حوار قناة الأنيس مع الدكتور محمد هندو

بسم الله الرحمن الرحيم
س: بدايةً، هذا الطرح القديم المتجدد بين كل فينة وأخرى، يزعم أنّه يرتكز في دعواه على الاعتصام بالدين ونبذ التفرق، وبالتالي فهذا الطرح يبيّن بما يكون التفرّق، لنحذر منه، ونعتصم بسبيل واحدة، أليس كذلك؟
ج: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد:
فإنّ الله تعالى أمرنا أن نعتصم بحبل الله، ونهانا عن التفرّق فقال: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا).
بماذا نعتصم؟ وعلى ماذا نتفرق؟
الاعتصام بحبل الله معناه بدين الله، ودين الله يتضمّن شُعَباً عديدةً من الأقوال والأفعال، ففيه العقيدة، وفيه الشريعة، وفيه التربية والسلوك، وفيه القيم والأخلاق، وفيه نظام الأمة وما به تدبير شأنها، ومصالحها في كافة مناحي حياتها، وما به حفظ بيضتها، وصون جماعتها من الأخطار التي تهدّد كينونتها الوجودية.
وما من ناحية من هذه المناحي إلا وفيها مرتبتان:
مرتبة الأصول والقطعيات والقواعد المحكمات، والأمور الكليات، فهذه لا تسع فيها المخالفة، ولا تقبل النظر والاجتهاد، وليست مجالا لتعدّد الآراء. بل النصوص فيها محكمة، والأصول مبرمة، والقواعد مقررة بما لا يدع حجة لمخالف.
والمرتبة الثانية هي مرتبة: الظنون، والمحتملات، والجزئيات، والفرعيات، التي هي محلٌّ للنظر والاجتهاد، ويسوغ فيها الخلاف، ويقبل تنوّعَ الآراء وتعدَّدها ما دام محكوما بمنهجية العلم والمعرفة.
ثم كل مرتبة من هاتين المرتبتين فيها جانبان: جانب الحكم المجرّد كما هو في الذهن، من جهة التنظير. وجانب تنزيل الحكم على الواقع، من جهة تحقيق المناط.
فعلى أي المرتبتين يكون الاعتصام؟ وعلى أي جانب من كل مرتبة؟
لا شك أنّ الاعتصام الذي أُمرنا به، والتفرق الذي نهينا عنه محلهما المرتبة الأولى: مرتبة الأصول القطعية والمحكمات الكلية؛ لأن الاختلاف فيها وعليها لا تسوِّغه طبيعة الأدلة المنصوبة، ولا طبيعة العقول، ولا طبيعة الواقع، بينما مرتبة الظنون والمجتهدات؛ لو أمرنا بالاتفاق فيها؛ كان تناقضا في الشرع، والشرع منزه عن التناقض، إذ كيف نتفق على ما يقتضي الخلاف بطبعه، من جهة النص، ومن جهة الآلة المدركة وهي العقل، ومن جهة تحقيق المناط في الواقع.
ولو كان هذا الخلاف مذموما لكان للصحابة والأئمة والسلف كلهم أوفر الحظ من هذا الذم، لأنهم اختلفوا في عشرات القضايا من هذا القبيل، وحاشاهم.
يقول الإمام الشاطبي: (الفرق إنّما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنًى كليٍّ في الدّين، وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية …).
س: إذا كان كذلك؛ ما الفرق بين ما تطرحونه وبين ما يقول هؤلاء الشيوخ؟
ج: الفرق أنّ معاقد الاعتصام والاجتماع التي نطرحها لا يختلف عليها جماهير المسلمين سلفا وخلفا، والمخالف فيها مفارقته شديدة الوضوح لمنهج الدّين.
بينما هؤلاء المتكلمون جزء كبير مما يفرّقون الأمة على أساسه هو اعتبارات اجتهادية محضة:
لو أخذت مثلا مسألة الاحتفال بالمولد، التي جاء ذكرها في سياق أن من قال بها فليس من أهل السنة، أئمة الدين في بلادنا على رأسهم شيخ الإسلام عبد الحميد بن باديس كانوا يسوغون هذا الاحتفال. كما سوغه من قبلهم أئمة كبار في الدين.
