الزاوية العثمانية منار لأهل طولقة ومكانة لها وفخر لبسكرة

تأسست الزاوية عام 1780م على يد الشيخ علي بن عمر (1754م – 1842م)

شهرة (طولقة) لا تأتي من هذا العطاء الغذائي المبارك – التمر – الذي يعتبر معاش أهلها ومورد رزقهم, وإنما هذه الميزة هي إحدى صفات البلد ترافقها مزايا عديدة , ولعلنا لا نبالغ في الحديث ولا نطلق للقلم العنان ليكتب عن عاطفة , فالحقيقة تنطق عن نفسها , والواقع يدل على صدق الحال, والتاريخ يشهد بذلك , لمن أراد أن يستفتي التاريخ ….

إن زاوية سيدي علي بن عمر ( الزاوية العثمانية) في مدينة طولقة هي منارها ورايتها , و بها عرفت واشتهرت في كافة أنحاء القطر الجزائري وخارجه والزاوية منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا الذي نحياه , محجة ومقصد للمريدين والمحبين والزوار من رجال العلم والثقافة والبحث, ومنذ مطلع تأسيسها بنفحات شيخها وطهارته على النية الصادقة والإخلاص في العمل ,انتشر سمها وعمّ ,وعرفت ببركاته وصلاحه وتقواه , وبالغايات السامية التي يعمل لها من نشر العلم وتحفيظ القرآن الكريم ومساعدة الفقراء واليتامى وأبناء السبيل وإيواء المساكين والمحتاجين و إلى جانب رسالتها في المحافظة على الإسلام والصدّ عن دين الله بكل ما أوتيت من قوة بما في ذلك مدافعة الأجنبي والجهاد في سبيل الله بالقوة والعمل, كما يشهد لها تاريخها الصادق.

تعتبر مدينة طولقة عاصمة الزاب الغربي , وعلى الطريق المظلل بالنخيل الممتد على جانبي الطريق الموصل إلى بلدة( برج بن عزوز ) القريبة .تأسست الزاوية عام 1780م/1193ه على يد صاحبها سيدي علي بن عمر.وتبعد (طولقة) عن مدينة (بسكرة) عاصمة الزاب الشرقي والغربي ما يقارب من 40 كلم من جهة الغرب.

في المواسم الدينية لزيارة مقام الشيخ سيدي علي بن عمر ولا سيما في الربيع والخريف وفي الأعياد الإسلامية , تكتسي طولقة حلة قشيبة من الفرح والسعادة ,ويؤمها الناس من كل حدب وصوب من أرجاء القطر الجزائري والأماكن الأخرى , وتحتفل المدينة بعلمائها وشيوخها ورجالها ونسائها وأطفالها احتفالا ينتظرونه من السنة إلى السنة , ويعيشون أياما سعيدة من بركة الشيخ والوفود القادمة للزيارة, وتقام الأذكار وتتعالى الأدعية والدعوات , وتنال المدينة حظاً وافراً من الخيرات ..

ولئن خفّت هذه المظاهر اليوم مقارنة بما كانت عليه الزاوية في عهد شيخها الجليل سيدي علي بن عمر, فإن الزاوية اليوم ما زالت مشرقة بنور الشيخ وصلاحه وتقواه , ويفد عليها الزائرون , ويلقون الترحاب والسعة , ويقضون ساعات من الخشوع والعبادة

وحقَّ لمدينة (طولقة) أن تبتهج بوجود مقام الشيخ فيها , فهو مصدر البركة والخير والأمن والأمان.

نبذة عن حياة الزاوية وشيخها :

ان أهم الزوايا في الجزائر التي بنيت على قواعــد سليمة راسخة في العلم و الإيمان رسوخ الجبال…

زاوية علي بن عمر الشيخ الزاهد العابد بها مسجد للعبادة و مدرسة لتعليم القرآن و العلوم الشرعية و التي تخرج منها كبار الشيوخ و العلماء ممن قدموا الكثير للجزائر علما وجهادا و هي من المعاقل العامة التي جابهت المستعمر الفرنسي و محاولات التنصير.

نبذة عن حياة مؤسس الزاوية :

هو الشيخ علي بن عمر المشهود له بالزهد و الصلاح و التقوى و النسب الشريف ، وهب حياته للعلم و الإرشاد و الدعوة إلى الله، و لد في طولقة بالتقريب سنة 1166 هـ و توفي يوم الخميس 03 ربيع الأول سنة 1258 هـ و دفن بالزاوية .

تأسيس الزاوية :

عندما بلغ الشيخ علي بن عمر حوالي 26 سنة من عمره طلب منه شيخه محمد بن عزوز تأسيس زاوية فكانت الزاوية العثمانية بالنسبة إلى جده عثمان سنة 1191هـ الموافق لـ 1780م ، و منذ ذلك الوقت و هي تحمل أمانة واجب الدعوة إلى الله و الحفاظ على كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم ، بعيدة كل البعد عن كل مظاهر البدع و الخرافة ، إضافة إلى دورها الاجتماعي و التاريخي
: الشيوخ الذين تعاقبوا على الزاوية
1/ الشيخ مصطفى بن عزوز .
2/ الشيخ علي بن عثمان أكبر أبناء الشيخ علي بن عمر.
3/الشيخ عمر بن علي بن عثمان .
4/ الشيخ الحاج بن علي بن عثمان .
5/الشيخ عبد الرحمان بن الحاج بن علي بن عثمان .
6/ الشيخ عبد القادر بن الحاج بن علي بن عثمان) شيخ الزاوية الحالي أطال الله عمره).
ونظرا للشيخ بن عثمــان.. يلقب نسله بعده بأسرة عثمــــــــــــــــــاني مرابو .

