جنّبوا بيوت الله، غضب الله ….بقلم/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم

بسم الله الرحمن الرحيم
يا أيها الساجدون الرّكّع ! والقانتون الخشّع !
يا عُمّار بيت الله أجمع ! يا من له عين تُبصر أو أذن تسمع. إننا نتّخذكم شهداء عند الله، فنبرأ إليه مما يحدث في بعض مساجدنا، من فتن، ومحن، يندى لها جبين الصبية الرضّع.
لحاها الله أنباء توالت على أسماعنا، عن سلوك بعض رواد المساجد، في وهران، وفي الجلفة، وفي سكيكدة، وفي أنحاء مختلفة من وطننا، أفسدت على المصلين طمأنينتهم، وشوّهت في أعين الساكتين، صورة تديّنهم وسكينتهم.
فهل أتاكم نبأ من يجرؤ على الاعتداء على إمام المحراب، والهجوم على المصلين من كل باب، فيزرعوا الفوضى وكل أنواع الاضطراب، باسم التعصب الأعمى، والتديّن المنقوص، الذي لا يستند إلى علم ولا إلى أيّ نصوص.
فإذا صحّت روايات الثقاة من المصلين والمصليات، عمّا حدث في مسجد من مساجد وهران، من الاعتداء على الإمام والمصلين، من بعض المتعصبين، وأدعياء السنة الجاهلين، وما نتج عن ذلك من طارح ومطروح، وجارح ومجروح، فإنّ هذا لممّا يندى له الضمير، وتضيق به الروح.
فهل يُعقل، أن يُقدم بعض الرعاع على غلق المسجد، ومنع صلاة الجمعة والصلوات المفروضة فيه، دون خوف من الله، ودون رادع من سلطة أو ضمير؟ {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }(سورة البقرة – الآية 114).
ولا يظنّن ظانٌّ أنّ الأمر يتعلق بالمسجد الأقصى، {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}، والذي أقدمَ اليهود الصهاينة، على منع الصلاة، والآذان، وقيام الإمام، من أداء الشعائر، وترويع العزّل من الشيوخ والحرائر، فمثل ذلك السلوك الوحشي الجائر، اعتدنا عليه من أعداء الله، كما ورد في القرآن، وفي الحديث، وفي المثل السائر.
غير أنّ الأنكى، والأدهى، والأمرّ، هو أن يحدث في مساجد المسلمين وفي بلاد المؤمنين مثل هذا، فيعمد بعضهم، باسم الدفاع عن السّنة المظلومة، وتحت غطاء اللِّحى الذليلة المشؤومة، فيمنع الناس من أداء الحزب الجماعي الراتب، بزعم محاربة البدعية، ومقاومة التوجه إلى الله بالدعاء، بتهمة الشرك والقبورية، وإلغاء دعاء القنوت، باسم الاتّباعية العمياء، والتقليدية البلهاء، لمقاومة المرجعية العلمية، للراسخين في العلم من المصلحين الأتقياء، الأصفياء.
كنا نظن أنّ أخلاق المسجد من طهر، وصدق، وتسامح وإخاء، هي التي ستشعّ على رواد المساجد من الشيب، والشباب والكهولة، فتجعل من كل مصلٍّ، عطرا يتنسم الناس طيبه، فيأمن الجميع بوائقه وغريبه.. ولكننا ابتلينا – على عكس من ذلك- بأخلاق الرعاع تغزو مساجدنا، فيدبّ فيها العنف المميت، والتعصب المقيت، وضد من؟ ضد إمام المحراب، وقيّم الباب، ومؤذّن القباب.
ونتساءل في عفوية وبراءة، أليس للمسجد ربٌّ يحميه، ومسؤول يُنجيه، ومؤمن صادق يَبكيه، وقانون يرفع من قيمة شعيرته ويُعليه؟
ولو جاء هذا الأمر من علماء راسخين في العلم، لأمكن مجادلتهم، بالتي هي أحسن. ولو صدر السلوك المشين من ذوي أخلاق، لأمكن ملاينتهم بخلق القرآن، والقول الأحسن من السّنة والبرهان.. لكن القوم صمٌّ، بكمٌ، عميٌ، فهم لا يعقلون، وغلاظ شداد، فهم لا يرتدعون.
فكيف نحمي بيوت الله من أدعياء الله؟ لذلك فنحن مدعوّون، إلى ضرورة إعادة النظر في كل ما يتعلق بتنظيم المساجد، وذلك باتخاذ العاجل من القوانين، وأهمها، من وجهة نظرنا:
1- فتح المساجد أمام العلماء المتضلعين في العلم، والمشهود لهم بالصلاح، والإصلاح، ومنهجية الدعوة، المتميزة بالتسامح، والاعتدال والوسطية، والوطنية.
2- إعادة النظر، في الهياكل المنظمة للمساجد، كالمجلس العلمي، ومؤسسة المسجد، وهيئة التعليم القرآني في المسجد.. إلخ.
3- استبدال هيئة النقابة، نقابة الأئمة، بالبحث عن مصطلح آخر أصيل، يكون نابعا من التراث الإسلامي، كمصطلح، عُمّار بيت الله، أو أنوار المساجد، أو مصابيح المجتمع… إلخ.
ففي المسجد لا توجد باترونة وعمال، ولكن يوجد خادم المسجد، بدء من الإمام، وانتهاء بالمصلي، وكلهم متطوّعون لتسهيل أداء الشعائر الدينية.
4- تكوين مؤسسة مريدي المساجد من المرتادين للمسجد، ممن يشرفون على ترميـمه، ونقائه المادي، وصفائه الديني، وحسن أدائه لدوره الديني والاجتماعي.
5- إخضاع كل من تُسند إليه مهمة في المسجد إلى الاختبار العلمي، للتأكد من أهليته العلمية وسلامته العقلية، وحصانته المرجعية، وإبعاد كل من لا تتوفر فيه هذه المؤهلات، حفاظا على وحدة المجتمع، وصيانة للأداء الديني الصحيح، وتأمينا للقدوة الإسلامية الصحيحة.
وكما يقول أحد علمائنا:
لا نرتضي إمامنا في الصف
ما لم يكن أمامنا في الصف
ويقول عالم آخر:
من خانكم في المحراب
لا تأمنوه في أيّ باب
فيا إخوتنا المنتمين بالقوة أو بالفعل إلى العمل الإسلامي، إنّ أمانة بيوت الله في أعناقكم، وهي أن تجنّبوا بيوت الله غضب الله، بالحفاظ على سلامة عباد الله، وذلك أضعف الإيمان.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تغريدات الجمعية