (المعمرة) التي تقع في غربها لكن موقع القرية في الأعلى إلى الشرق، فتطل على الزاوية لتواجدها في المنخفض الأرضي، بينما الزاوية (المعمرة) أنشأت بعيدة عن القرى وفي أرض مستوية خصبة بين إغزر إخرشوشن وإغزر نْ تْحْمَامْتْ، وقريبة من الطريق العام أمالو أقبو ثم أمالو صدوق.
ومن الأقوال الشائعة أن أصول سكان قرية (بوسهل) جاءوا من أعالي جبال جرجرة (إيقاوَاوَنْ) منذ قرون ولكن بناء تاجْماعْثْ (مكان اللقاءات) دال على قدم القرية في أمالو لمميزاتها العمرانية.
إنّ أسماء العائلات الأصلية القاطنة في قرية (بوسهل) هي: – إيجاعْليوَنْ (جعلي) –إيحَدوشَنْ (حدوش) –إيبوخْيارنْ (بوخيار) –إيسيعْليوَنْ (إفري) –إيموسيوَنْ (وعزيب) –إيهَرْموشَنْ (هرموش) –إثْ مزيان (مزيان) –إثْ الطاهر (أبِرْباش). هي ثماني عائلات مازالت موجودة في القرية، وهناك عائلات غادرت القرية وباعت أملاكها مثل إثْ لعسل وإثْ مرزوق…
لقد تكاثرت العائلات الباقية في القرية وخرج الأحفاد إلى إقامة المساكن في الأراضي الفلاحية المجاورة وكونوا حيين سكنيين في (تيزي بوسهل) وحي (بورورو). وهناك من نزح إلى المدن الكبرى مثل عائلة هرموش ومزيان إلى بجاية قديما وإفري إلى الجزائر حديثا. غير أن كل الأحفاد مازالوا مرتبطين معنويا وماديا بقرية الأجداد عند المواعيد الإحتفالية في الأعياد والأعراس وكذا عند توديع أحد الأموات منهم إلى مثواه الأخير.
ثالثا: بعد التعريف بزاوية أحمد بن يحيى وقرية بوسهل ننتقل إلى النقطة التالية المراد بيانها هي اختيار أعيان بوسهل الشيخ سي الموهوب أوعيسى. قد تتبّع أعيان القرية سيرة الموهوب أوعيسى منذ كان طالبا في الزاوية (المعمرة) ولعله كان يتردد إلى القرية في رمضان لصلاة التراويح كالعادة بحيث يتوزع طلبة الزاوية في هذا الشهر الكريم على مساجد القرى لإحياء ليالي رمضان بالذكر والصلاة وقراءة القرآن الكريم وبالتالي يتدربون على المسؤولية في أداء الواجبات الدينية بين الناس. ومباشرة بعد تخرج سي الموهوب أوعيسى عام 1942م حافظا للقرآن ومُجازا للتعليم وللصلاة ولإيجاد المصالحة بين الفرقاء. عقد أعيان سكان قرية بوسهل اجتماعا تشاوريا لطلب الشيخ الشاب الالتحاق بمسجد القرية إماما ومعلما. وفعلا قوبل الطلب بالقبول فأصبح سي الموهوب أوعيسى شيخا في قرية بوسهل، رغم الحرب العالمية الثانية المشتعلة (1939- 1945) والمتواصلة ورغمحالة السكان المادية والصحية المزرية لكن القيام بالواجب الديني والتعليمي من أوجب الواجبات لا يفرط فيها الجزائري المسلم ولو على حياته لأن حماية الدين مقدم على غيره من الكليات والمقاصد الشرعية.
وللعلم أن المستعمر الفرنسي لم يُنشء المدارس للتعليم في بني عيدل (خاصة أمالو وبوحمزة وتمقرة) فكانت المساجد هي الحاضنة للدين الإسلامي وتعليم العربية. وأول مدرسة فرنسية أسست عام 1953م بأسيف أومالو (بيزيو) وأغلقت عام 1955م عند اندلاع الثورة التحريرية الجزائرية. فسكن الجنود الفرنسيون هذه المدرسة حماية للمعمر (طامبي) ومزرعته الباقية في يد المعمر والتي لم يشترها الجزائريون من المغتصبين الفرنسيين في ناحية بني عيدل.