نبذة عن حياة الشيخ الحالي * عبد القادر حفظه الله*

ولد الشيخ سنة 1929م و تلقى دراسته بالزاوية و أتم حفظ القرآن الكريم بها اشتغل خطيبا بمسجد الزاوية بين سنتي 1949 و 1957 و بعد اعتقال أخيه عبد الرحمان و التنكيل به من طرف الاستعمار الفرنسي و التحاق إخوته بجيش التحرير الوطني، هاجر إلى المغرب الأقصى و عمل بها كمسؤول في جبهة التحرير الوطني كما تولى الإدارة و التدريس في المدرسة الحسينية و عين سنة 1961 محررا باللغة العربية في وزارة التربية بالرباط، و بعد الاستقلال عرضت عليه بالمغرب وظائف أخرى لكنه رفضها و فضل الرجوع إلى الوطن، حيث استقر بالعاصمة و عمل بديوان التربية و مدرس بثانوية الإدريسي بالعاصمة ، كما عمل بالمعهد الوطني للتربية و البحث في تأليف الكتب المدرسية لمادتي اللغة العربية و التربية الإسلامية إلى غاية 1974 …
و بعد وفاة الشيخ عبد الرحمن اتفقت الأسرة العثمانية على إسناد مشيخة الزاوية إليه و هو الذي أعاد بناءها على الطراز الحديث و وسع في مرافقها .
.دور الزاوية التعليمي و التاريخي
– دورها التعليمي اولا :
تعليم و تحفيظ القرآن الكريم، ترسيخ العقيدة الإسلامية الصحيحة، تدريس العلوم الشرعية، تولي الفتوى الشرعية.
دورها التاريخي
سنة 1807م كانت من أغنى الزوايا تملك غابات الزيتون في بلاد القبائل وغابات النخيل في وادي ريغ و دكاكين و حمامات في كل مناطق الوطن ، فقامت فرنسا بتأميمها و سلمتها للمستدمرين .

شارك شيخ الزاوية عمر بن علي في انتفاضة عين التوتة سنة1916م و في ثورة التحرير ، كما سجن شيخها عبد الرحمن والتحق اثنان من أبنائه بصفوف جيش التحرير ، كما حكم بالإعدام على الشيخ عبد القادر مما اضطره إلى الهجرة إلى المغرب في ماي 1957م

كما كانت الزاوية مركزا للجيش و مكث بها القائد سي الحواس مع مجموعة من المجاهدين حوالي ثلاثة أيام سنة 1955م ، وكانت حلقة وصل بين الشعب و قيادة الثورة بالولاية السادسة
مكتبة الزاوية :
تعتبر مكتبة العائلة العثمانية بالزاوية من أغنى المكتبات في شتى العلوم ، و يعتبر الشيخ الحاج بن علي بن عثمان من أهم الشيوخ الذين أثروا المكتبة بجلب الكثير من الكتب من مختلف المناطق و كذا استصحابه للنساخ لينسخوا له الكتب التي لا تتوفر في المكتبات ، و هي إلى اليوم قبلة للباحثين و الكتاب و الجامعيين لإنجاز البحوث و رسائل التخرج ، بها أكثر من 5500 كتاب و أكثر من 1509 مخطوط يعود أقدمها إلى 355هـ .

من شروط قبول الطلبة بالزاوية :

– أن لا يزيد عمر الطالب عن 18 سنة .
– لا يقبل كل طالب يجبره وليه على الالتحاق بالزاوية دون رغبته .
– أن يجيد الطالب القراءة و الكتابة .
– لا تتحمل الزاوية مسؤولية من يخرج بدون إذنها أو الذي يهرب و لا يقبل مرة أخرى .
– يطرد كل طالب يدخن أو يشم أو يعتدي بلسانه أو يده على أساتذته أو زملائه أو يدخل بساتين الغير دون إذن أو يخالف النظام الداخلي للزاوية.
– يمنع على الطلبة دخول المقاهي …
– يطرد كل طالب يتأخر بعد العطلة ( مع العلم أن العطلة اختيارية ).
.ملاحظة : لا تقبل الزاوية أية إعانة أو تبرع أو هبة أو مساعدة لا من الدولة و لا من غيرها .
ما قاله الشيخ عبد الحميد بن باديس عن الزاوية :

جاء في قصيدة الشيخ عبد الحميد بن باديس في مدحه للزاوية و أهلها و هو مقتطف نشر في جريدة النجاح عام 1926 بعد زيارة قام بها للمنطقة :

عرجـــوا نحي منازل الأمجـــاد *** و نـؤدي حـق زيارة للأسياد
و نحــط أرجــلنا بـــدار كــرامة *** مبــذولة الروضات للـــوراد
فــهي المــلاذ لكــل جان خائــف *** وهي الشفا من وصمة الأنكاد .
ان الدور الهام الذي قامت و تقوم به الزوايا في الحفاظ على هوية المجتمع الجزائري قديما وطيلة عهد الاحتلال…كما كانت حصناً منيعاً أمام جهود المنصرين الفرنسيين خاصة في مناطق القبائل لذا يجب أن لا نفرط في مثل هذه المؤسسات و نحافظ عليها و ندعمها و نربط الأجيال بها حتى لا تتنكر لتاري

الزاوية العثمانية .. انجبت الشعراء والعلمـــــــــاء .

تعتبر زاوية الشيخ علي بن عمر بمدينة بسكرة التي تبعد عن مقر الولاية بسكرة ب 38 كلم من بين المؤسسات الثقافية والقلاع العلمية التي حافظت على لغة القرآن الكريم منذ تأسيسها سنة 1780م و بعد الإستقلال عن طريق نشر العلم والتربية ومساعدة الفقراء والمساكين وتعليمهم بالمجان، حتى قال عنها البحاثة الأستاذ زهير الزاهري ( زاوية طولقة مركز ثقافي وتنويري فهي كالسنوسية قامت بدورها في النضال أثناء الثورة التحريرية الكبرى ).

