تحاليل وآراءحدث وتعليق

جريدة البصائر في حوار مع المفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث ج2

الصحوة في الغرب تعاني من أمراض مستصحبة ومنقولة إليها من البلدان الإسلامية، وهي التي تعيق فعالية مسيرتها”
لم تكتفي العديد من المواقع الالكترونية و المنتديات الحوارية الجزائرية و الاسلامية من إعادة نشر حوار البصائر مع المفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث، الاسبوع الماضي، بل أرسلت أسئلة و استفسارات و ملاحظات، مع شكر خاص للبصائر على نشرها هذه النوعية من الحوارات و المقالات التي تفتقدها مثيلاتها في الساحة العربية. ومن جهتنا حملنا هذه الاسئلة و التعقيبات، للمفكر الاسلامي، فرحب بها و دار بنا الحوار التالي.
س1: أستاذنا الكريم، هل لديكم ملاحظات على القسم الأول من الحوار و ما تعليقكم على ملاحظات القراء؟
بارك الله فيكم، نعم هناك ملاحظات عديدة أذكر بعضها فقط:
أود في بداية هذا القسم الثاني من الحوار أن أبدي بعض الملاحظات على الحوار نفسه، بعد أن قرأته كأي قارئ آخر، وعلى بعض الأصداء التي وصلتني عنه من بعض القراء الأعزاء، الذين استفدت من ملاحظاتهم وانتقاداتهم كثيرا، وأعتبرها امتدادا للحوار واستكمالا لبعض آفاقه حتى ولو كانت معارضة لبعض أطروحاته وتوجهاته . فالإنسان الفرد بل وحتى المؤسسة لا تملك الحقيقة كلها، وخاصة في القضايا الثقافية والاجتماعية والسياسية المركبة أو المتحركة، التي تحتاج باستمرار إلى الاستدراك والاستكمال، وأنا بحمد الله من النوع الذي يؤمن بهذه الحقيقة بكل صدق، ويتفاعل معها بكل إيجابية وحرص على الاستفادة، ولذلك تجدني في كثير من الأحيان لا أجد نفسي معنيا بالتعليق إلا إذا كان ذلك ضروريا. فنحن طلاب للحقيقة وخدام لها، وينبغي علينا أن ننفتح عليها لأن جوانبها متعددة وأطرافها كثيرون. وما أعظم أن نأخذ أنفسنا بالأدب المنهجي المالكي الرفيع: ” كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر ” ، والأدب المنهجي الشافعي الرفيع كذلك: ” رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيي غيري خطأ يحتمل الصواب ” ، والأدب المنهجي العمري الرفيع: ” رحم الله امرأ أهدي إلي عيوبي ” .
الملاحظة الثانية التي أبديها هي أن هذا الحوار الذي شرفتني البصائر الغراء بنشره على صفحاتها، استخلصه الأخ الاستاذ محمد مصطفى من حوار مطول جرى بيني وبينه على فترات متقطعة، منذ فترة زمنية طويلة نسبيا، تناول قضايا وهموم شخصية ووطنية وإسلامية وعالمية كثيرة بشكل موسع، وقد قدمته للنشر منذ مدة، تحت عنوان ” الصحوة الإسلامية في الجزائر: حوار في سوسيولوجيا المسار وإشكالاته ” والذي تجاوز حجمه 200 صفحة، ولذلك فأنا قرأت الحوار برؤية جديدة كسائر القراء، ولي عليه ملاحظات وتعليقات وتوضيحات، بل واستدراكات، متمثلا في ذلك هذه المقولة الرائعة لابن العماد: ” إني رأيت أنه لا يكتب أحد كتاباً في يومه إلا قال في غده لو غـيِّر هذا لكان حسن ، و لو زيد هذا لكان يستحسن ، و لو قدم هذا لكان أفضل ، و لو ترك هذا لكان أجمل ، و هذا من أعظم العبر ، و هو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر ” .
الملاحظة الثالثة هي أنه في كثير من الأحيان ما يتولى المحاوِر صياغة الحوار بطريقته وأسلوبه وتقديره الخاص للمهم والأهم في الحوار، وهو ما قد لا يعبر بدقة وشمول أحيانا، عن كل ما كان يريد المحاوَر توصيله للجمهور، ومع ذلك فأنا أشكر الأخ الاستاذ مصطفى على هذا الجهد الذي بذله في تلخيص بعض الأجوبة الموسعة التي قدمتها على بعض أسئلته. والتلخيص جاء في عمومه مستوعبا للمراد وغير مخل بالضروري منه كما تصورته، وإن كانت هناك بعض الجزئيات التي تحتاج إلى ضبط، لا يسعني الوقت لضبط رأيي فيها الآن.
الملاحظة الرابعة أخص بها تعليقات الأخ الفاضل سي موساوي الدقيقة والصريحة والجدية، التي مست قضايا وأطروحات عديدة في الحوار، استفدت منها كثيرا، وخاصة النقدية منها، بغض النظر عن موافقتي أو مخالفتي له، أو موفقته أو مخالفته لي، فذلك شأن طبيعي في كل جهد فكري إنساني كما نوهت إلى ذلك سابقا. فالمهم في التعليقات أو الاستدراكات هو أن يعرف الكاتب أن هناك وجهات نظر أخرى تثري الفكرة وتوسع دائرة النظر إليها. فأنا أشكر هذا الأخ الفاضل على قراءته المعمقة للحوار، وعلى الجهد الذي بذله في إبداء ملاحظاته عليه، وعلى حرصه على الرؤية المعرفية التقييمية الشاملة المتوازنة للأمور، وأنا معه في ذلك تماما، أؤمن بأهمية النظرة الشمولية المتكاملة والمتوازنة للقضايا، وضرورة إرجاع الجزئيات إلى أطرها الكلية في نهاية المطاف، وعدم تركها مبعثرة أو معزولة عن هذه الأصول الناظمة والضابطة لها .