لو أخذت مثلا: مسألة تأويل صفات الباري جل جلاله، التي يلتبس معناها اللغوي الحرفي بصفات البشر، فتُتأول بما لا ينفي الصفة ولا يعطّلها، وفي نفس الوقت بما يمنع تشبيه الخالق بالخلق، هذا من مجال النظر، ومما يسوغ فيه الخلاف، وقال بهذا المسلك أئمة عظام في الإسلام، نصوّبهم ونخطئهم، نعم، مقبول، أمّا أن نزعم أنهم على ضلال، وأنهم هالكون، فهذا تقوُّلٌ على الشرع.
لو أخذت مثلا: مسالك التربية النفسية، والتزكية القلبية والأخلاقية، الله تعالى يقول في كتابه: (قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها)، فأصل التصوّف هو التزكية، ولا يمكن أن يكون كلّ من سلك الجادة في هذا السبيل ضالا منحرفا، ومن كبار أئمة السنة متصوفون بهذا المعنى، نعم يدخل على هؤلاء غلوّ كما يدخل على غيرهم، وتدخل عليهم أخطاء وبدع كما تدخل على غيرهم، واجبنا أن نبيّن ذلك بالحسنى، أمّا أصل المسلك فصحيح.
لو أخذت مثلا: طريقة إخواننا في جماعة التبليغ، يعظون ويرققون قلوب الناس ويدعونهم دعوة رغم بساطتها لكنها تستنقذ أناسا من الغي والفسوق والعصيان، ماذا يضير الإسلام في ذلك؟
خذ مثلا: المسائل المتعلقة بالشأن العام، والسياسة الشرعية، التي يعرف كل أحد اتصل بالعلم اتصالا صحيحا أنّ مبناها على موازنة المصالح والمفاسد، فمن كان من أهل العلم المعتبرين, وأهل الخبرة المعتبرين، مستنّا بتجارب صحيحة معتبرة، فاتخذ وسيلة إصلاحٍ هي في نظر العلماء والخبراء أجلب للمصلحة، وأدفع للمفسدة، ما شأن الهُدَى والضلال بهذا.
المسؤول على شأن من شؤون الأمة صغيرا كان أو كبيرا إنما هو نائب عن الأمة وكيل عنها، أجير عندها، فيؤخذ بالنصيحة إذا كان أمينا يرجى منه أن ينتصح، ويؤخذ بالمنافسة والمعارضة إذا مقيما على رأي يراه صوابا ويراه غيره خطأ، ويؤخذ بالاحتجاج والنضال المشروع إذا حاف عن الحق والعدل في ظل موازنة المصالح والمفاسد … تصوبني وتخطئني، نعم، مرحبا، لكن ما شأن هذا بالهدى والضلال.
كيف يقال: إن التعاون على البرّ والتقوى مع أي جهة نفترض أنها غلطت في أمور، أنه غلطٌ معها، بل مجرّد التعاطف فهو ضلال وانحراف، بينما نجد المسلمين قاتل معهم المنافقون، واستعان النبي  في كثير من أعماله ببعض المشركين،
وإذا كان الأمر بهذه المثابة، فما يطرحه بعض من شذّ بطرحه عن سواد الأمة الأعظم، من تفريق الأمة على اعتبارات معظمها معدود في المجتهدات والمظنونات، وما يسوغ فيه الخلاف العلمي والمنهجي؛ هذا الطرح هو في غاية الفساد، والغلو،
س: ما هي المآلات الخطيرة لهذا المنهج في تعاطي قضايا ائتلاف الأمة واختلافها؟
1. هذا المنهج خطر على نفسه قبل أن يكون خطرا على غيره، لهذا هو آخذٌ في الاحتراق والتآكل منذ أمد، وكم ممن كانوا رؤوسا في هذا الطريق أخرجوا منه، ونالتهم عصا الإقصاء، ولم يدركوا ما ألحقوه بالأمة من أذى حتى احترقوا بالنار التي كانوا يلعبون بها، وبعضهم احترق ولـمّا يدرك بعد. وقديما قيل: على نفسها جنت براقش!
