في انتظار القرار الصالح ماذا أعددنا للدخول الاجتماعي الناجح؟

في انتظار القرار الصالح ماذا أعددنا للدخول الاجتماعي الناجح؟

اعتادت المجتمعات في هذا العصر أن تجعل من فصل الصيف فترة انتقال بين نهاية عام عملي، وبداية آخر، بخلاف العام الزمني. كما ألفت هذه المجتمعات أن تجعل من الصيف فترات راحة، واستجمام، يسمونها “العطلة الصيفية” هي عادة لها ما لها، وعليها الكثير ما عليها من السلبيات، حيث إن فصل الصيف فصل الحصاد، حولوه إلى فصل الرقاد. وقالوا بعد العطلة الصيفية، يأتي الدخول الاجتماعي، حيث تبدأ السنةُ الدراسيةُ، وما أدراكم ما السنة الدراسية؟ والسنةُ الفلاحية! والمشاريعُ كلُّها. وتبدأ مع كل ذلك، قرارات المسؤولين، وهم يديرون قاطرات المجتمع، في كل زواياه. فكيف يكون القرار صالحا، إن لم يكن الإعداد ناجحا؟
إن الدخول الاجتماعي الناجح قوامه صيف التقويم والتخطيط والإعداد، صيف التفكير والتدبير والاستعداد، لا صيف العطلة والعطالة، بل إن المشاريع الناجحة قوامها التخطيط المسبق بسنوات، إنما أعني بإعداد الصيف ترتيب التنفيذ لما هو مقرر في الخارطة العامة. والدعوة في هذا المقال، لنجاح الأعمال، خاص بكل مسؤول مُلِمٍّ بفقه دراسة العاقبة والمآل.
فالإعداد لعام ناجح يقتضي من الوزير، والمدير، ورجل الأعمال، وكل من هو في القيادة والتسيير، يقتضي منا جميعا، أن لا يكون الصيف للعطلة، بل لا يليق للقيادي أن يركن إلى عطلة توقف عن العمل. إن الدخول الاجتماعي يقتضي من المسؤول الإعداد لكل جزئية من كليات المشاريع. وعلامة حسن الإعداد، أن يتم تحضير كل مناهج ومخططات العمل، للعام كله، بشهر على الأقل، قبل بداية الدخول الاجتماعي. فلا يعقل أن يترك يوم من العام بغير برمجة ولا تقدير، لمن كان في مستوى قيادة التدبير والتسيير.
فقد ألف بعض المسئولين في البلدان المتخلفة، أنهم يسيرون أعمالهم بالعفوية والارتجال، ليس لهم تصور لما يجب من الأهداف، لا من بداية الأعمال، ولا لما يكون في النهاية والمآل، ثم يعالجون الأزمات بالترقيع والتفريع، ويكون الحصاد في الأخير التمييع والتضييع. وسبب تلك الأزمات الاقتصادية، والمشاكل الاجتماعية، كثيرة ومتعددة، ومنها: الإهمال، والتسيب، والتغيب، والتأخر في الإعداد، وتعطيل القوانين، وتسويف القضايا.
لهذا نذكر، والذكرى تنفع المؤمنين، بأن القرار الصالح، الذي يحرك المصالح، نحو المستقبل الناجح، هو الذي يقوم على ثلاثة مرتكزات، من علوم الاجتماع، والاقتصاد:
المرتكز الأول: مبدأ الأولويات في إنجاز ما نصت عليه القوانين، ومن بين القوانين، الدساتير. والأصل أن ما عُلِم مشروعيته، وتم الاتفاق عليه، بعد دراسته، يطبق عليه المثل القائل، “خير البر عاجله” بل الأصل هو العمل بالآيات، قال الله تعالى عن الأنبياء، ومعهم المصلحون والمصلحات:﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ [الأنبياء/90]، ونحن نتكلم عن الإعداد للدخول الاجتماعي الناجح، وعن المرتكز الأول بالذات، الذي يقتضي تنفيذ وإنجاز ما نصت عليه القوانين. فإننا نذكر بالمادة الثالثة من الدستور، التي مازالت في انتظار القرار الصالح. فقد ورد في دستور (1976م) “اللغة العربية هي اللغة الوطنية الرسمية. وتعمل الدولة على تعميم استعمالها في المجال الرسمي” والمجال الرسمي هو كل مجالات التعليم، والإدارة، والقضاء، والبريد، والإعلام. ونفس المادة والقرار في دستور1989م. ونفس المادة والقرار في دستور2015م. ومازال المرتكز الأساس، ينتظر إتمام الوفاء، في قرار خالص لله تعالى، من قبل المسؤولين الحكماء، الأمناء، الذين ثبتوا على عهد المجاهدين، والشهداء، في جزائر الحب والإخاء.
المرتكز الثاني: مراعاة الواقع في تلبية الحاجات الضرورية لكل مواطن ومواطنة. من المقعد المدرسي لكل تلميذ، إلى المسكن لكل زوجين، إلى ضرورة الماء، والكهرباء، والطريق، والدواء. المرتكز الثالث: التكامل العمراني، والإضافة الحضارية للوطن، والعالم، فكل وزير يفكر وهو يخطط ويعد للدخول الاجتماعي أن يجيب عن سؤالين: هل حقق لكل مواطن في مجال مهامه ما يجب أن يكون؟ السؤال الثاني: ما الذي أضافه كبصمة حضارية جديدة تشهد له في المستقبل لينال بها شرف ذكره في التاريخ؟