كما سجل لها فخرا أن العقيد سي الحواس قد مكث بها مدة ثلاثة أيام من شهر ديسمبر 1955.

ومن أجل التعريف بنشاطها العلمي والمتنوع والمستمر و بمؤسسها الشيخ علي بن عمر وإلقاء الضوء على مكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب القيمة والمخطوطات صدر مؤخرا عن الدار الحسينية للكتاب بالقطر السوري الشقيق كتاب تحت عنوان (زاوية علي بن عمر –طولقة/ الجزائر ) من تأليف الأستاذ الشاعر علي الرضا الحسيني، والكتاب يقع في 147صفحة من الحجم الكبير مرصع بصور تبرز الطابع الهندسي للمنارة والقباب و الواجهة الخارجية للزاوية، إضافة إلى عينة من المخطوطات النادرة.

شمل المبحث الأول من الكتاب التعريف بالشيخ علي بن عمر المشهود له بالزهد والصلاح والتقوى، معتمدا على عدة مراجع حيث ولد في بلدة طولقة حوالي سنة 1750م وتوفي شهيدا لإصلاح ذات البين يوم الخميس في 03ربيع الأول سنة 1258ه الموافق لسنة 1842م ويوجد ضريحه داخل الزاوية. أخذ الطريقة الخلوتية عن شيخه محمد بن عزوز وقام بنشرها في أنحاء القطر الجزائري وتجاوزت إلى البلاد المجاورة كتونس والمغرب.

كما توسع المؤلف في التعريف بالشيوخ الذين تعاقبوا على الزاوية وتولوا تسيير شؤونها وتطويرها، وتحدث عن أعمالهم الجليلة مثل الشيخ مصطفى بن عزوز (1805- 1866) وعلي بن عثمان (1814-1898) والشيخ عمر بن علي بن عثمان (1857-1921) والشيخ الحاج بن علي بن عثمان ( 1868-1948) والشيخ عبد الرحمن بن الحاج (1909-1966)و الشيخ عبد القادر عثماني بن الحاج وهو القائم على أمرها حاليا، وفي عهده ذاع صيت الزاوية من جديد وعرفت التوسع والتجديد، وأدخلت عليها مرافق عصرية، مع العلم أن الشيخ عبد القادر عثماني عضو المجلس الإسلامي الأعلى.

أما المبحث الثاني من الكتاب فقد خصص للمكتبة العثمانية التي تعد من أهم المعالم الثقافية في الجزائر بما تحتويه من مطبوعات، ومنها كتب مطبوعة طباعة حجرية ومخطوطات في شتى العلوم والمعارف منها :علوم القرآن والحديث والسيرة النبوية والتصوف والأخلاق و الفقه وأصوله وتاريخ التشريع وعلوم اللغة والأدب والتاريخ والفلسفة والعلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية ..الخ …

وقد أسسها وغرس بذورها الأولى الشيخ علي بن عثمان، وفي عهد ابنه الحاج عرفت المكتبة اهتماما خاصا ،فقد كان يجلب إليها الكتب من كل مكان، وكثيرا ما كان يصحب النساخ للقيام بنسخ الكتب التي لا تتوفر عليها المكتبة.

للعلم فإن المكتبة ملك للعائلة العثمانية وليست من أحباس الزاوية، فالحاج عثماني قد حبس المكتبة على نفسه ثم على من بعده على أن تقرأ الكتب داخلها ويمنع إخراجها في دائرة الزاوية حسب رسم حبس مؤرخ في 04/02/1948 بمحكمة طولقة.

ومن الباحثين الذين زاروا المكتبة واستفادوا من كنوزها الثمينة الدكتور أبي القاسم سعد الله، الدكتور بحيى بوعزيز، الباحث المهدي البوعبدلي، المؤرخ المحامي سليمان الصيد، النسابة عبد المجيد حبة، الشاعر زهير الزاهري وغيرهم …

كما شمل الكتاب حديثا عن شجرة النسب الشريف وسلالة الشيخ علي بن عمر التي تحمل في حلقاتها علماء ودعاة إلى الله وواعظين خدموا بنين وحفدة رسالة الإسلام خدمة جليلة داخل الجزائر وخارجها منهم :الإمام محمد الخضر حسين شيخ جامع الأزهر بمصر سنة 1952 ، والعلامة اللغوي محمد المكي بن الحسين،والعالم محمد المكي بن عزوز دفين الأستانة سنة 1915م، والحسين بن علي بن عمر صاحب الرسالة المخطوطة (فاكهة الحلقوم في نبذة قليلة من أحوال القوم )، والشاعر عبد الله بن المبروك، والمدرس محمد المدني بن أحمد بن عامر والحسين بن عزوز خليفة الأمير عبد القادر بمنطقة الزيبان.

كما ضم الكتاب بعض رسائل الشيخ علي بن عمر التي سبق نشرها في كتاب (تعطير الأكوان بشرح شذى نفحات أهل العرفان ) لمؤلفه الشيخ محمد الصغير بن المختار الذي طبع في المطبعة الثعالبية بالجزائر سنة 1916 .

ورسالة للشيخ مصطفى بن عزوز في مناقب شيخه وهي مخطوطة محفوظة بالمكتبة العثمانية بطولقة تنشر لأول مرة.

والجديد في الكتاب هو نشر ( نبذة لطيفة فيما يلزم السائر بالطريقة المنيفة ) للشيخ علي بن عثمان و كذا 21 رسالة من رسائل هذا الأخير.