2. هذا المنهج خطر على التماسك الاجتماعي داخل الوطن الواحد، ناهيك عن الأمة، عندما يحصر هؤلاء الهداية والنجاة في طائفة معدودة، ويجعلون الجميع ضلالا، وينتشر هذا الفكر بين العامة والشباب المتحمس، ماذا تنتظر؟ تنتظر أن يولّد الغلو والتطرف وهدم المشتركات وقطع كل أنواع العلاقات الإيجابية المنتجة، وسرعان ما يتحوّل ذلك إلى التكفير واستباحة الدماء والأموال والأعراض، كما نراه في بلدان مجاورة.
3. هذا المنهج خطر على طلبة العلم الشرعي، فمن دخل في هذه الخنادق والمآزق، فوا الله العظيم لا يحصّل علما، ولا يضبط أصلا، ولا يقرأ كتابا، ولا يعرف إماما، ولا يحترم عالما، ولا يخرج منه شيء ألبتة. ونحن نرى في الجامعات بعض الشباب المسكين الذي نسأل الله أن يستنقذه من هذه البراثن، نراهم كيف لا يقدرون على تحصيل حتى 5 نقاط من 20 في امتحانات بسيطة جدا في أوليات العلوم وأساسيات المعارف الإسلامية.
4. هذا المنهج خطر على علماء الأمة: عندما يُطعن في علماء الأمة ورموزها وقادتها، ويصبح الشباب لا يثق في علماء بلده الذين هم سفينة النجاة، فهذا كمن يحرق سفينة النجاة، وليس بعد ذلك إلا الغرق والهلاك.
5. هذا المنهج خطر على الوطنية؛ لأنّ أهل كلّ بلد أدرى بما يصلحهم، والبلدان تختلف عاداتها، وتختلف سياساتها، والتدين ليس نمطا سعوديا، ولا مصريا، ولا شاميا يفرض على العالم، الإسلام يتسع للناس على تنوّعهم، وهؤلاء المتكلّمون لا يؤمنون بالمرجعية المحلية، والخصوصيات الداخلية، بل نحن نسمع أنّ فلانا من بلاد كذا هو من نصّب فلانا على رأس التيار، وكأنّ الدعوة الإسلامية هي وثيقة اعتماد تُمنح من وزارة الداخلية، أو سجل تجاري تعطيه وزارة التجارة، أو ربما هي بطاقة عضوية في حزب سياسي، ثمّ تتعجّب أن يذمّ هؤلاء التنظيمات والأحزاب.
6. هذا الفكر خطر على الانتماء للوطن؛ لأنّ ولاءاتهم خارجية، ومن كان ولاؤه للخارج اليوم يداريك وغدا يعاديك.
س: ما هي سبل العلاج والوقاية؟
1. لزوم سواد الأمة الأعظم، فهؤلاء لا يشكّلون إلاّ هامشًا صغيرا، والأمة بمختلف تنوعاتها هي السواد والمركز الذي عليه المدار؛ والعصمة إنما هي للأمة.
2. التحذير من هذه الأفكار الدخيلة بمختلف وسائل التحسيس والتوعية.
3. التحجير على مثل هذه الأفكار وأصحابها؛ لأن ضررها جلي واضح.
4. تعليم الشباب العلوم الشرعية من منابعها الأصيلة، إنشاء المعاهد والمدارس والجامعات الخاصة بذلك.
5. العودة إلى مقومات الحضارة الإسلامية الأصيلة، وترك المناهج التغريبية والعلمانية، لأن هذه التطرفات هي التي تنتج التطرفات المضادة.
6. تكريم العلماء والاحتفاء بهم وإنزالهم منازلهم حتى يتسنى الاقتداء بهم.

تغريدات الجمعية