التعليم هو جواز سفرنا إلى المستقبل- بقلم لمباركية نوّار

وجدت مبتغاي في الجملة المثبتة عنوانا لهذه المقالة نظرا لما تحمله من مؤونة تعبيرية تغني عن طمع الاستزادة. وفضلا عن ذلك، فإنها تجعل القارئ يضع قدميه على طريق الإلمام بما ساقترح عليه من أفكار متواضعة منذ الوهلة الأولى. وللأمانة، أقر أن الجملة منزوعة من قولة لمالكوم إكس (1925 ـ 1965م)، وهو أمريكي مسلم من أصول إفريقية عاش عيشة حركية نشطة حتى لاقاه أجله المحتوم في حادث اغتيال مفجع. وينص منطوق القولة كاملا على ما يلي: (التعليم هو جواز سفرنا إلى المستقبل؛ لأن الغد مُلك لأولئك الذين يُعدَّون ـ بفتح حرف العين ـ له اليوم). ومن يقف مشددا النظر في معناها الجامع، سيستدعي من مخبوءات ذهنه عبارات أخرى محفوظة تشترك أو تتقاطع معها في القصد كقول القائل مثلا: (المدارس مصانع الرّجال). ومهما تباينت الصيغ، فإن خلاصات المعاني تتفق بأن نمط التعليم الممارس اليوم في أي وطن من الأوطان يُـنبئ عن الحال الذي سيكون عليه هذا الوطن غدا.
ليست التربية، والتعليم هو وسيلة من وسائلها الرائدة، ليست مجرد مؤسسات تعليمية تُشيد وتفتح أبوابها لاستقبال مرتاديها من الجنسين. ولا يمكن اختصارها في مناهج تعد وتجهز للتنفيذ. ولا تتحدد بعدد قاعات التدريس التي تصك فيها عقول الناشئة وتعرض عليهم أصناف وألوان من المعارف. وإنما التربية هي زرع لبذور الاستعداد العقلي والجسمي والنفسي والاجتماعي التي تهيء صاحبها للارتماء في بحر المستقبل ومصارعة أمواجه. وبسبب طول الوقت المستغرق في ظهور ثمار الاستثمار في مجال التربية، صعب على بعض الأذهان الإحاطة بأهميته.
يشكل المرور إلى المستقبل القادم بجواز سفر التعليم رهانا صعبا وهاربا من بين الأيدي ما لم يحصل التحكم في كل الخطوات التي تخطوها التربية في حاضرها، وتوجيهها توجيها متبصرا يصطحب بحسن استغلال كل روافد الموارد المتوفرة للوصول إلى مخرجات مزركشة بمزايا الإتقان، وبعثها في أكمل صوّرها حتى تؤهل من استفادوا من خدماتها على المنافسة للحصول على موطئ قدم تحت شمس الغد. واعتقد أن هذا المرور، يرافق بطرح سؤال شائك ومحرض يتحرك في أذهان أبناء وطننا الذين يدركون دور التعليم في تشييد صروح المجتمعات يمكن تبسيطه وإخراجه كما يلي: هل يشكل تعليمنا المزاول اليوم في مدارسنا جواز عبور يضمن لنا مكانا لائقا في مرابع الغد المرتقب؟.
يعتبر الوعي بمشكلات التربية هو أول ما ينبغي ضبطه وحصره، وإشباعه بحثا ودراسة وعلاجا. وهذه قائمة غير مكتملة لحزمة بارزة من المعضلات التي أثقلت كاهل منظومتنا التربوية في زمنها الحالي، وهي:
1 ـ سيادة الغموض الذي يلف الأهداف المسطرة لمدرستنا، وشيوع الارتجال والتخبط والخلط أثناء إصلاح نقائصها وتضميدها.
2 ـ الانحياز المفرط إلى منح الأولوية الكاملة للأحكام الانطباعية المزاجية على التقويم التربوي الموضوعي في الكشف عن الثغرات وتشخيص الفجوات ووضع الأصبع على مراقد العلل.
3 ـ تراجع تأثير الشخصية المعنوية للمدرسة وانطفاء شعلتها من حيث الجانب التربوي في وجود “منافس” غير شرعي نما بجوارها كما ينمو الورم السرطاني الخبيث على سطوح الأنسجة الحية، وهو ما يسمى مغالطة: “الدروس الخصوصية”.