وقد أحسن المؤلف صنعا عندما أعاد نشر كتاب ( الدر المكنوز في حياة سيدي علي بن عمر و سيدي ابن عزوز ) من تأليف الشيخ عبد الرحمن بن الحاج بن علي بن عثمان الذي طبع في مطبعة النجاح بقسنطينة سنة 1931 ليستفيد منه الدارسون والمهتمون بالجانب الثقافي نظرا لفقدانه في المكتبات و لأهميته التاريخية .

للإشارة، فإن الكاتب علي الرضا الحسيني من أحفاد الشيخ علي بن عمر، قد قام بجمع وتحقيق تراث الإمام محمد الخضر حسين والعالم محمد المكي بن الحسين، ووالده الأستاذ الفاضل زين العابدين بن الحسين، كما أصدر عدة كتب من روائع مجلة الهداية الإسلامية التي كانت تصدر بالقاهرة، إضافة إلى عدة دواوين شعرية ومسرحيات وقصص

===========================================

الزّاوية العثمانية بطولقة قبس نوراني … و قلعة علمية شامخة
بقلم : الاستاذ فوزي مصمودي نبذة تعريفيّة عن الزاوية العثمانيّة :

شهد العهد العثماني بالجزائر ( 1518م – 1830م ) تطوّرا ملحوظا للحركات الصوفية بمختلف طرقها السلوكية و مدارسها الفكرية ، و زواياها التي كانت تجمع بين التربية و التعليم و إصلاح ذات البين و النشاط الاجتماعي و إيواء الخائفين ، كما كانت منطلقا للجهاد ضد المعتدين و الغزاة .
و لعل من أبرز هذه الزوايا التي مازال عطاؤها العلمي و الثقافي و التربوي و الاجتماعي متواصلا إلى اليوم ، بالرغم من التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع ( الزاوية العثمانية بطولقة) و الشهيرة أيضا بـاسم ( زاوية الشيخ علي بن عمر ) العَزّوزية الخَلْوَتية الرحمانية.
لمحة عن مدينة طولقة
هي إحدى المدن الجزائرية العريقة التي تتبع حاليا ولاية بسكرة و تبعد عن مقر الولاية بـ 35 كم، و قد سبقت عهد القرطاجيين، حيث سكنتها قبائل أمازيغية كانت لها علاقات تجارية مع قرطاجة ، و بعد الاحتلال الروماني لبلاد المغرب سنة 146 ق.م ، و بالرغم من ثورات سكان طولقة إلا أن الغزاة الجدد تمكنوا من دخولها و بناء عدة مراكز للحراسة حولها ضمن خط الليمس الروماني ، الذي كان عبارة عن مراكز و قلاع صغيرة للحراسة أقيمت لمنع قبائل الجيتول الصحراوية من التسلل نحو شمال الجزائر.
وبعد اعتناق الرومان للمسيحية بصفة رسمية في عهد الامبراطور ثيودوس ( القرن 4 م ) تم إدخالها إلى طولقة ، و تم بناء كنيسة بها مازالت آثارها إلى اليوم تمثل أساسا للمسجد العتيق، الذي شُيّد بُعيد الفتح الإسلامي، و قيل أن الفاتح عقبة بن نافع الفهري هو الذي وضع أسسه و صلىّ فيه جمعتين أو ثلاث.
كما ذكرها الكثير من الرّحالة و الكتّاب العرب و الأوربيين واستهوت ألبابهم ، و جذبتهم تمورها ذات الجودة العالمية ، لا سيما الشهيرة باسم ( دقلة نور ).

تأسيس الزّاوية

في حدود عام 1780م قام الشيخ علي بن عمر و بإيعاز من شيخه محمد بن عَزّوز البرجي بإنشاء هذه الزاوية ، و كان عمره آنذاك نحو ( 28 عاما )(1) وتحتل اليوم موقعا هاما ، حيث تقع في الطريق إلى بلدية برج بن عزوز التى تبعد عن طولقة بحوالي 05 كلم .
كما قام زملاؤه تلامذة العلامة محمد بن عزوز بتأسيس زوايا مماثلة في عديد مناطق الزيبان ( بسكرة و ما جاورها من بلدات و مداشر ) و في غيرها ، كالزاوية المختارية بأولاد جلال وزاوية الشيخ عبد الحفيظ الخنقي بخنقة سيدي ناجي و زاوية الشيخ الصادق بن الحاج بسيدي مصمودي ( ببلدية مزيرعة حاليا )…
و قد شُيّدت هذه الزّوايا على تقوى من الله و على أساس ديني لتنهض بالمجتمع ثقافيا و تربويا و اجتماعيا ، خاصة بعد انشغال العثمانيين آنذاك بالجهاد البحري ضد القراصنة الأوربيين و الذّود عن سواحل البلاد و تثبيت معالم الدولة الجزائرية المستقلة.

شيوخ الزاوية:

1ـ الشيخ علي بن عمر:

