التمذهب بين الجواز والمنع -الدكتور محمد هندو

تمهيد:
من المقرّر عند الفقهاء والأصوليين أنّ التقليد واجبٌ على العاميّ، وحرامٌ على المجتهد إلاّ حيث عجز عن الاجتهاد، ومقرَّر عندهم أنّ التقليد لا يعني أنّ الحقَّ منحصرٌ في المذهب المقلَّد بحيث لا يجوز الخروج عليه، فهو لا يستلزم التعصُّب لمذهب واحد، ولا اعتقاد أحقيّـته المطلقة دون غيره من المذاهب، فالصّواب تتوزّعه المذاهبُ جميعاً، ولكلِّ مجتهد نصيب، والمصيب -قطعًا- يعلمُه الله وحده، ولم نكلَّف بإدراك عينه، وإنّما كُلِّفنا باتّباع ما وصل إليه اجتهادنا، ومن هنا وُلدت عند العلماء مسألة هي:
هل يجب على العامِّي أن يلزم مذهباً واحداً يأخذ برخصه وعزائمه، أم يجوز أن يخرج عن قول إمامه إلى قول إمام آخر؟ وهذا السؤال ينطبق أيضاً على المجتهد المقيَّد في المذهب؛ هل يجوز له أن يخرج عن مذهب إمامه، وعن أصوله وقواعده في الاستنباط، بحيث يفتي بما يراه أقرب إلى الحقِّ، وأقوى في الدّليل ممّا ذهب إليه إمامه؟ وفيما يلي خلاصة بحث في الجواب عن هذه الإشكالية.
المطلب الأوّل: حكم الخروج عن المذهب وحكم التزامه.
الفرع الأوّل: حكم الخروج عن المذهب.
ذكر الزركشي هذه المسألة تحت عنوان:
(لو التزم مذهباً معيَّناً، كمالك والشافعي، واعتقد رجحانه من حيث الإجمال؛ فهل يجوز أن يخالف إمامَه في بعض المسائل ويأخذ بقول غيره من مجتهد آخر؟)1، ونقل في ذلك عدّة مذاهب، وقد تحصَّل للباحث بالتأمّل فيها، ومحاولة ردِّ ما تشابه منها إلى بعضه أنّها مذهبان:
1- المنع:
بحجّة أنّه لا ضرورة للانتقال إلاّ التشهي والتلاعب بالدِّين.
2- الجواز بشروط:
وقد تعدّدت هذه الشّروط تعدُّدَ المذاهب التي ذكرها الزركشي فيما سوى مذهب المنع، وحاصلها ما يأتي2:
– أن يعتقد رجحان المذهب الذي انتقل إليه في تلك المسألة، وعلى هذا لا يجوز الانتقال إلاّ للمجتهد؛ لأنّ العامي لا يدرك وجوه الرّجحان، وهو الأصحّ عند الرّافعي.
– أن لا يكون قد عمل في تلك المسألة بقول إمامه بعدُ، فإن كان قد عمل فيها بقوله؛ لم يجز الخروج عنه.
– أن يكون ذلك قبل تقرُّر المذاهب، أمّا بعد ذلك فلا؛ لأنّه يؤدِّي إلى الخبط وعدم الضّبط.
– أن لا يكون الرّأي المنتقَل إليه ممّا يجب نقضُه.
– أن تدعو إلى ذلك ضرورة أو حاجة، فلا يكون الخروج لمجرّد الترخّص.
وشرط ابن دقيق العيد3:
– أن لا يجتمع في صورة يقع الإجماع على بطلانها، كما إذا افـتصد، ومسَّ الذَّكَر، وصلَّى.
– ألاَّ يكون ما قلَّد فيه؛ ممّا يُنقض فيه الحكم لو وقع به.
– انشراح صدره للتقليد المذكور، وعدم اعتقاده لكونه متلاعباً بالدِّين، متساهلاً فيه.
ونقل القرافي عن يحيى الزناتي من المالكية شروطاً ثلاثة أيضاً، وهي4:
– أن لا يجمع بينهما على صورة تخالف إجماع المسلمين، كمن تزوَّج بغير صداق، ولا وليّ، ولا شهود.
– أن يعتقد فيمن يقلِّده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلِّده في عمله.
– أن لا يتّبع رخص المذاهب.
وإذا رددنا هذه الشّروط بعضها إلى بعض، مع الاقتصار على المهمّ منها، يتحصّل منها ما يأتي:
1- أن لا يكون القصد من الخروج عن المذهب مجرّد طلب التخفيف، بحيث لا تدعو ضرورة أو حاجة إلى هذا التخفيف.
2- أن لا يكون القول الذي يريد الأخذ به ممّا يُـنقَض قضاءً بسبب ضعف دليله، بل ينبغي أن يظنّ أنّه أقوى دليلاً، وأرجح مستنداً من قول إمامه، وهذا في حقِّ المجتهد المقيَّد.
