مدرستنا هُويّتنا – بقلم لمباركية نوّار

مفهوم “الهُويّة” هو واحد من أبرز المفاهيم الإيديولوجية الحديثة بكل تأكيد. ورغم كثرة تداول هذا المفهوم وانسيابه على الألسن، إلا أن الكثيرين ينطقونه خطأ، فينصبون حرف الهاء فيه، وبذلك تذهب دلالته في طريق أخرى بعيدة كل البعد عن مستقر الصواب. ومن كثرة تكرار هذا الخطأ ألفته الآذان، وصار الاعوجاج الشائن شائعا، وقلما يلقى إعراضا أو يقابل بالتصحيح. والأسلم هو أن يُضم هذا الحرف حتى يستوي معنى الكلمة؛ لأنها منسوبة إلى ضمير الغائب: “هُو”. وتعبر الهُويّة عن مجمل الصفات الجوهرية والاتجاهات الأساسية التي تنبني عليها شخصية الفرد، وتصنع تمايزه عن الآخرين. ومن بين أمثلة هذا المفهوم (أو قل: “الماصدق” كما سماه فلاسفتنا القدامى) الذي يأخذ مظهرا جمعيا، مفهوم: “الهُويّة الوطنية”.
الهُويّة الوطنية هي تشكيلة الصفات والسمات التمييزية لأبناء الوطن الواحد التي تعكس روح الانتماء الأصيل، وتبرز التشبث القوي بالإرث التراثي والرمزيات المادية والمعنوية مهما تضاءلت مع الحرص على عدم التفريط فيها. ومثلما يكون للموقع الجغرافي دلالته في رسم ملامح الهُوية الوطنية لأبناء أية أمة من الأمم، فإن للدين واللغة والتاريخ الذي شارك في صناعته آباؤهم وأجدادهم وأسلافهم منزلة في نقش أجزاء هذه الهُوية.
مثلما يعاني الأفراد من زعازع تصيب هُوياتهم، وترجها بعنف وتنشب فيها أنياب الشك الذي يخلخل ثقتهم بأنفسهم نتيجة حالات مرضية نفسية أو اجتماعية أو عضوية يتعرضون لها، فإن الهويات الوطنية قد تصاب هي الأخرى بالاضطراب، وينال منها القلق والإرباك، وينتابها التقلب والاهتزاز، وبذلك تهتز وترتجف وتظهر فيها أخاديد ونتوءات، وتصبح عرضة للمؤثرات الخارجية التي تتكالب عليها لطمس لب حقيقتها وتحوير جوهرها.
تقف المدرسة لما تكون رسالتها التعليمية والتثقيفية والتنويرية في خدمة الأمة وتنشئة أفرادها حصنا منيعا ومبنيا من الصخور الصم المقاومة عندما تهجم على الوطن محاولات المسخ المهينة التي ترنو إلى شطب هُويته واستبدالها بأخرى غريبة. ولهذا السبب كانت الدوّل الاستعمارية (أو الاستدمارية كما قال فيلسوف الإنية والأصالة الراحل مولود قاسم نايت بلقاسم، رحمه الله) تضع على رأس قائمة مخططاتها التخريبية وضع أياديها الملوثة على المدارس في البلد الذي تحتله حتى تتمكن من تخريج أجيال من المنسلخين والمؤمنين بثقافتها والمتنكرين لذواتهم. ومثلما تسلطت يد الاستعمار الأنجليزي على المدارس في مصر، ووصلت إلى درجة التصرف في الأزهر الشريف والتدخل في شؤونه ومتابعة تحركات مرتاديه من طلبة العلم، فإن الاستعمار الفرنسي نهج في الشام وفي بلاد المغرب العربي منهجا أقسى في ممارساته السوسيو ـ ثقافية في ربوع هذه البلدان هادفا إلى شل دور العلم والكتاتيب والزوايا وتجميد نشاطاتها.
لو نمعن النظر في حالة احتلال فرنسا للجزائر نجد أن المقاومة الثقافية للجزائريين للاحتلال الفرنسي كانت أطول زمنا وأكثر امتصاصا لجهود الرجال المخلصين من المقاومة العسكرية التي تمثلت في الانتفاضات الشعبية المتفرقة وفي ثورة التحرير المجيدة؛ لأن أصل الصراع هو صراع حضاري متبلور في تباين الثقافات. ومنذ أن وطأت أقدام الفرنسيين أرض الجزائر الطاهرة ظهر التنافر الثقافي بين الجانبين، واستمر التباعد الحضاري على امتداد فترة الاحتلال بوتائر تحكمت فيها الظروف والصروف. وأدرك الاستعمار الفرنسي بدهائه بأن تغيير السياسة التعليمية التي كانت سائدة في الجزائر قبل الاحتلال هي أقصر طريق لإعادة عجن الهُوية الجزائرية وتشكيلها حسب مُثل وقيم ومرجعيات تخدم مصالحه.