أول هؤلاء كان مؤسّسها الشيخ علي بن عمر بن أحمد بن عمر بن الموفق بن عمر بن أحمد و ينتهي نسبه إلى إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن محمد الحسن المثنّى بن الحسن السِّبط بن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – كما جاء في كتاب ( الدّر المكنوز ) للشيخ عبد الرحمن بن الحاج.(2)
و قد ولد بطولقة عام 1166 هـ و بها نشأ على الزهد و الورع ، حتى أنه كان يخلو بنفسه في أحد الجبال نواحي طولقة يطلق عليه ( جبل الشّهب ) الذي يبعد عنها بحوالي 15 كلم لينقطع للعبادة و التأمل.
و قد أخذ سلوك الطريقة الرحمانية عن الشيخ محمد بن عزوز الذي توطدت علاقته به و حجّ معه عام 1232 هـ . و لثقته فيه عمد الشيخ بن عزوز إلى تزويج ابنته دخّة ـ جدّة العلامة محمد الخضر حسين شيخ الأزهرالشريف بين عامي ( 1952 ـ 1954 ) ـ بالشيخ علي بن عمر . و أكثر من ذلك أن الشيخ بن عزوز و قبيل وفاته كان قد أوصى الشيخ علي بن عمر بكفالة أبنائه ، وقد أوفى بما عاهد عليه ، ومن هؤلاء ابنه الشيخ محمد بن محمد بن عزوز دفين طولقة ، والشيخ مصطفى بن محمد بن عزوز الذي تأثر بشيخه علي بن عمر والذي تولى زمام الزاوية من بعده حينا من الزمن.
ولم يترك الشيخ علي بن عمر مؤلفات باستثناء بعض الأقوال والحكم المنشورة في ( الدّر المكنوز في حياة سيدي علي بن اعمر وسيدي بن عزوز ) و من ذلك أنه سئل يوما عن المريد الصادق فقال : « علامته خمسة أشياء أولها جسم طاهر من معاصي الله ولسان رطب بذكر الله والثالث فكر دائم في ملك الله وروح هائم في جلال الله والخامس قلب ساطع بأنوار الله » وقال أيضا : « الذكر محتاج إلى القلب و القلب محتاج إلى الذكر لا يستغني أحدهما عن الآخر فإذا اجتمع الذكر مع القلب تمت الحكمة ولا يصفو الذكر إلا بعد صفاء القلب و لا يصفو القلب إلا بعد المعرفة و لا تصفو المعرفة إلا بعد صفاء التوحيد و لا يصفو التوحيد إلا بعد الخروج من التقليد »(3) وقد تكون هناك بعض الرسائل و الحكم المخطوطة التي تركها .
استشهد ـ رحمه الله ـ عام 1258 هـ ــ 1842 م قبيل الاجتياح الفرنسي لبسكرة بداية من 4 مارس 1844 في ظروف مأساوية وعن طريق الخطأ ، في عملية صلح بين فريقين من المسلمين ، أثناء حصار الشيخ محمد الصغير بن الحاج خليفة الأمير عبد القادر على الزيبان لمدينة طولقة.
وقد وصفه الشيخ أبو القاسم الحفناوي في كتابه ( تعريف الخلف برجال السلف ) بـ « القطب سيدي علي بن عمر صاحب زاوية طولقة »(4)
وأثنى عليه في موضع آخر وعلى ولايته في قوله: « شيخ الطريقة وطود الحقيقة الغوث سيدي علي بن عمر، صاحب زاوية طولقة »(5)
كما وصفه في ذات الكتاب بأنه ” شيخ الزّهاد وفخر العُبّاد سراج الطريقة ومعدن السلوك والحقيقة ، سيدي علي بن عمر الطولقي الشريف ذي الشرف العلي والمقام المنيف “(6)

2 – الشيخ مصطفى بن عزوز :

ولد ببلدة البرج في زاوية والده الشيخ محمد بن عزوز عام 1220 هـ ـ 1803م ، و تربّى في أحضان زاوية طولقة ، وبأمر من شيخه شرع في تشييد زاوية بنفطة بالجنوب الغربي التونسي ، وأثناء زيارته إلى طولقة و البرج توفي شيخه علي بن عمر ، فتولى شؤون الزاوية وتحمّل أعباء تسييرها في هذه الظروف الاستثنائية طيلة ستة أشهر ، ثم سلم الأمانة إلى الشيخ علي بن عثمان بن علي بن عمر.
بعد ذلك استقر بنفطة بالجريد التونسي إلى غاية وفاته عام 1283 هـ الموافق 1866م(7) وضريحه هناك إلى اليوم وحوله أطلال المسجد القديم والمسجد الذي أقيم حديثا ، و قد كان لنا شرف زيارته والصلاة فيه يوم 16 جانفي 2009 (8) وكانت للشيخ مكانة دينية واجتماعية مرموقة وأتباع في أغلب التراب التونسي ، ولزاويته نضال وطني خلال فترة الحماية الفرنسية على تونس و نشاط اجتماعي و ثقافي وتربوي واسع ، كما حوّلها إلى ملاذ آمن للجزائريين الفارين من بطش الاحتلال الفرنسي و للمقاومين الشرفاء.

3 -الشيخ علي بن عثمان بن علي بن عمر:

ولد بطولقة عام 1240هـ كما جاء في ( الدّرّ المكنوز )(09) بينما يرى الأستاذ سليمان الصيد أنه ولد عام 1230هـ الموافق 1814(10)وقد قدّم هذا الشيخ أعمالا جليلة ، لاسيما في مجال الدفع بالزاوية لتواكب الأحداث التي شهدتها منطقة الزيبان آنذاك ، خاصة عمليات التوسع الفرنسي بالمنطقة و بالجنوب الشرقي للجزائر، و ما أعقبها من جرائم ضد الإنسانية أثناء تصدّيها للمقاومات الشعبية المسلحة التي كانت منطقة الزيبان ساحة لها.
ولدوره الثقافي والعلمي والتربوي كتب عنه أخوه الشيخ إبراهيم بن علي رسالة سمّاها ( رسالة لكافة الإخوان في مناقب الشيخ علي بن عثمان ) كما جعل له الشيخ المكي بن عزوز منظومة بعنوان ( وسيلة الأمان في مناقب الشيخ سيدي علي بن عثمان ) اهتدى المؤرّخ سليمان الصيد إلى ( 121 بيتا ) منها ، نشرها في كتابه ( تاريخ الشيخ علي بن عمر )(11) مطلعها :
حمداً لباسط الأمان في الــــورى
ما دامت الأشراف في الدنيا تُرى
لا سيما من حاز مع ذاك الشرفْ
ولايةً كبرى و بالعلــــــم اتّصفْ
فيا لها من رتبـــــــة لا تُلحـــــقُ
أنوارها في الملكــوت تُشـــــــرَقُ
صاحبها يمسي رئيسَ الـــدائــرهْ
و حوله شمُّ الرّجـــــال دائــــرهْ
كشيخِنَــــــا طــودِ الأساتيذ علي
و هو ابن عثمــــان زكي العمــل
وقد ترك الشيخ علي بن عثمان عدة رسائل منها:
– تكملة رسالة خطاب لبعض المعترضين
– رسالة في أن ( حب الدنيا قاطع للسائر )
– النبذة اللطيفة فيما يلزم السائر في الطريقة المنيفة
ـ الردّ على من اكتفى بالعهد ولم يواظب على الورد
ـ رسالةٌ لبعض المحبين في ترغيبه للزيارة(12)
ويذكر الأستاذ سليمان الصيد أنه توفي عام 1316 هـ الموافق 1898 م ودفن بالزَّاوية بطولقة.

