كلمة صريحة في مشروع الإصلاح .. بقلم :أبومحمد حبيب

لماذا يتراجع صوت الإصلاح، ويتآكل رصيده، ويتنكر له عدد غير قليل من أبنائه ومنسوبيه؟ ولماذا يتهاوى سقف الآمال وتتضاءل الأحلام إلى الحدود الدنيا التي كنا نعدها خبرا من الماضي؟ ومن هو العائن الحاسد الذي أحال مكاسبنا وأعمالنا إلى سراب يحسبه الظمآن ماء؟ وهل حقا جنت السياسة على الفكرة الإصلاحية واستبدل الناس أيام الزهد فجعلوا مكانها أياما أخرى بعضها أو أكثرها للغنائم؟ ولماذا تزداد الفجوة بين المتشاكسين في حقول الدعوة بفروعها وأذرعها المختلفة ويتبادل بعض أتباعها نعوتا هزيلة سخيفة قادحة؟ وإلى متى نعلق جميع إخفاقاتنا على أعدائنا التقليديين الذين لم يغيروا مواقفهم أبدا؟ وأين هي القيادة الرشيدة التي تجمع شتات هؤلاء المتنافسين على ما بقي من أوعية الإصلاح؟
أسئلة كثيرة تدور بخلد كل أحد يعاين بحسرة خسائرنا التربوية والأخلاقية والعلمية التي تزداد مع الأيام فداحة، وقلما يرصدها المهتمون بالمشروع الإصلاحي بتجرد ووعي، أو يتأملون نتائجها وآثارها باحترافية ومهارة، ويسقط الجميع في فخ الدفاع الذي يعتبر كل نقد، أو دعوة إلى المراجعة، أو الحاح على جرد الأرباح والخسائر، أو مطالبة بكشف الحصائل يعتبرون جميع ذلك من الترف النظري الذي يشتغل به عادة الفارغون من الأعمال، ويستحضرون القواعد الصماء التي يجرونها دون قياس صحيح من أمثال: “لا يفتي قاعد لمجاهد”، فإذا كان الأمر كذلك لماذا يطالب الإصلاحيون بكشف حساب الدولة الوطنية منذ أول تأسيسها؟ بعض الإصلاحيين يتبوءون مناصب “قيادية” منذ أزيد من ثلاثة عقود لم يكتبوا ورقة واحدة في حصائلهم إلا ما كان من مكتوبات فخرية أو تقارير روتينية أو شهادات مبتورة؟ وبعضهم الآخر رمى خصومه بكل نقيصة، وأدانهم بكل تهمة، ونسبهم إلى شرور كثيرة، وعلق عليهم كل خيبة ثم عاد فمسح ذلك بجرة قلم سماها “صلحا” دون أن يعرف أحد لماذا اختلفوا وتخاصموا وتبادلوا الشتائم، ولماذا تصالحوا وتوافقوا وتراجعوا؟ لقد آلمني وأنا أشهد في مواسم “الانتخابات” التي صارت مسرحا وحيدا يظهر عليه بقايا أفراد الإصلاح عشرات القوائم لمترشحين كانوا قبل زمن يسير في نفس العائلة الإصلاحية فإذا بهم اليوم يلهثون وراء تقاسم قلة قليلة من الأتباع مازالت تدين لهم ببعض الوفاء!! وآلمني أكثر أنني رأيت بعض القوائم لشدة ولعها بالحزب، وفراغ عزائمها من أي بدائل أخرى اختارت أن تملأ هذه القوائم بكل من هب ودب وهي التي طالما تشددت في الانتقاء، وفرضت الشروط واللوائح، وفيهم من كتب أسماء بعض الأخيار ممن جربوا حظوظهم مرات سابقة ولكنهم جعلوها في ترتيب الاحتياط لقلة أو انعدام الراغبين في الترشح!! وهذا واحد من مؤشرات هوان الفكرة الإصلاحية، ولكن متى يسمع صوت الحقيقة خاليا من أي تفاخر خادع؟ ومتى يتخلص الأتباع والأمناء من القادة من الوهم الكاذب؟
لماذا لا يدعى إلى “مؤتمر” إصلاحي جامع يضم هذا الشتات الذي يعيش تيها غريبا وغير مسبوق؟ ويصبر الأمناء ويتحمل الأوصياء ما يقال في وجوههم من صراحة سيكون لها أعجب الأثر في مداواة الآلام والقروح، وهو خير لهم من المجاملات التي يستمعون إليها في جدران معزولة .. أنا واحد من الناس أسمع يوميا عشرات الشكاوى من هذا النوع يرددها المئات، ويتساءلون ما هو الحل؟ وفيهم من يرفع إصبع الاتهام إلى جهة أو جهات، أو يومئ إلى فئة يظن أن بيدها الحل .. ومنهم من يعتقد أن كل واجهة علنية محسوبة على الإصلاح قد تحولت إلى ملكية “خاصة” يدور في فلكها أبناء الأسرة الواحدة، أو العرش الواحد، أو المهنة الواحدة .. أو هي لا تختلف كثيرا عن التنظيمات المصلحية التي تتكاثر كالفطر ..
ثم لماذا يختزل الإصلاح كله في العمل “الحزبي” خاصة ونحن في زمن المهانة الحزبية بأتم معنى الكلمة؟ وإذا أصر تيار ما على تعلقه بالعمل الحزبي فلماذا يغمس الجميع في هذا القدر الذي يغلي وباء وفسادا ثم يستشري له الداء ويتفاقم ولا يكاد يواجهه بحزم ولا عزم؟ وإذا قدر عليه ذلك فلماذا يوزع العداوة “الحزبية” لأقرب أطرافه التي تخدمه بصمت أو بصوت؟
ولماذا أيضا يتحول هذا المشروع الإصلاحي “الشامل” الذي خدمه الدعاة والأسخياء والفقراء والنساء وفئات أخرى من عمق المجتمع إلى مشروع “اصطفائي” توزع فيه صكوك الالتزام بمزاجية، ويتولى تدبيره بعض من تخذله مواهبه الكليلة، أو لا يعرف له تضحية نبيلة، ولا تذكر له مروءة صحيحة، وهو غالبا يختفي وراء أوراق ممهورة بختم الشورى الشكلية التي يتساوى فيها صوت الحكيم والسفيه؟
إن السنن التي جرت وتجري على كل تجمع بشري يتحول أفراده إلى قطع مهترئة ذات طبيعة خشبية خالية من الابداع والابتكار، ويستسلم للموات الفكري والعلمي، ويتخلى عن شذرة التوتر والقلق، ويكون رهينة لماضيه ساكنا إلى صوره الباهتة .. هي نفسها التي تنتظر مشروع الاصلاح الذي يوشك أن يتحول إلى قطعة أثرية نفيسة وغالية ولكن الزمن تجاوزها، والحياة بأمجادها وعزائمها قد ألقت بها في غياهب النسيان ..
كما أن لمعة الإصلاح يلمحها مجدد قد أشرب حماسة متقدة، واغترف من معين الوحي الندي غرفة ممتلئة، وأشرقت بين عينيه آية النصر كما ورثها عن الأنبياء، كذلك مد عمر الإصلاح، وبعث أنفاسه، وتجديد آماده وآماله يتولاه مصلح خبير بأغوار النفس عندما تكون مهزومة تتمنى ردفا من يد مشفقة، وعقل لا يكسد، وقلب مطمئن قد ملئ ثقة بالسنن في الأنفس والآفاق ..

لا تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تغريدات الجمعية