قد حدد العقد المبرم بين أعيان قرية بوسهل وسي الموهوب أو عيسى الحقوق والالتزامات على كل طرف في العقد الشفوي وحسب العرف المطبق في هذا المجال: على الشيخ واجب الصلاة بما فيها الآذان وهو التزام شخصي في اليوم خمس مرات. وكذلك عليه تعليم الصبيان القراءة والكتابة مع تحفيظهم ما تيسر من سور القرآن الكريم، وعليه أيضا توعية الكبار بإلقاء الدروس المسائيةللوعظ والإرشاد ثمّ المشاركة الفعالة في القضاء على المشاكل التي تقع في القرية بين أفراد الأسرة الواحدة أو بين الجيران قبل اللجوء إلى شيخ الزاوية أو المحكمة، مع قراءة سورة فاتحة القرآن الكريم عند الزواج. إن الشيخ هو علبة أسرار سكان القرية كلها ذكورا وإناثا واجب عليه كتمانها.
أما حقوق الشيخ الموهوب أوعيسى فتتمثل في إيجاد السكن له والاعتناء بنظافة المسجد وتموين الشيخ بالماء والحطب وتقديم الصدقات من الزكاة والتبرعات المالية والعينية واحترام الشيخ وتبجيله وأفراد أسرته ومشورته في كل صغيرة وكبيرة التي تخص جماعة القرية في أمورها الدينية والدنيوية، وطاعة الشيخ من أعظم الحقوق.
وفعلا التزم كل طرف بالواجبات الملقاة عليه، أو أكثر مما اتفق عليه، وأصبح سي الموهوب أوعيسى مسموع الكلمة في القرية وعلّم الصبيان ووعظ الكبار وشارك في حل جل المشاكل الطارئة. وجماعة القرية بنت له دارا جديدة وقفا على إمام المسجد وخصصوا حقلا زراعيا فيه أشجار التين يعتنى به وغلاته ينتفع بها الشيخ وأسرته.
رابعا:المشاركة في الثورة: كانت لمَشْيَخَة سي الموهوب فائدة عظيمة رفعت من مكانة قرية بوسهل إلى مصاف القرى الناجحة في الميدان الديني والتعليمي والأخلاقي والتماسك الاجتماعي ويقظة الضمير الوطني بتلك الدروس المكتوبة على السبورة والكراريس لأول مرة في مسجد القرية خص بها الشيخ الطلبة النجباء في سرية تامة لأن عيون خدام الاستعمار الفرنسي بالمرصاد.
إن هذا النجاح في بث العلم والأخلاق الوطنية له ثمراته المباشرة عند اندلاع الثورة التحريرية المباركة،وباندلاع الثورة النوفمبرية غيّر الشيخ سي الموهوب خطابه المسجدي إلى الحث على الجهاد في سبيل الله والوطن وكانت غزوات الرسول عليه الصلاة والسلام النموذج الحي لدروسه، حيث سأل بعضهم لماذا لم يٌقدم تلك الدروس الجهادية المستقاة من تاريخ الإسلام من قبل، قال الشيخ سي الموهوب: الآن فقط حان وقتها حين نادى المنادي للجهاد، وبذلك عرف جميع السكان سي الموهوب الوطني وكانت بداية مشاركة سكان قرية بوسهل في الثورة التحريرية 1954- 1962م . قد يعود الفضل في نجاح المهمة إلى الشيخ سي الموهوب وإلى الآخرين في تهيئة الجو المناسب لتقبل أفكار جبهة وجيش التحرير الوطني الجزائري، لقد كان نشاط الإمام سي الموهوب الأسوة الحسنة والقدوة الكريمة والمثل الأعلى للشباب المتعلم خاصة الذكور منهم، فبرزت ثلة من هؤلاء الشباب فالتحقوا بصفوف المجاهدين وبقي آخرون احتياطا لما يخبئه الغد المجهول وكان سي الموهوب وجميع الوطنيين محتاطين لهذا، قال الله تعالى: “..فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا” الأحزاب/23. نذكر هؤلاء الذين بقوا في الذاكرة وأرجو أن يسمح لي من لم أذكره. لكن شهادة السيد حدوش أكلي الذي أضاف لي معلومات كثيرة في هذا المقال قد عزّزت ودعّمت مقولتي هذه.
