هل يمكن محاربة الفساد؟ د. عمار طالبي

في كل مجتمع فساد وإنما تتفاوت درجاته ومستوياته، ونسمع هذه الأيام المناداة بمقاومة الفساد، والقضاء عليه، فالفساد إذا استشرى، وانتشر في مجتمع ما، مزق علاقاته الاجتماعية والأخلاقية والثقافية والاقتصادية، فالفساد وأساسه فساد القيم الخلقية، وفساد التربية، وخراب الضمائر، وقد انتشر الفساد الاقتصادي، والغش، والهروب من دفع الضرائب، والحيل في التخلص من دفعها، وقد أصبحت الدولة اليوم في أشد الحاجة إلى الوفاء بها، وإذا اجتمع فساد جاءت الطامة الكبرى، وأصبح الناس يميلون إلى الاستيراد ولا يتجهون إلى التصنيع، والتحويل والإنتاج.
وإذا بقينا في هذا الاتجاه فإننا سنبقى سوقا مفتوحة تستهلك، ولا تنتج، وتزداد حاجات الناس إلى استهلاك الضروري والكمالي أيضا، ولكن هل تستطيع أن تشتري كل ما نحتاج إليه؟ أين الأموال التي تفي ذلك؟
لقد نسينا إطلاق الطاقة الاجتماعية فهي الثروة الحقيقية، ورأس المال الفعال في خدمة الأرض، خدمة الفلاحة، لتوفير الأمن الغذائي، إن أرضنا غنية، وهي ثروتنا التي تحتاج إلى استثمارها، ولكن نرى أراضي خصبة مهملة تؤول إلى أرض بور، تحتاج إلى استصلاح، فأين طاقات الشباب؟ هل نتركها تنتحر في أعماق البحر؟ أم ندفع بها إلى أمنا الأرض، لزرعها، وإتقان العمل فيها بطرق حديثة علمية؟ هل لنا استراتيجية قريبة المدى، وبعيدة المدى؟ وهل نترك الشباب يهيم في الفساد والبطالة، والمخدرات والسطو والسرقات؟
يبدو أن الشباب فقد المبررات والدوافع، ولم يجد قادة تبث في أذهانهم وقلوبهم ما يدفعهم بقوة إلى إطلاق طاقاتهم الذهنية والعضلية إلى الابتكار والبذل لخدمة أنفسهم وأوطانهم والخروج من التخلف.
الإحصاءات الدالة على الإدمان في المخدرات مذهلة، وصل ذلك إلى المدارس والثانويات والجامعات، أي الطاقة الحية للأمة لاغتيالها، وانهيارها، ويزيد ذلك كارثة هذا التهريب من خلال الحدود الواسعة في البلاد، وهجرة الأفارقة إلى الجزائر الذي نراهم في الشوارع والطرق يسألون الناس داخل سياراتهم حين توقفها، وازدحامها مع أطفالهم الرضع والصغار، يلدون ويتناسلون في الجزائر، وهل لذلك أثر غير محمود ولا مقبول من انتشار الأمراض والغش في أوراق الأموال، والتحايل وما إلى ذلك؛ فعلى علماء الاجتماع دراسة ذلك والاهتمام به، كما على أهل الأمن، والجمارك أداء مسؤولياتهم. وعلينا إصلاح البنوك وتحديث أدائها، وحسن مراقبة التصرف في الأموال، وتحويلها وقرضها، وتكوين الخبراء في ذلك كله.
والتجارة في حاجة إلى تجديد أدائها لسد ثغرات الفساد في الاستيراد، والتصدير.
عجزنا في التصرف فيما ننتج، لتصديره وتصنيعه، فهذه الطماطم مثلا ترمى في ولاية الشلف، ولا تجد طريقا إلى التصدير ولا إلى مصانع تحيله إلى المعجون، وقس على ذلك في أشياء أخرى مثل تركيب السيارات الذي يحتاج إلى خبرة لوضع دفتر دقيق، وإلى تكوين العمال تكوينا تقنيا صحيحا، يستجيب للمعايير الدولية في صناعة السيارات وتركيبها، وقد بدأ ضعف التركيب هذه الأيام في السيارات إلا ما يركب في تيارت من نوع “مرسيدس”.
وينبغي القضاء على الروتين الإداري المعطل للمشاريع وإفلاسها، والتشجيع على الصناعة والتحويل، وتقليل استيراد ما لا حاجة لنا به من الكماليات، وما يمكن صناعته في بلادنا- كالأدوية ووسائل الزراعة، وتربية المواشي لإنتاج الحليب واللحوم، وهذه الأمور تحتاج إلى تدبير حكيم، واعتماد على الذات، وعلى ما يتوفر لدينا من إمكانيات ولا نعتمد على القروض من البنوك الأجنبية وتراكم الديون مما يعطل التنمية، ويرسخ الحاجة إلى هذه البنوك وشروطها المجحفة.
إن الثروة الاجتماعية هي سلاحنا الأول في الإقلاع، وإطلاقها هو سبيل مقاومة الفساد، والخمول والعطالة والفقر.
وعلينا البداية بالأمور البسيطة النافعة للانطلاق، في التنمية المستدامة وتوفير الشروط النفسية والاجتماعية لذلك كله.
وأن تكون منظومتنا التربوية تعتمد على ربط النظر بالعمل والفعالية، وتجديدها من حين لآخر تجديدا قائما على العلم، وترسيخ القيم الأخلاقية والعلمية، لا على مجرد الأهواء والإيديولوجيات التي مضى زمانها، والتقليد للآخرين التي تبين عدم جدواه ونفعه، على أهل الاقتصاد والخبراء أن لا يبقوا خارج الميدان، وعلى السلطة أن تعتني بالخبراء وأهل العلم والاختصاص، ولا تترك سبيلا لمن يتلاعب بمصير الشباب بدون التعليم والتربية وطرقها الفعالة التي تؤتي مخرجاتها الكفئة في ميدان الثقافة والتقنية والحرفية والخبرة التامة.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تغريدات الجمعية