الأندراغوجيا والخطاب الانتخابي – بقلم لمباركية نوّار

“البيداغوجيا” La pédagogie، أي فن التعلم الذي يتعامل به مع الصغار والمراهقين في الأقسام الدراسية، هو مفهوم يوحي بتبعية مطلقة للمتعلم وانقياده التام لمعلمه لما يكون جالسا في حضرته. ويحمل قهر طرف لطرف آخر، وإلغاء أدنى مشاركة له في التخطيط. والواقع، أن المقاربات التدريسية التي بدأت تتلاحق منذ الثورة العلمية العارمة وما خلفته من انفجارات معرفية عظمى في النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم جاءت من أجل أن تعيد بناء العلاقة الفصلية بين المعلم والمتعلم وفي الإتجاهين. وتتوق إلى إقامة نموذج تعلّمي يتسم بالمشاركة والتعاون، ويراجع فيه توزيع الأدوار داخل القسم للقضاء على التهميش الذي هضم حق المتعلم. وقد عملت المقاربة التدريسية بالأهداف (APO) وشقيقتها التي خرجت من صلبها، وهي المقاربة التدريسية بالكفاءات (APC)، قد عملتا على دمج المتعلم في كل مراحل العملية التعلمية والتقليص من سيادة احتكار المعلم لها، وتحجيم بروزه إلى حد كبير. وهذا يعني أن درس اليوم يختلف كلية عن درس الأمس، وأن جهد المعلم مرهون بتوفير شروط التعلم في البيئة الفصلية، لا أكثر.
منذ ما ينيف قليلا عن قرنين من الزمن، صُك مفهوم جديد يختلف عن مفهوم “البيداغوجيا” في البادئة Le préfixe ويوافقه في اللاحقة Le suffixe، وهو مفهوم: “الأندراغوجيا” L’andragogie الذي يقصد به فن تعلّم البالغين أو الراشدين. وإن كانت البيداغوجيا محصورة مكانا ومحددة زمانا في فترة من حياة الإنسان، فإن الأندراغوجيا ترافقه لمدى أطول.
يداوم المتعلم الصغير على تشكيل تصوّرات أولية Des représentations حين تعلمه، ويكون ذهنه مشتلة لأفكار نيئة وغير طازجة شبيهة ببواكير الثمار ينسجها في ذهنه عن كل المواضيع التي تقترح عليه، كأن يعتقد مثلا بأن الشمس تنام خلف الجبل المحاذي لقريته من الناحية الغربية عند دراسة نص يتحدث عن غروب الشمس. وعلى خلاف ذلك، فإن تعلم الراشد يرتكز في أساسه على التجارب التي مرّ بها في حياته السابقة، ويحاول أن يعمل على تنميتها وتطويرها انطلاقا من نظرة براجماتية تهفو إلى ارتياد نبع النفع من أقصر طريق، وتمنح الأولوية لأهدافه الحياتية التي يتطلع إلى تحقيقها. فالفلاح الذي ألف خدمة الأرض وزراعتها ينتظر من المهندس الزراعي الذي يزوره في حقله أن يزوده بتقنيات السقي المساعدة على الاقتصاد في كميات المياه، ولا يرتقب منه أن يعلل له حاجة مزروعاته إلى الماء، وأن يفيده بشرح واف عن الأوقات المناسبة لسقيها.
تتفق كل من البيداغوجيا والأندراغوجيا في كونهما تواجهان أسئلة ومشكلات تتطلب حلولا، إلا أن البيداغوجيا تصوب نظرها صوب الأسئلة التعليمية التي لا تخرج عن نطاق المناهج المقررة مع تكثيف استعمال الموارد الداخلية والخارجية المتوفرة. في حين أن الأندراغوجيا تنظر في المشكلات الحياتية المختلفة بحثا عن حياة أفضل وغد أسعد ومستقبل أرغد للفرد وللجماعة. والبيداغوجيا والأندراغوجيا علمان قائمان بسمتيهما، ولكل واحد منهما أصوله وأسسه، وتمتد منهما جسور للتلاقي تصنع نقاطا تقاطع بينهما. ولما كانت البيداغوجيا متروكة للبيداغوجيين الأكفاء، فإن القيمين على الأندراغوجيا لن يكونوا سوى من الأندراغوجيين المؤهلين، ولا يحق للغوغائيين والسوفسطائيين والديماغوجيين الدنو من سور حديقتها الغناء.