3- أن لا يؤدِّي إلى مخالفة الإجماع، والعمل بصورة باطلة عند الجميع.
4- أن لا يؤدِّي إلى نقض ما عمل به تقليداً لإمامه في نفس المسألة.
وبهذا يتقرّر اتِّفاق أو شبه اتِّفاق العلماء على جواز الخروج على مذهب الإمام المقلَّد في ظلّ هذه الشّروط، ولا يتحرّر فيما ذكره الزركشي خلافٌ على الحقيقة، حتّى الرّأي الأوّل القائل بالمنع؛ فإنّ مبرِّره أنّه لا يُتصوَّر الانتقال بين المذاهب إلاّ بسبب التشهِّي، والواقع أنّ الملجئ إلى الانتقال ليس بالضّرورة هو التلاعب وتتبُّع التراخيص، بل قد يكون السّبب هو رجحان ذلك المذهب في نظر المجتهد بناء على دليل معتبر، أو يكون ثمَّتَ حاجةٌ أو ضرورةٌ ملجئة إلى التخفيف، بحيث يكون المذهب المنتقَل إليه مراعياً لهذه الحاجة أو الضّرورة، ويكون الأخذ بالمذهب مستلزماً للضّيق والحرج والإعنات، وهو منفيٌّ في الشّريعة، وهذا الكلام ينطبق على المجتهد.
أمّا العامّي الذي لا دراية له بالرّاجح والمرجوح؛ فإنّ مذهبه هو مذهب مفتيه المجتهد، ولا يجب عليه أن يقتصر في الاستفتاء على مفتٍ واحد لا يحيد عن أقواله، بل يجوز له أن يسأل غيره، بشرط أن يظنّ فيه الدِّين وأهلية الاجتهاد وتحرِّي الصّواب، لا أن يكون قصدُه تتبُّع التراخيص.
قال العزّ بن عبد السّلام: «يجوز تقليد كلِّ واحدٍ من الأئمة الأربعة رضي الله عنهم، ويجوز لكلّ واحد أن يقلّد واحدا منهم في مسألة ويقلِّد إماما آخر منهم في مسألة أخرى، ولا يتعيَّن عليه تقليد واحد بعينه في كلّ المسائل، ولا يجوز تتبع الرخص»5.
الفرع الثاني: حكم التزام المذهب.
هذا الذي تقرَّر من جواز الخروج على مذهب الإمام لا يعني أنّه يحرم على المجتهد المقيَّد (وليس المطلق)، أو العامِّي أن يتبَّع مذهباً معيَّناً بحيث يتقيَّد بغالب أحكامه، وما يدعو إليه بعض الممارسين للشريعة من تحريم التقيد بالمذاهب الفقهية، ووجوب ردّ الأحكام إلى الكتاب والسنّة بلا واسطة؛ مجانبٌ للصّواب، وخلاف ما عليه الأمة، فلا تكاد تجد عالما معتدًّا بعلمه إلاّ وله مذهب ينتسب إليه، فإنّ العلماء إنّما اختلفوا في وجوب التمذهب، لكنَّهم أجمعوا على مشروعيته، وأنّه جائزٌ سائغ في حقِّ المجتهد المقيَّد، ومن باب أولى في حقِّ من هو دونه من العلماء والعوامّ.
قال ابن تيمية: «اتِّباعُ شخصٍ لمذهب شخصٍ بعينه؛ لعجزه عن معرفة الشَّرع من غير جهته؛ إنّما هو ممّا يسوغ له، ليس هو ممّا يجب على كلِّ أحد إذا أمكنه معرفة الشّرع بغير ذلك الطّريق، بل كلُّ أحد عليه أن يتّقي الله ما استطاع، ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله، فيفعل المأمور، ويترك المحظور»6.
بل لو قال قائلٌ: إنَّ التمذهب في حقّ العامّي ومن لم يبلغ درجة الاجتهاد؛ أولى من عدم التمذهب؛ لم يكن مجازفاً، بل يكون مصيباً كبد الحقيقة؛ لأنّ انتقال العامّي في استفتائه من مُفتٍ إلى آخر، من حنفي إلى مالكي إلى شافعي إلى حنبلي؛ يوقعه في الخلط والتضارب بين الأقوال، وفي الحيرة واللَّبس، وربَّما وقع في التلفيق الممنوع، وتتبّع التراخيص بناءً على الهوى والتشهِّي، خصوصاً أنّ قواعد كلِّ مذهب ومناهجه في الاستنباط تختلف عن المذهب الآخر في تفاصيل كثيرة، وبذلك تنخرق المنظومة التشريعية والفقهية التي يتميَّز بها كلُّ مذهب، وينهدم اتِّساقُ الأصول مع فروعها، وانسجام الكلِّيات مع جزئياتها، وهو أمرٌ منفيٌّ عن هذه الشّريعة الغرّاء.