إن أشهر الشخصيات في العالم هم الذين يكتب لهم العلماء الصالحون من بعدهم، مدحا على ما أنجزوا للبشرية؛ أما السلبيون يكتب عنهم الناس ولكن في ضرب المثل للخزي والعار، كاللصوص والمحتالين والشطار.
ما الذي يُحَضَّر للدخول الاجتماعي؟ فالذي يجب أن يحضر، هو: كلُّ ما نرجوه بذورا صالحة نزرعها في الخريف لثمرات طيبة نقطفها في الصيف، كل ذلك مطلوب منا أن نعد له الإعداد بكل سداد ورشاد. ففي ميدان التربية والتعليم، تقتضي ضوابط الإعداد: أن يكون المنهاج السنوي (البرنامج العملي العام) كامل البيان والتبيان للمضامين، والمواد، والتوقيت، لكل جزئية مَعْنِية بالتنفيذ، من مجموع المنظومة التربوية. وأن يكون كل تلميذ يعلم القسم، والمكان، والتوقيت، وكذا كل معلم وأستاذ قد علم منصبه، ونوع طلابه، والمكان الذي يلتحق به، بشهر على الأقل قبل الدخول المدرسي. وأن تكون كل الكتب المدرسية المقررة، موجودة في كل مكتبات الوطن، متاحة لكل مواطن يريد شراءها، مع استلام كل أستاذ وطالب برنامجا مضبوطا رسميا للتوقيت الدراسي، والاختبارات، والامتحانات، والعطل، وكل ما يتبع العملية التربوية التعليمية. طبعا كل هذا الكلام للمسؤول صاحب القرار الصالح.
ودعوتنا وتذكيرنا من أجل الإعداد الشامل لا تقتصر على التربية والتعليم، وإنما على كل المشاريع الوطنية من السياحة إلى الفلاحة، والصحة، وما أدراكم ما الصحة؟ أيعقل أن ينتظر المسؤول عن الصحة يوما وهو يعلم أن مستشفى ما من مستشفيات الوطن ينقصه سرير، أو ممرض، أو دواء؟ قد يحتقر بعضهم الجزئيات، ولا يعلمون أن الكليات ما كانت لتكون لولا الجزئيات. هل يعقل أن يدخل مريض المستشفى ولا يجد سريرا يستند عليه للعلاج، كما لا يعقل أن يُرْفضَ مريض ولا يُقبل في المستشفى بحجة نقص الأسرة، أو نقص الدواء، أو نقص الأطباء، أو آلات الكشف، بل هذا عيب وتقصير، يُذَمُّ عليه مسؤولُ التسيير. فلا يجوز قانونا، ولا أدبا، ولا واقعا، أن يوجد مستشفى في بلدية أو دائرة يعجز المسيرون فيه عن استقبال وعلاج كل الساكنين في البلدية، أو الدائرة. لذلك قلنا: في انتظار القرار الصالح، ماذا أعددنا للدخول الاجتماعي الناجح؟
هل تم الاحتياط لعدم تعرض غاباتنا للنيران الْمُحْرِقة؟ أو هل تأكدنا من صلاح طرقنا، ومدننا، لمقاومة الفيضانات الْمُغْرِقة. وهل أعددنا لكل شباب مناصب التكوين والعمل؟ نعم هذا هو المطلوب أخي المسؤول. ما من أمر يخص مَهَامَّنا، والواجبات التي كلفتنا بها الأمة، مقابل الأجر الذي نتقاضاه. ومنه: أن يكون الإحصاء بكل تفاصيله شاملا، والبرنامج للقيام به كاملا، وما يلزم لسد الحاجات حاضرا. إن آليات تسيير الدولة، في مراكز القرارات لا تقبل التأجيل، ولا التبديل، ولا المعاذير والتعليل. وقديما قيل في ذلك ما قيل. قالوا التسويف هو ابن التحريف، والتزييف اعتداء الحقير على الشريف.
وإذا كنا بدأنا مقالنا هذا بالسؤال: “ماذا أعددنا للدخول الاجتماعي الناجح”؟ فتعالوا لنختم جلستنا الحوارية بهذه الأسئلة.
أولا. بشأن السياحة:
هل يمكن أن تكون الجزائر أول بلد سياحي في شمال إفريقيا؟ فالجواب التطبيقي عن السؤال، هو الإعداد الحقيقي لعنوان المقال. ثانيا. بشأن الصحة: ألا نستطيع، أن نجعل أنجح علاج استشفائي في مستشفياتنا؟ حتى لا يفكر الجزائري في غيرها إن احتاج للعلاج؟ فهذا هو الإعداد وغيره تقصير وانسداد.
ثالثا.بشأن الأشغال العمومية: ألا يمكن أن يكون في الجزائر طرق مزدوجة حقا بدون حفر “مطباتية”، ولا انحرافات فجائية، تسير فيها السيارة الحديثة بسرعة العصر، دون شكوى من محركها، ولا لوعة لسائقها.
ورابعا. بشأن الفلاحة: متى تكتمل السوق الوطنية، ذات التنسيق العالي بإشراف الوزارة، وتحقيق الاكتفاء، ثم التصدير، وحماية الأراضي الفلاحية، من هجوم المجمعات السكنية.﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف/10].

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تغريدات الجمعية