من الشهداء: جعلي الربيع بن صالح، مزيان الطاهر بن العربي، إفري محمود وأخوه أحمد ابنا الصّديق، هرموش محند أمزيان بن أكلي وغيرهم…
من المجاهدين والمسبلين والمعذبين: إفري الصّديق وزوجته، جعلي محند أكلي بن علي، حدوش أكلي بن محند السعيد، هرموش الحسين بن العربي، افري بوسعد، الطبيب الضابط هرموشأرزقي وغيرهم…، وعلى رأسهم (الشهداء والمجاهدين) سي الموهوب أوعيسى شيخُهم.
إن قرية بوسهل الصغيرة في عدد السكان قدمت الكثير في سبيل الحرية والانعتاق من المحتل الفرنسي عندما نادى المنادي للجهاد. لقد عمل هؤلاء جميعا مع الشيخ المجاهد المصلح سي الموهوب أوعيسى أثناء الثورة بطريقة مباشرة حيث زكى الشيخ المجاهد الشباب الطالب لحمل السلاح في صفوف المجاهدين. أو بطريقة غير مباشرة بجمع الاشتراكات الشهرية وإخبار المجاهدين بتصرفات القوات الفرنسية خاصة عيونها التي بُثّت بين صفوف السكان.
لقد كان سي الموهوب همزة وصل بين القاعدة الشعبية في قرى أمالو وبين القيادة في الجبل في الناحية الأولى في المنطقة الثالثة من الولاية الثالثة التاريخية من بني عيدل إلى مدينة سطيف. إن معرفة السكان لسي الموهوب ومعرفة سي الموهوب للعائلات جنب الكثير من الأتعاب في تحديد المسؤوليات أثناء الثورة التحريرية وخاصة في المدة 1954- 1959م لأنه بعد أواخر 1959م تم أسرالمجاهد سي الموهوب وبقي في السجن حتى جوان 1962م حيث خرج من السجن ورحم الله جميع الشهداء والأموات من قبل ومن بعد وأثناء الثورة التحريرية.
ومن المعلوم أن عدد الشهداء حسب المصرح بهم والمسجلين في مقبرة الشهداء ببلدية أمالو على اللوح الرخامي قد تجاوز هذا العدد الثلاثمائة والستين شهيدا (360). وهناك الكثير لم تذكر أسماؤهم لسبب الإيثار للشهادة عند الله بدل إنقاص هذه بنشر الاسم والافتخار فهم عند الله يرزقون، وجنة الفردوس نزلا لهم، ومنهم من لم يذكر لعدم معرفة اللجنة البلدية أو الولائية بهم بتناسي ذويهم إعلام هذه اللجان في الوقت المناسب والمحدد زمنيا، ومنهم من لم تبق لهم بقية من الأقارب للتذكير بهم.
وفي الأخير إن حياة الشيخ المجاهد المصلح سي الموهوب أوعيسى– الذي أدى واجبه كما قُدّر له وحسب استطاعته – من الضروري التذكير بأفعاله الصالحة والمفيدة للدّين والوطن وللأجيال حتى يُقتدى به وبأمثاله من الجزائريين الخيرين. ليس ذلك افتخارا ولا اعتزازا لكن هي الذكرى والمثل والقدوة فالذكرى تنفع أصحاب القلوب الكبيرة والإنسانية الصالحة بصورة عامة. فما أحوج الجزائري إلى معرفة الصالح من الطالح والخير من الشر في تاريخه القريب والبعيد.

(1) الأستاذ بكلية الحقوق والمدرسة العليا للتجارة والمدرسة الوطنية للإدارة بالجزائر. وبالمركز الجامعي بتيارت وبالملحقة الجامعية بتمنراست سابقا والمتقاعد المهتم بالتاريخ الثقافي حالياً.

تغريدات الجمعية