4 – الشيخ عمر بن علي بن عثمان:

وهو أكبر أولاد الشيخ علي بن عثمان ، ولد عام 1274 هـ الموافق 1857 م ، ولما توفي والده وكان عمره ( 42عاما ) فتولى مشيخة الزاوية ، فأحسن إليها وإلى طلابها ومريديها وسار على نهج والده وجدّه ، بمواساة الفقراء والتكرّم على الجيران وبث الطريقة ، كما شارك في انتفاضة عين التوتة (13) ( بولاية باتنة حاليا ) الشهيرة بثورة الأوراس في 1916 إبّان الحرب العالمية الأولى … إلى غير ذلك من الإنجازات و الأعمال الحسنة ، فأقبل الناس على الطريقة إقبالا عظيما وانتشرت في عهده انتشارا هائلا و في أغلب المدن ، وكان ـ رحمه الله ـ مهابا في أعين الخلق ، ولبث شيخا للزاوية (24 عاما ) ، وقد توفي بعد مرض ألزمه الفراش عام 1340 هـ الموافق 1921 م.

5 – الشيخ الحاج بن علي بن عثمان:

بعد وفاة الشيخ عمر بن علي تولى مشيخة الزاوية أخوه الشيخ الحاج بن علي بن عثمان الذي ولد عام 1285هـ الموافق 1868 م ، وقد وصفه صاحب ( الدر المكنوز ) بقوله :« علاّمة الزمان العالم المحقق و الفاضل الكامل المدقق الجامع بين المعقول والمنقول أستاذنا سيدي الحاج »(14)
وقد اجتهد في تعمير الزاوية وتجديد بنائها والتدريس فيها دون كلل أو ملل ، إلا أنّ ما يميز الشيخ الحاج بن علي اعتناؤه الكبير بجمع المخطوطات النادرة والكتب النفيسة ، ويعود إليه الفضل في تكوين مكتبة الزاوية ، حيث يُروى عنه أنه كان كلما دخل مكتبة إلا واشترى كتابا أو أكثر ، وكان يهرع إلى أصحاب الكتب ويقتني منها ، وقد روى لي الشيخ عبد القادر عثماني ـ حفظه الله ـ في إحدى جلساتي إليه(15) أنه باع بستانا له ليتمكن من شراء مكتبة كانت قد عُرضت للبيع.
وقد ترك العديد من الرسائل والقصائد ، ومن ذلك منظومة مخطوطة في التصوّف وفي الطريقة الرحمانية تضم ( 800 بيتا ) ، أشار إليها الأستاذ المرحوم سليمان الصيد في كتابه (تاريخ الشيخ علي بن عمر شيخ زاوية طولقة الرحمانية ) ونشر ستة من أبياتها وهي :
يقــــول داع المنهــــج العــزوز
الحــاجُ بـنُ علي غـدَا للفـــــوز
الحمــــد لله رفيـــع الدرجـــــات
للزاهديـن و مقيـــل العثـــرات
ثم الصلاةُ على طــــه المختــار
بلا نـــهايــــة و لا حـــصــــار
محمد من هــو أتانــا بالتلقيــــنْ
في ذا الطريقــة رحمةً للدّاخلينْ
يا رايم اتباع المصطفى ادخـلْ
في طريق الوفـا بالقول و الفعلْ
ادخل طريق الخلوتية يا صديقْ
إن كنت رايمْ من الله التوفيق(16)
توفي عام 1368 هـ الموافق 1948 م.

6- الشيخ عبد الرحمن بن الحاج:

والذي اشتهر بكتابه ( الدّرّ المكنوز في حياة سيدي علي بن اعمر وسيدي بن عزوز) وقد ولد عام 1909 م ونشأ ودرس في رحاب زاوية أجداده ، وقد تولى مشيختها بعد وفاة والده واضطلع بإدارتها على أحسن وجه، ومن أبرز إنجازاته :
– ترقية الزاوية وتطوير أدائها التربوي والتعليمي.
– المحافظة على مكانتها في منطقة الزيبان والأوراس و الجزائر عموما.
– تدريسه بنفسه للطلبة بالرغم من تشعّب انشغالاته و تعدّد مسؤولياته في الزاوية.
كما أنه فتح الزاوية لمجاهدي ثورة التحرير المظفرة ، ومن ذلك استقباله للقائد سي الحواس وإيواؤه له و من معه ثلاثة ليال سويّا خلال عام 1955، علما أن هذا البطل هو أحد تلامذة الزاوية العثمانية بطولقة.
ونتيجة لذلك تعرّض الشيخ للاعتقال والإهانة و التنكيل ، ولم ترحم إدارة الاحتلال بطولقة ضعفه الصحي و لم تنظر إلى مكانته بين قومه.
من آثاره كتاب ( الدّر المكنوز ) المشار إليه آنفا الذي طبع عام 1350هـ ـ1931م في ( 36 صفحة ) بمطبعة النجاح بقسنطينة لقريبه الصحفي و صاحب جريدة ( النجاح ) الشيخ عبد الحفيظ بن الهاشمي ، توفي عام 1966 م و دفن بطولقة .