من هذا المنطلق حثَّ العلماء على لزوم مذهب من المذاهب الأربعة؛ تلافياً للمفاسد التي ذكرنا، وسدًّا لذرائعها، ومحافظة على وحدة المنطق التشريعي، وانسجامه، وعلى هيبة التكليف، وعَظَمُوت الدِّين.
قال الشّيخ علِّيش في فتاويه ردًّا على الذين لا يلتزمون المذاهب الفقهية: «هؤلاء تركوا تقليد إمام معيَّن، واتَّبعوا الأحاديث بزعمهم، فتارةً وافقوا بعض المذاهب الصّحيحة، وتارةً بعض المذاهب الشاذّة، وتارةً خرقوا الإجماع، وهذا شُؤْم الخروج عن المذاهب والابتداع»7.
وبناءً على هذه النّظرة كان بعض العلماء -على عظم إمامته- لا يفتي بغير مشهور المذهب السّائد في البلد، وهذا ما نقله الشّاطبي عن الإمام المازري من المالكية؛ حيث قال: «ولستُ ممّن يحمل النّاس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه، لأنّ الورع قلَّ، بل كاد يُعدم، والتحفُّظ على الدِّيانات كذلك، وكثُرت الشّهوات، وكثُر من يدَّعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه، فلو فُتح لهم باب في مخالفة المذهب؛ لاتَّسَع الخرق على الرَّاقع، وهتكوا حجاب هيبة المذهب، وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها»8.
وعقّب الشّاطبي على كلام المازري هذا بقوله: «فانظر كيف لم يستجز -وهو المتّفق على إمامته- الفتوى بغير مشهور المذهب، ولا بغير ما يُعرف منه بناءً على قاعدة مصلحية ضرورية؛ إذ قلَّ الورع والدِّيانة من كثير ممّن ينتصب لبثِّ العلم والفتوى كما تقدَّم تمثيله، فلو فُتح لهم هذا الباب؛ لانحلَّت عُرَى المذهب، بل جميع المذاهب، لأنّ ما وجب للشّيء؛ وجب لمثله»9.
وقال القرافي: «إنّ المفتي إذا جاءه رجلٌ يستفتيه … لا يُفتيه بحكم بلده، بل يسأله هل هو من أهل بلد المفتي؛ فيفتيه حينئذ بحكم ذلك البلد، أو هو من بلد آخر، فيسأله حينئذ عن المشتهر في ذلك البلد؛ فيفتيه به … فهذه قاعدةٌ لا بدّ من ملاحظتها، وبالإحاطة بها يظهر لك غلطُ كثير من الفقهاء المفتين، فإنّهم يُجْرُون المسطورات في كتب أئمّتهم على أهل الأمصار في سائر الأعصار، وذلك خلاف الإجماع، وهم عصاة آثمون عند الله تعالى، غير معذورين بالجهل لدخولهم في الفتوى، وليسوا أهلاً لها، ولا عالمين بمدارك الفتاوى، وشروطها، واختلاف أحوالها»10.
وبناء عليه نخلص إلى القول: إن التمذهب ليس حراماً وليس واجباً، لكنّه مشروع، بل مطلوب من حيث الجملة.
الهوامش:
1- انظر: الزركشي، بدر الدّين محمّد بن عبد الله (ت794هـ/1391م)، البحر المحيط، ط1، 8م، دار الكتبي، 1994م، ج8، ص375.
2- المرجع السابق.
3- نقلا عن: الزركشي، البحر المحيط، ج8، ص377.
4- القرافي، أبو العباس أحمد بن إدريس (ت684هـ/1285م)، شرح تنقيح الفصول، ط1، 1م، (تحقيق طه عبد الرؤوف سعد)، شركة الطباعة الفنية المتحدة، 1973م، ص432.
5- ابن عبد السّلام، عزّ الدّين أبو محمد عبد العزيز (ت660هـ/1261م)، الفتاوى، ط1، 1م، (تحقيق عبد الرحمن عبد الفتاح)، دار المعرفة، بـــيروت، 1986م، ص122.
6- ابن تيمية، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم (ت728هـ/1327م)، مجموع الفتاوى، د.ط، 37م، (تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 1995م، ج20، ص209.
7- عليش، أبو عبد الله محمد بن أحمد (ت1299هـ/1881م)، فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، د.ط، 2م، دار المعرفة، بـــيروت، د.ت، ج1، ص104.
8- الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى (ت790هـ/1388م)، الموافقات، ط1، 4م، (تحقيق عبد الله دراز)، دار المعرفة، بـــيروت، ج4، ص146.
9- الشاطبي، الموافقات، ج4، ص146-147.
10- القرافي، أبو العباس أحمد بن إدريس (ت684هـ/1285م)، أنوار البروق في أنواء الفروق، د.ط، 4م، عالم الكتب، د.ت، ج1، ص46.
أستاذ بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية*

تغريدات الجمعية