“ولقد يسّرنا القرآن للذكر” الأستاذ محمد الهادي حسني

وردت هذه الآية الكريمة ست مرات، واحدة في سورة مريم، وواحدة في سورة الدخان، وأربع مرات في سورة القمر. والمعنى العام لها هو أن الله العظيم سهل كتابه الكريم للحفظ، وأعان عليه من أراد حفظه، وعلى تدبره وتأمّله، وقال سعيد بن جبير: “ليس من كُتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا – أي حفظا – إلا القرآن”.
(انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن).

وذكر الشهيد سيد قطب – رحمه الله، وأخزى ظالميه – أن هذا “القرآن سهل التناول، ميسر الإدراك، فيه جاذبية ليُقرأ، ويُتدبّر، فيه جاذبية الصدق، والبساطة وموافقة الفطرة، واستجاشة الطبع”. (في ظلال القرآن..).

وأشار الإمام محمد الطاهر ابن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير” إلى أن “هذا التيسير يُنبئ بعناية الله، ويحصل من جانب الألفاظ وجانب المعاني”.

وأضاف شيخنا محمد سعيد كعباش في كتابه “نفحات الرحمان في رياض القرآن أن من معنى التيسير “تطويعه لمختلف الأفهام، فالكل يأخذ منه على قدر مستواه في الفهم والدراية”.

ومما يدل على ذلك أن أعرابيا لم يكن يحفظ القرآن الكريم سمع شخصا يقرأ قوله تعالى: “والسارق والسارقة فاقطعوا أيدهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم”، ولكنه بدلا من ذلك قرأ ذلك الشخص “والله غفور رحيم”، فقال له الأعرابي: إن الآية ليست هكذا. فقال له ذلك الشخص: وهل تحفظ القرآن؟ فأجاب الأعرابي بالنفي، فقال ذلك الشخص: وكيف عرفت أنني أخطأت؟ فأجاب الأعرابي: إن “غفور رحيم” لا توائم قطع الأيدي، ولا تناسب النكال، وإنما يناسبها العزيز الحكيم جالت في ذهني معاني “ولقد يسرنا القرآن للذكر..” وأنا أقرأ التحقيق الذي نشرته جريدة “الشروق اليومي” (5-6-2017. ص 11) عن “آية الله” حقيقة، المتمثلة في هذا الطفل “يحيى بوقفطان من أولاد يعيش بالبليدة) الذي لما يتجاوز السنتين من عمره، فيصدر منه العجب العجب. وقد أخبرني منذ مدة الدكتور عبد المالك بوعمرة سونة عن قصة هذا الطفل، وأطلعني في جهازه على بعض ما أظهره الله – عز وجل- من آياته في هذا الطفل، الذي ندعو الله – عز وجل – أن يحفظه، وأن يجعل له معقبات يحفظونه من أمر الله… وأخشى ما نخشاه أن ينطفئ نور هذا الطفل “المعجزة” في هذه المدرسة التي تشرف عليها هذه “المخلوقة” وزمرتها.. والتي تكاد تذهب بعقول أبنائنا وألسنتهم..

وقد ذكرني هذا التحقيق عن هذا الطفل الذي لا يعرف نطق اسمه، ولكنه يقرأ كلمات القرآن، ويصحح أخطاء من يقرأون أمامه، ذكرني بكلام أورده المستشرق فريتجوف شيون، في كتابه “كيف نفهم الإسلام؟”، وهذا الكلام الذي أورده هذا المستشرق نسبه إلى قدّيسهم “أوغسطين، الذي يرفع بعض الجزائريين به خسيستهم.. وهو: “الله قد تعمد ملء الكتب المقدسة التي أنزلها بالصعوبات ليحثّنا على قراءتها وإمعان النظر فيها، ولكي نمارس قهر النفس بملاحظة قدرتنا العقلية المحدودة ملاحظة شافية”. (كيف نفهم الإسلام. تعريب عفيف دمشقية. دار الآداب. بيروت. ص 51).

إن هذا الطفل، وكثير من أطفال المسلمين، عربا وعجما، فضلا عن الفتيان والفتيات، والشبان والشابات، وكبار السن من الذكور والإناث يحفظون هذا القرآن الكريم عن ظهر قلب، ومنهم من لا يخطئ في حرف منه، بينما نرى ونسمع كبار من يسمون “رجال الدين” من الأحبار والرهبان من مستوى الباباوات فمن دونهم لا يكادون يقرأون جملة (ولا أقول آية) من أناجيلهم وتوراتهم من ذاكرته… وهذا دليل على أن ما يسمى “الكتاب المقدس” ليس من عند الله، وإنما هو مما كتبه البشر، وما يكتبه البشر ناقص كنقص البشر أنفسهم، ولو كان من عند الله لما كان قال أوغسطين.

ورحم الله محمد العيد آل خليفة، القائل:

هيهات لا يعتري القرآن تبديل وإن تبدل توراة وإنجيل

قل للذين رموا هذا الكتاب بما لم يتفق معه شرح وتأويل

هل تشبهون ذوي الألباب في خلق إلا كما تشبه الناس التماثيل..

وصدق الله العظيم، الذي يسر القرآن لفظا ومعنى للذكر، وقال: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تغريدات الجمعية