7- الشيخ عبد القادر عثماني بن الحاج :

وهو أخ الشيخ عبد الرحمن صاحب ( الدر المكنوز ) والذي تحمّل أعباء الزاوية منذ عام 1966 إلى اليوم ، و إضافة إلى مشيخته للزاوية فهو عضو بالمجلس الإسلامي الأعلى و رئيس المجلس العلمي لولاية بسكرة و رئيس ملتقى الفاتح عقبة بن نافع الفهري ببسكرة الذي اعتمدته وزارة الشؤون الدينية و الأوقاف عام 2011. وأحد علماء الجزائر و مجاهديها ومصلحيها ومن مراجعها العلمية لا سيما في مجال الإفتاء .
ولد عام 1929 بطولقة ونشأ في أحضان هذه الزاوية ، حيث حفظ القرآن الكريم ودرس اللغة العربية والفقه والعقيدة والتفسير والمنطق. خلال الثورة هاجر مُكرها إلى المغرب الأقصى وقد رَوَى لي بالتفصيل ظروف استقباله بها ، وقد احتضنته جبهة التحرير الوطني هناك حيث التحق بسلك التعليم مدرّسا ثم موظفاً بوزارة التربية بالمغرب. بعد الاستقلال عاد إلى بلاده وعمل بوزارة الأوقاف ثم بوزارة التربية والتعليم على التوالي ، حيث أسهم في إعداد الكثير من الكتب المدرسية في اللغة العربية و التربية الإسلامية.
كما عمل على تجديد بناء الزاوية من خلال تشييد المكتبة الحالية و بناء سكنات عصرية للطلبة وتحديث طرائقها التعليمية و تجديد أداء وظيفتها التربوية وتفعيل مكانتها الاجتماعية ، من خلال الخطابة والدروس والإصلاح بين الناس …

من مؤلفاته:

ـ كتاب مجموع محاضرات ومقالات وفتاوى ، قام بجمعها الأستاذ عبد الحليم صيد ، طبع بمطابع عمار قرفي بباتنة في ( 256 صفحة ) عام 1426 هـ ـ 2005 م.
ـ تفسير القرآن الكريم ، الذي ألقاه مشافهة بمسجد الزاوية بداية من عام 1981 و أتمّه عام 2004 دون أن يقوم تلامذته بتوثيقه و تدوينه أو تسجيله !! بالرغم من توفر مختلف وسائل التسجيل العصرية .
ـ محاضرات وخطب الجمعة و دروس و فتاوى …

الدور العلمي للزاوية العثمانية بطولقة :

إن الأساس الذي أنشئت لأجله الزاوية هو أن تكون منارة علمية ومؤسسة دينية ، تستقطب العلماء والطلبة من كل حدب وصوب ، وتتصدى للجهل وعمليات محو الشخصية الوطنية.
ولذلك فقد وضعت من أولوياتها تحفيظ القرآن الكريم للناشئة ، ومازال هذا الدور قائما إلى اليوم ودون مقابل ، حتى أنها ترفع شعار « الزاوية لا تقبل إعانة مالية من أحد » إضافة إلى نشر تعاليم الإسلام والقرآن الكريم والسّنّة النبوية الشريفة والعقيدة والفقه والتفسير واللغة العربية ، من نحو وصرف وبلاغة ، إلى جانب علم الفلك والرياضيات …
وفي هذا المجال فقد تعاقب على التدريس بالزاوية الكثير من العلماء الأجلاء الذين لا يمكن أن تستوعب هذه المحاضرة أسماءهم ، سواء من العائلة العثمانية أو من خارجها ، أو من قبل العلماء و المصلحين الذين زاروها ويزورونها إلى اليوم.
مع محاربتها الصريحة للزوايا البدعية ، وضمن هذا المضمار فإنها تصنّف الزوايا إلى ثلاثة أصناف ـ حسب الشيخ عبد القادر عثماني(17) ـ و تتمثل في :
أ ـ زوايا فاسدة منهاجها الموبقات والانحراف عن ثوابت الزوايا ، المتمثلة في تعليم القرآن والشريعة والتربية الخلقية والعمل النافع الشريف ، وينبغي على الدولة محاربتها.
ب ـ أما الصنف الثاني فهي الزوايا الصالحة التي تؤدي رسالتها التي أوكلت إليها في الأصل وهي زوايا لا تحتاج من الدولة شيئا.
ج ـ وفيما يخص الصنف الثالث فهي زوايا تمزج بين الفاسد والمفيد ( السلبي و الإيجابي ) ويجب على الدولة أن تحارب فيها ما هو فاسد وتشجّعها على ما هو صالح.كما يعيب على الكثير منها انغماسها في السياسة و التحزّب.
وحاليا تضم الزاوية ( 30 طالبا ) قدموا من عدة ولايات. وبالإضافة إلى تحفيظ القرآن الكريم فهي تدرّس اليوم ـحسب الشيخ سعد عثماني أحد أساتذة الزاوية ونجل الشيخ عبد القادر ـ تدرّس الفقه المالكي من خلال شرح رسالة أبي زيد القيرواني وتبرمج للطلبة حفظ متن ابن عاشر.
أما النحو فتعتمد على دراسة ملحة الإعراب للحريري مع إلزام الطلبة بحفظ الأجرومية ، فيما يدرسون التجويد عن رواية ورش عن طريق الأزرق مع حفظ متن الجزرية.
أمـا التفسيـر فيضطلـع به إلى اليـوم الشيخ عبد القادر عثماني و قـد سبق له أن أتمّـه بين ( 1981 ـ 2004) ، مع شرحه للجامع الصغير للسيوطي يوميا.
كما أن الشهادة التي تُمنح إلى الطلبة بعد تخرّجهم معترف بها لدى مصالح الدولة الجزائرية ، و تمكنهم من المشاركة في مختلف مسابقات التوظيف التي تنظمها مديريات الشؤون الدينية و الأوقاف عبر جميع الولايات. كما تضطلع بدور اجتماعي متميّز يتمثل أساسا في إصلاح ذات البين ، بين الأفراد و الجماعات و الأعراش …