لم يجبن الجزائريون، ولم يكبلهم الخوف والإرهاق، ولم يركنوا إلى الخمول والكسل على امتداد سنوات مكوث فرنسا في الجزائر. ولم تكن أشواط المنازلات السياسية في جانبها الثقافي تخفي خصومتها لكل محاولات تفكيك أجزاء الهُوية الوطنية، واستبدال عناصرها مع تسخير التعليم كأداة ممانعة وسلاح. فلما عرض الدكتور محمد بن العربي النائب ببلدية الجزائر العاصمة مع الشيخ محمد بن رحال في باريس لائحة مطالب الجزائريين أمام اللجنة المشكلة في سنة 1891م احتلت قضية التعليم البند الأول فيها. وحذا حذوه الأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر، وهو مقيم في منفاه بالأسكندرية، الذي لم يغفل قضية التعليم في الرسالة التي أمضاها في الثالث من شهر جويلية 1924م، وسجل في النقطة الخامسة منها ما يلي: (تطبيق كامل لقانون التعليم الإجباري على الجزائريين مع حرية نشر التعليم). وبعد ظهور الحركة الإصلاحية بقيادة الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس، جعل من التعليم الوسيلة والأداة المثلى والفضلى في ميدان المغالبة. ولعبت مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي بثتها في كل ربوع الجزائر دورا كبيرا في الذود عن حمى الهُوية الوطنية وصونها من التبدل. وكان رد الاستعمار بطشا انتقاميا في كل مرة، ففي انتفاضة الثامن ماي من سنة 1945م، كان العساكر الفرنسيون يتنقلون بين المعتقلين من بين المنتفضين حتى في المستشفيات باحثين عن كل من يحمل لقب:”طالب”، ولو لم يتخط في تعليمه مرحلة فك الحروف الأبجدية، فيعذبوه عذابا قاسيا أو يعدموه حتى صار كل متعلم يتظاهر بالأمية، ويبدي تجاهلا للقراءة والكتابة دفعا للأذى عن نفسه.
للهُوية الوطنية الشاملة محددات مرافقة بسيطة تبرز في جوانب من العادات والتقاليد كاللباس الذي يستعمل في التزين المظهري، وهي من تصنع بصمة التعدد داخل سوار الوحدة، وتستقدم الثراء المغني والتنوّع المستحب، وتضفي جمالا مرسلا من مجموعة صغرى داخل النسيج الوطني كالجبة القبائلية الجميلة والقشابية الأوراسية والبرنوس النائلي والنقاب الترقي والطاقية والسروال الإباضيين والملحفة الصحراوية، وغيرها. وقد روى لي أحد أصدقائي الإباضيين الأثيرين أن مجموعة من المتعلمين في معهد “الحياة” بالقرارة ضجروا قليلا من حمل الطواقي على رؤوسهم، فذهبوا إلى شيخهم الحكيم إبراهيم بيوض، عليه رحمات الله الزكيات، يتوسلون إليه إعفاءهم من استعمالها، فأنكر عليهم طلبهم وقابله بالرفض. ولما حاججوه في أدب وحشمة، رد عليهم بقوله: (إنني أشد بالنواجذ محافظا على الطاقية خشية أن يضيع السروال)… أفحم كلام الشيخ تلاميذه، وأنصرفوا ينظرون في معانيه نظرة من أخذ لقاحا لن ينقشع مفعوله أبد الدهر. ولنا أن نسأل في حسن نية السؤال الموالي من بعد استلهام الدرس من جواب الشيخ إبراهيم بيوض: بماذا يتربص، وعلى المدى البعيد، من أزاح البسملة من الكتب المدرسية في طبعتها الجديدة؟. وماذا يقتنص وهو يتهيأ ليفرض على المتعلمات المتحجبات نزع خمرهن في أيام الامتحانات كوسيلة لمحاربة الغش؟.
ثمة قاعدة وقائية في علم الأحياء “البيولوجيا” تتعلق بمقاومة الحشرات، وتوصي بأن تكون محاربة أسراب الجراد فعالة ودقيقة وصارمة. والسر في ذلك هو أن بيض الجراد أخطر من الجراد البالغ نفسه. واعتقد أن “بيض” الاستعمار الفرنسي بعد الفقس والنمو هو من بقي يشتغل من ورائه بلا هوادة في النهار طورا وفي الظلام أطورا من أجل تشويه هُويتنا، ومحاولا أن يتخذ من المدرسة الوطنية منفذا ومدخلا لتقويضها ورمينا في هَوية (بفتح حرف الهاء، ومعناها البئر العميقة التي لا قعر لها) سحيقة.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تغريدات الجمعية