الأمين العمودي ..شهيد الأدب والصحافة *

الأمين العمودي ..شهيد الأدب والصحافة *

إن موضوع الدعوة إلى الله تعالى وإبلاغ رسالته واجبة على كل مسلم، وانطلاقا من هذا المبدأ تأسست العديد من النوادي والجمعيات بالجزائر، هدفها الإصلاح والإرشاد وتبليغ الناس أحكام الشريعة، ومن هذه النوادي والجمعيات: «نادي الترقي»، «جمعية المؤتمر الإسلامي»، «جمعية العلماء المسلمين».
وقد زخر المجال الدعوي بالعديد من العلماء الكبار الذين قدموا الكثير خدمةً لنضال الدعوة.
ومن بين هؤلاء: “الشيخ محمد الأمين العمودي” المناضل والخطيب، الذي قدم النفس والنفيس من أجل حماية الأرض والعرض وأحكام الشريعة السمحة، والذي عاش المعاناة والقهر من جراء السياسة الاستدمارية الفرنسية.
مولده:
لقد اختلف الكثير من الكتاب والمؤرخين والمعاصرين له في تاريخ مولد الشيخ العمودي ومن هذه التواريخ نذكر:
ولد الشهيد الأديب الأمين بن يوسف العمودي في حي المصاعبة بولاية وادي سوف – الجزائر – عام 1892م استنادا إلى سجل قيد المدرسة التي تعلم فيها.
واستنادا إلى الدفتر العائلي الأصلي لسجلات الحالة المدنية لولاية الوادي، الذي أثبت مولده عام 1892.
وحسب رسالة الشيخ العمودي الموجهة لزميله الشيخ محمد الهادي السنوسي التي يقول فيها عن حياته: «أما حياتي فحياة كل مسلم جزائري حياة بلا غاية ولا أمل، حياة من لا يأسف على أمسه ولا يغتبط بيومه, ولا يثق في غده. تلك هي حياتي من يوم عرفت الحياة…» وقد أرخها في 14 يوليو (تموز) 1927، فنستنتج أنه ولد عام 1890.
عائلته:
وتنحدر عائلة الشيخ العمودي في أصلهم إلى عرب اليمن (حضرموت) الذين نزحوا إلى هذه الديار قديم الزمان ثم استقروا في نقطة من الجريد التونسي، ثم هاجروا إلى واد سوف حيث ولد، أبوه هو يوسف بن عمر بن عبد الله بن بلقاسم كان يسمى «الطالب» ويحمل لقب «الخوجة» بواد سوف وتقرت، معناها الكاتب الترجمان، أمه مبروكة بنت علي عبيدي وهي عمة الشيخين: أحمد والطاهر لعبيدي، وهما من علماء سوف الأوائل المشهود لهم بالفقه والصلاح. وكانت العائلة قد أخرجت العديد من العلماء في المشرق والمغرب من بينهم الشيخ أبو القاسم العمودي.
أما نشأته فنأخذها من الرسالة السالفة الذكر التي أرسلها إلى الزاهري التي جاء فيها: «وإن أردت ترجمتي فخذها بغاية الإيجاز: نشأت بوادي سوف في عائلة كان لها مقام معتبر وحظ من النعيم الذي جرت العادة على تسميته نعيما ثم دارت عليها الدوائر وتوالت عليها النكبات. تربيت في أحضان أم حنون وعم أشفق علي من نفسي وتعلمت بالمكتب الفرنسي الابتدائي، وبالمكتب القرآني على الكيفية والطريقة اللتين تعلمهما كما أعلمهما ويعلمهما الناس أجمعون وليس هنا محل انتقادهما».
وقد درس الشيخ العمودي في صباه مثل أقرانه القرآن الكريم بالمدرسة القرآنية ودرس مبادئ اللغة العربية والفقه الإسلامي على يد عمه الشيخ عبد الرحمن العمودي، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية الرسمية الوحيدة بالوادي التي كانت تسمى بـ«مدرسة الأهالي» آنذاك فحصل منها على الشهادة الابتدائية دورة 1905م، حاليا تسمى بـ«ابتدائية أميه محمد بالحاج».
ولما بلغ 16 عاما من عمره ساهم في مسابقة الالتحاق بمدرسة قسنطينة الإدارية العربية الفرنسية، مكث فيها أربع سنوات، حصل على شهادة في المحاماة والترجمة، حيث كان يتخرج منها حينها القضاة والمترجمون ورجال المحاكم الشرعية، وقد تعرض هناك إلى مضايقات.
شخصية الشيخ العمودي ومكانته:
الشيخ العمودي مصلح اجتماعي، اتخذ من الخطابة والشعر والمقالة الصحفية أداة لتحقيق أهدافه الإصلاحية، لأن هذا اللون من الفنون يعتبر وسيلة من وسائل الاتصال المباشر بين المصلح والجمهور، معتمدا على أسلوبه وشخصيته الفذة.