تتضمن الدعاية الانتخابية المؤثرة خطابا موجها إلى البالغين ومؤسسا على قواعد أندراغوجية تنحاز لحسن التواصل والحوار، ومفتوحا على المناقشة وتبادل الأفكار، ومغلبا للواقعية والموضوعية، وملامسا لألباب أمهات المشكلات المطروحة لما تكون الأهداف التي يترصدها المرشحون والمنتخِبون أهدافا مشتركة يستقدم لهم تحقيقها ترفيع ظروف العيش. وليس من حق المرشح، حتى ولو وضع اسمه في أعلى اللائحة أن يزعم، مجرد الزعم، بأن ما يدلي به من آراء هي الأصدق والأصوب والأنقح والأصلح. ولكن الحملات الانتخابية تمضي في طريق الانحراف والاعوجاج لما يعتقد المرشح بأن تسريحة شعره وبدلته الأنيقة والمكوية وربطة عنقه ذات اللون الزاهي وحذاءه الملمع وتعليق صوره المرسومة على معلقات كبيرة وملصقات جدارية عملاقة هي وسائل إغرائية كافية لاستمالة المشايعين وكسب أصوات الأنصار. ومن المؤسف أن يكون هذه السلوك المظهري الفاقد للطلقة التحفيزية هو الطاغي في مواعيدنا الانتخابية. ولنا أن نسأل عن محل الأندراغوجيا من هذا السلوك الذي يشبه سلوك مفتشي “الجيل الثاني” في التربية الذين كانوا يستنكرون حمل ولو حافظات لما كانوا معلمين وأساتذة، ولكنهم أصبحوا يحملون محافظ ضخمة بمجرد أن ابتسمت لهم الأيام بالترقية في المنصب ظنا منهم أن المحفظة هي من تصنع لهم الوقار وتلبسهم لباس الهيبة.
مازال أبناء الأجيال الذين عاشوا المراحل الأولى للانتخابات المحلية البلدية والولائية يتذكرون كيف كانت صوّر المرشحين تطبع بالأبيض والأسود، ويختفي منها كل ميل للتصنع في اللباس واللياقة المظهرية. وكيف أن المرشحين الذين يشكل الفلاحون البسطاء نسبة مسيطرة من بينهم لا يستحيون من الظهور وهم يضعون على رؤوسهم قطع الشاش القماشية، ولا يخجلون من ذكر مهنتهم. وكانت، زمنذاك، مؤشرات الاستقطاب تعتمد على السمعة الحسنة والخلق الكريم والاستقامة في المعاملات ومدى التضحية في سبيل خدمة الآخرين بعيدا عن الوعود الكاذبة أو شراء الذمم رغم غياب الجو التنافسي الديمقراطي الذي يزيد العملية الانتخابية شحنا. وهذه من أولى الدوافع التي تقاوم العزوف عن مراكز الاقتراع يوم إجراء الاقتراع.
من بين العوامل المتسببة في انصراف المواطنين عن الانتخابات، وإضافة إلى العوامل الأخرى المعروفة في الديمقراطيات الناشئة، نجد أسلوب المرشحين المستعمل في الدعاية الانتخابية الذي ترافقه مبالغة في مظهر الهندام على حساب مضمون البرنامج الانتحابي، وطريقة تبليغه إلى الفئات المستهدفة في التجمعات المنعقدة. فالمرشح الذي يفقد القدرة عن الحديث مع الآخر ولو بلهجة دارجة بسيطة لا يطمع في الوصول إلى إقناع من يتكلم إليهم، وضمهم إلى صفوفه. والمرشح الذي لا يضع أعمار من يخاطب في الحسبان، ولا ينظر إليهم كشركاء، ولا يقاطعهم الانشغالات والهموم اليومية ولا يستحضر مبادئ الأندراغوجيا تكون كلماته مجرد صيحات في واد مهجور، أو نفخات في رماد طائر.