4 ـ الاعتماد على معلمين وأساتذة يفتقرون إلى التأهيل العلمي والتكوين البيداغوجي. إذ لا يعقل أن تجدد المعارف العلمية المتضمنة في المناهج ومقاربات التدريس، ويحرم المعلمون والأساتذة من تحيين مكتسباتهم، ويتركوا متشبثين بطرائق أدائية تقليدية، ومقتنعين بجدواها؟.
5 ـ الإتكال على جهاز تفتيش بيداغوجي مضخم عدديا إلى حد مبالغ فيه لتمييع رسالة التفتيش. وهو جهاز متراخ، ولا يكسب التميز والدافعية، ومنعزل عن المبادرة، ويعجز حتى عن القيام بعمليات التحويل التي تعد من أهون واجباته. ولا يجاري التحديث والتجديد إلا ببطء وتردد، ويقدم الإعلام عن التكوين، ويجعل من عمليات الإشراف على سريان الامتحانات الرسمية المختلفة على رأس أولوياته العملية.
6 ـ غياب عملية الانتقاء والفرز، وتجاوز الفحص الدقيق للمسارات المهنية والتحقق من التدرج في مدارج التحصيل العلمي لمن يرشحون لتولي مناصب مديري التربية في الولايات مما سهل طريق بلوغها على من لا صلة لهم بأصول ودقائق التربية. فليس من المعقول أن يتبوأ مثل هذا المنصب العالي من لا يملك أي شهادة علمية؟؟.
7 ـ طغيان وسيطرة العمل النقابي، وامتلاكه، مع مرور الوقت وبعد أن خلا له الجو، لقوة تأثير متغطرسة ومعاندة في رسم مواقف المعلمين والأساتذة، وتوجيههم حسب الأهواء بعيدا عن مصالح المتعلمين الذين يعدّون رأسمال مشترك لا يجوز التفريط فيه أو التلاعب به.
8 ـ انخفاض منسوب الحس المعبر عن الشعور بالمواطنة السليمة حيال المدرسة عند شركائها الاجتماعيين، وتفضيل النظر في شؤون التعليم نظرات انفرادية منعزلة، وتشخيص التعامل معها من خلال مقدار الفائدة الخاصة التي تجنى منها عوض التأسيس لرؤية تشاركية متكاملة ومنسجمة تركز بصرها مكثفا وغير مشتت على قيمة المنتوج المدرسي برمته.
9 ـ تقزيم أهمية الفروض والامتحانات المدرسية الفصلية، والتقليل من شأنها تحضيرا وتصحيحا وتحليلا للنتائج المتمخضة عنها، وتوزيع العلامات على المتعلمين حسب معايير وهمية “مصنعة” لا تعبر عن المدى الحقيقي للاكتساب والتحصيل.
لا أحد يمتلك الجرأة لازدراء ما يقدم من مخصصات مالية معتبرة لربح معركة التعليم في بلدنا، والتي تصرف في بناء المدارس في المدن والقرى والأرياف، وتزويد الأقسام وتكييفها، واقتناء الوسائل والوسائط التعليمية، وضمان النقل المدرسي، وتوفير الوجبات الغذائية للمتعلمين… وإن قراءة أرقام الميزانيات السنوية التي تخصص للتعليم يجلسنا في مواقع الرضى عن النفس، ويخطف إعجاب الآخرين الذين لم تتوفر لهم مثل هذه الظروف المادية المساعدة على خدمة التعليم. ولكن، اعتقد أنه لا أحد يتمنى أن تذهب أقساط الأموال الباهظة التي تصرف في هذا الميدان سدى، ولا تأتي بخراج مبهج كمّا ونوعا، ويسوق إلى قلوبنا الاطمئنان على مستقبل وطننا.
من تمام الصواب، أيضا، الاعتراف بأن الإحساس بدور التربية في النهوض بالمجتمع ما يزال مبتسرا، ولا يشغل بال الكثيرين الذين يعجزون عن النظر إلى مشكلة التعليم كمشكلة رئيسة تتصدر قائمة القضايا الوطنية؛ لأن تفكيرهم لا يقوى على سد هوة الفراغ الممتدة بين التربية كممارسة يومية معتادة وبين السياسة التربوية الطموحة والراشدة التي يخترق شعاع ضوئها الآفاق البعيدة.
حينما ندرك شدة ريح التحولات التي تهب على عالمنا ونستشرف خبايا السنوات القادمة. ونشتغل، من بعد ذلك، على التخطيط لسياسة تربوية واعدة نكون قد امتلكنا عنان جواز مرور إلى المستقبل في سلاسة وراحة وليونة.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تغريدات الجمعية