وهذا ما تؤكده شهادة الأستاذ أحمد بن ذياب، حيث يقول: «من بين الشخصيات الفذة والمناضلين الأوائل فيما يزيد عن أربعة قرون، ذلك الشاعر الساحر والمصلح الاجتماعي الطموح، السياسي الجريء الأمين العمودي أحد مؤسسي الجمعية الجهادية، وصاحب حرية الدفاع والخطيب البليغ باللسانين والكاتب المبدع بالقلمين، والذي عاش أكثر شبابه متمردا ثائرا. وحين كهولته مناضلا جريئا لا يخاف في قوله الحق لومة لائم».
أما الأستاذ محمد الصالح رمضان فيقول: «كان العمودي يتردد على مدينة قسنطينة، رأيته لأول مرة طويل القامة نحيلا بعض الشيء ويرتدي اللباس الوطني: البرنس والقندورة والطربوش.. وجالسته فإذا هو بسيط متواضع لا تكلف فيه ولا غرور، كان يزور ابن باديس في مكتبه أو في مدرسته كلما حل في قسنطينة».
كانت عائلته تنعم بقسط وفير من الجاه والمال كما جاء في رسالته المذكورة سابقا، وكان من عائلة أصيلة من أهل العلم يتميزون بالصلاح والإرشاد وكان لهذه العائلة دور رائع في التاريخ الإسلامي والحركة الثقافية.
ومن العوامل أيضا التي ساهمت في نبوغه وصموده:
احتضان عمه عبد الرحمن العمودي وهو من أعلام سوف فمكنه من ثقافة عربية إسلامية وساهم في تربيته وبذر روح الحس الوطني فيه.
حظه من التعليم الفرنسي الذي منحه فصاحة وعلما ومنهجا سليما في معالجة القضايا والمشاكل بروية متفحصة قادرة على معرفة مكان الداء ووصف العلاج لأقسام الأمة.
مطالعته الواسعة عندما شب والتحق بمدرسة قسنطينة رغم العقبات والمكائد التي حيكت ضده فكلما ذكر بنفسه بأن لا فضل لابن حواء عليه فيما تعلمه في تلك المدرسة ودل ذلك على صموده ونبوغه.
العلماء والشيوخ الذين تتلمذ على أيديهم والذين عايشهم ونشط معهم أدبا وصحافة، ومن هؤلاء: العقبي والزاهري وابن باديس والتبسي والإبراهيمي، هذا الجيل أثر كثيرا في شخصيته.
النهضة الفكرية والسياسية التي شهدتها الجزائر منذ مطلع القرن العشرين وبروز المؤسسات الثقافية التي تهدف أغلبها إلى الإصلاح والاستقلال.
وفاته:
لقد حظي الشيخ العمودي بنهاية مشرفة وبرغم تخليه وانعزاله عن الحياة السياسية و الإعلامية، غير أن يد الغدر استطاعت قتله حيث أن عائلته عرفت أن اليد الحمراء اختطفته يوم 10 أكتوبر 1957، لم تقضِ عليه نهائيا بل ضربوه ضربة قاتلة على قفاه ورموه عند تقاطع طريق السيارات مع السكة الحديدية قرب قرية «العجيبة» شرق مدينة البويرة عند موقع وزارة المجاهدين، حيث وُجد ونقل إلى مستشفى البويرة، توفي رحمه الله وفاز بالشهادة.
من آثاره الأدبية والدينية:
كتب في النثر والشعر، نذكر منها:
مقالة بعنوان: «المرأة المسلمة الجزائرية» المنشورة في جريدة الإصلاح العدد 08 بتاريخ 28 أكتوبر1926م.
مقالة بعنوان: «الناشئة الإسلامية الجزائرية» المنشورة بجريدة الإصلاح.
أبيات باسم «الشكر للنعمى يوفرها» و«ضاقت على ذكر ما قاسيت أعوام» و«نار عصيبة التلهاب».
ومن رسائله:
رسالة وجهها إلى صديقه الشيخ الهادي السنوسي الزاهري رحمه الله.
رسالة أخرى إلى سماحة مفتي القدس سنة 1948.
بالإضافة إلى التقرير الموجه إلى هيئة الأمم المتحدة والمتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان من طرف السلطات الاستعمارية ضد السجناء الجزائريين والتعذيب الذي يتعرضون إليه.
وفي مجال الإعلام كتب في جرائد عدة منها: «المنتقد»، «الشهاب»، «البصائر» وفي صحف «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» وبعض الصحف التونسية، كما أنه أصدر جريدة «النجاح» باللغة العربية و«الدفاع» باللغة الفرنسية.
رحمه الله.
*مجلة وادي سوف ـ بتصرف بسيط

تغريدات الجمعية