لا يقوّم المنتخب الواعي المرشحين من خلال أناقة ملابسهم أو ابتساماتهم المصطنعة في صورهم التي يتخدنوها كطعم مشهي للجذب والاقتناص، وإما يصدر أحكامه عليهم انطلاقا من مقياس الأصلح والأنفع للناس متجاوزا الانتماء الحزبي الذي لم يعد، وللأسف، سوى مجرد تأشيرة أو بطاقة عبور أو مظلة احتماء مؤقتة. ولا تستهويه كثرة كلامه الذي يكون فيه من ملح الختل والمخادعة ما لا يحتمل. والمرشح الذي يسخّر حتى القبلية للإكثار من أوراق استقوائه على منافسيه هو مرشح غير نزيه، ويظل قابعا في شرنقة ضيقة، ولا يمكن أن تكون له أياد بيض على كل سكان بلديته أو لايته؛ لأن إرادته أصبحت مكبلة بتعاقدات مصلحية تملي عليه الأوامر والنواهي، وترسم له خط الحركة الذي لا يجوز له أن يحيد عنه قيد أنملة. وينتهي به الأمر إلى تقسم المجتمع وفق معيار أخرق ذي حدين متضادين هما المعية والضدية.
تفرض الأندراغوجيا التي تجعل كل من المتكلم والمستمع على طرفي خط واحد أن يتحوّل كل تجمع انتخابي إلى فضاء للحوار الحر والمناقشة الشفافة والخوض في المشكلات المطروحة عرضا وتحليلا، ومقاربتها بأكثر من حل ينهي ديمومتها ويضع حدا لاستفحالها. وتطلب من المرشح أن يكون خبيرا بالنفسيات ومتسلحا بسعة الصدر وطول الصبر وبعد النظر وله من الخبرة ما يساعده على الموازنة بين الآراء بعيدا عن الهوى والتعصب، وأن يفاضل بين الاقتراحات في غير انحياز. وأن يكون مالكا للحكمة في توفير الجو الذي يجعل الأفكار تتلاقح ومبتعدا عن فرض رأيه. وتتراجع الأندراغوجيا لما يكون المرشح متكلما كمن يضرب خبط عشواء ومن غير استعلام دقيق عن الظروف والأحوال، وفاقدا للقدرة على التواصل والتبليغ، ومتأتئا في عجمة منفرة ورطانة مقززة بجمل متقطعة ومشوشة، وعاجزا عن الإقناع والإثبات. وتزداد أموره سوءا لما تسكنه روح التعالي والغطرسة والكبر، ويبدو، حينئذ، في نظر المنتخبين من غير الإمعيين كالطبل الأجوف المعلق في مهب الريح.
لا أحد يعرف المقاييس العلمية الموضوعية المعتمدة في اختيار مديري الحملات الانتخابية. وأغلب ظني أنهم يعيّنون بالمحاباة والمجاملة والترضية. وفي معظم الحالات تكون طريقة إدارة الحملات الانتخابية عامل تثبيط تتعب المرشحين أنفسهم لجهل من يديرها بأساليب الدعاية الانتخابية الناجحة التي تعتمد على الأندراغوجيا. وينفسح المجال، وقتئذ، للوسوسة والنميمة والقذف والحديث الذي لا جدوى منه ولا طائل من تحته، ويتشكل مناخ موبوء يشجع على سريان الشكوك حتى بين مرشحي القائمة الواحدة أنفسهم.
لا تظنن أنني غادرت صومعة التربية ووجهت وجهي شطر خيمة السياسة وحشرت أنفي فيها؛ فحديثي هو حديث من يأمل أن يجعل البيداغوجيا وشقيقتها الأندراغوجيا تمتس إليهما الحاجة في كل مجالات الحياة حتى تصبح ضرورتهما كضرورة الماء والهواء لكل كائن حي.

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تغريدات الجمعية