مكتبة الزاوية :

ما يميّز الزاوية و دورها الثقافي والاجتماعي و يعزّز رصيدها العلمي ،مكتبتُها العامرة التي هي ملك للعائلة. و التي قلّ نظيرها لغناها بـ (1509 مخطوط ) ،وهذا رقم دقيق أعلمني به الشيخ سعد عثماني(18)و الذي يقوم حاليا بإنجاز فهرسة علمية شاملة للمكتبة ، يوشك على إنهائها(19) ، إضافة إلى كم هائل من أمّهات الكتب المطبوعة و المجلات. وتتوزع على كتب : التفسير ، علوم القرآن ، الحديث ، الفقه ، السيرة ، العقيدة ، الفلسفة ، الطب ، الفلك ، اللغة ، الأدب ، الدواوين الشعرية و عدد معتبر من الكتب المطبوعة طباعة حجرية و بولاقية و أخرى طباعة عصرية مجموعة من المجلات… و هي مفتوحة أمام المؤرخين و الباحثين و الأساتذة ، مع التزام إدارة الزاوية بتوفير الإيواء و الإطعام لهم مجّانا.
و من أسباب المحافظة على هذه المكتبة العامرة من الاندثار و عوادي الزمن و الظروف الطبيعية و أيادي الاحتلال، لاسيما العسكريين و المستشرقين من الفرنسيين على الخصوص ، هو سهر العائلة العثمانية على حمايتها و منع إعارة كتبها حتى للمؤرخين و الباحثين الجادّين ، فإذا سألت الشيخ عبد القادر عثماني مثلا عن مخطوط” هل يمكن لي تصويره ؟ ” يجيبك : أي نعم ، لكن عليك إحضار آلة ناسخة صحيّة حتى لا يتأثر المخطوط !

الزاوية إبّان الثورة الجزائرية:

لـم تتخلّف الزاويـة العثمانيـة بطولقـة عن ملحمـة الشعب الخالـدة ثـورة أول نوفمبر (1954ـ 1962 ) في حدود إمكاناتها و ظروفها المحيطة، حيث آوت الكثير من المجاهدين ، ولعل أشهرهم القائد أحمد بن عبد الرزاق حمودة الشهير بـ سي الحواس ( 1923 ـ 1959 ) و الذي سبق له أن درس بهذه الزاوية يوم كان طالبا ، و الذي سيتولى بعد ذلك قيادة الولاية السادسة التاريخية برتبة عقيد ، حيث لبث فيها ثلاثة أيام خلال عام 1955 بعد أن أوكلت إليه مهمة اللقاء مع بعض الأعيان وشيوخ الأعراش للتقريب بينهم و لتوسيع نطاق الثورة بالزاب الغربي ( بتراب ولاية بسكرة حاليا) فوجد في الزاوية الملاذ الآمن و في شيخها و في أفراد العائلة كل الرّعاية ، بالرغم من ظروفها الحرجة آنذاك(20) و لم يغادرها إلا بعد أن أنهى مهمته.
و لمّـا تفطن العـدو للـدور المشبـوه الذي تقـوم به الزاوية ، أمر زبانيتـه باعتقـال شيخـها عبد الرحمن عثماني عام 1957 فتعرّض للاستنطاق و المعاملة اللإنسانية التي يُعدّ الفرنسيون المحتلون أساتذة لها ، مما أدى إلى تدهور صحته ، فيما هاجر أخوه الشيخ عبد القادر عثماني إلى المغرب الأقصى لتوكل إليه مهمة هناك(21)، وتمّ تعطيل عمل الزاوية ونشاطها التربوي و التهذيبي .
و لم تكتف الزاوية العثمانية بطولقة بذلك بل قدّمت إلى ساحات الوغى الكثير من أبنائها ، على غرار ابنها المجاهد عبد الحميد عثماني و المجاهد الأزهري عثماني(22) ، وغيرهما من طلبتها ومريديها.
===================================================

الأستاذ الإمام الشيخ سيدي عبد القادر عثماني ، بن الحاج بن علي بن عثمان بن علي بن عمر الإدريسي الحسني الطولقي عالم . فقيه مفت مدرس مؤلف كاتب مفسر مناضل صوفي رحماني الطريقة ولد ببلدة طولقة قاعدة الزاب الظهراوي و إحدى أهم دوائر ولاية بسكرة سنة 1348 هـ/1929 م

نشأ في أسرة شريفة شهيرة عريقة في العلم و الصلاح، حيث كان والده الشيخ الحاج يدير زاوية جده سيدي علي بن عمر و يلقي دروس التفسير فيها إلى جانب علماء مدرسين آخرين
تلقى الأستاذ عبد القادر دراسته كلها في الزاوية المذكورة ؛ أتم حفظ القرآن الكريم كاملا و هو في سن الحادية عشرة على الشيخ المقرئ مليكي ناجي بن عزوز

و درس علوم الفقه و النحو و التفسير و البلاغة و العروض على العالم المتفنن ابراهيم بن الحسن البوزياني ضيف الله الذي كان من كبار شيوخ الزاوية
المدرسين كما تلقى الفقه كذلك و المنطق و الفرائض على أ

تغريدات الجمعية