س 2: هذه فعلا قضية هامة لو تم تأسيس الوعي بها لأحدثت دفعا نوعيا كبيرا في الوعي الفكري والأداء السلوكي والاجتماعي للفرد والمجتمع معا، فما رأيكم ؟
صحيح، هي قضية مفصلية من قضايا المنهج والوعي بصفة عامة، من وعاها فقد ملك ناصية الفعالية المنهجية التكاملية، وتحركت فعاليته الذاتية والاجتماعية باتجاه التكامل، ومن غابت عنه، تبعثرت أمامه الأمور، وتاه وراء الجزئيات المتناثرة التي تحرك فعاليته الذاتية والاجتماعية باتجاه التنافرية الذاتية والاجتماعية . فالوعي بالكليات الناظمة لحركة الحياة وضبط الجزئيات بها، هي مصدر القوة الأكبر في حياة الإنسان. ومع الأسف فإن هذا الوعي المنهجي السنني ضامر في تكوين وثقافة جماهير واسعة من طلبة العلم بل ومن بعض المثقفين أنفسهم، الذين تستوعبهم التجزيئية المتنافرة، التي تتحول فيها الجزئيات الفروعية إلى كليات مستقلة ومتضخمة، تتحرك خارج أطرها المرجعية الكلية الناظمة لها، والحاكمة عليها! فيتعبون أنفسهم ويتعبون غيرهم، لأنهم يفتقدون ميزان المعايرة والتقييم للأفكار والمواقف، وقديما قال ابن عمر رضي الله عنه لجماعة من أهل العراق جاءوه من العراق متلهفين وألحوا على لقائه فظنهم يحملون إليه قضية من القضايا الخطيرة، وإذا بهم يسألونه عن حكم دم البعوض ؟! فقال لهم متحسرا: عجبا لكم تقتلون ابن بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام وتسفكون دمه الزكي، وتسألون عن حكم دم البعوض! وهذه العقلية التجزيئية متفشية في أوساط كثيرة مع الأسف الشديد، وتحولت الجزئيات إلى كليات في حياتها، وفي بناء مواقفها وعلاقاتها الاجتماعية مع الآخرين.
وأذكر أنني عندما كنت أعمل في المركز الثقافي الإسلامي بالجزائر العاصمة في بداية الثمانينات من القرن الماضي، كعضو في هيئة تحرير جريدة العصر التي كان يشرف عليها أستاذنا الجليل محمد فارح، جاءني طالب جامعي بمقال طويل ينتقد فيه رسالة كان قد نشرها أستاذنا الجليل الدكتور شرفي الرفاعي، وهي وصية نافعة للإمام مالك على ما أذكر، وألح علي هذا الطالب في نشرها، فناقشته في الموضوع الذي ختمه بدعوة السلطات المعنية إلى منع نشر مثل هذه الكتب، لما تتضمنه من بعض الأحاديث الضعيفة في رأيه! وقلت له كيف تريد منع نشر مثل هذه الوصية النافعة التي حملت دررا علمية وتربوية كثيرة، بسبب بعض الأحاديث الضعيفة سندا في رأيك، وقد تكون صحيحة بموازين علماء آخرين، أو لا ضرر فيها لصحة متونها ومضامينها، خاصة وأن بعض العلماء المعتبرين لم يروا ضيرا في الاستفادة من الأحاديث الضعيفة الصحيحة المعنى في الأمور التربوية العامة ؟ كيف تغفل عن هذا كله، ولا توازن بين ضرر المنع وفوائد نشر هذه الدرر التربوية، وقد كان يكفي أن يوضع تعليق بسيط في هامش الرسالة يوضح رأي بعض العلماء في هذا الحديث أو ذاك لينتهي المشكل، ونمكِّن قطاعات واسعة من أجيال المجتمع من الإستفادة من هذه الوصية النفيسة ! وقلت له: لو طبقنا هذا المنطق لكان لزاما أن نمنع نشر كتب الصحاح كلها، لأنها لا تخلو من بعض الأحاديث التي توصف بالضعف ! ومع ذلك لم يقتنع وأصر على نشر المقال فقررنا نشره له.
إن اختلال موازين التقييم والمفاضلة أو المكاملة والجمع بين المصالح، معضلة فكرية ومنهجية مكلفة للأفراد والمجتمعات، مع أن علماءنا يقولون بأن المصالح مشوبة، أي أنها ليست هناك مصلحة خالصة أو مفسدة خاصلة، بل كلاهما مشوب أي فيه بعض المفاسد أو بعض المصالح، ونحن ننظر إلى ما غلب فنعتبره مصلحة أو مفسدة، وهذا فقه شرعي سنني متقدم ينبغي أن يستوعبه طلبة العالم عامة، ومن يرتقون مواقع الصدارة والقدوة العلمية والتربوية في المجتمع خاصة، ناهيك عن العلماء والمفكرين وقادة الرأي في المجتمع . وفي هذا المعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر إنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين ” .
س 3: هل يمكن أن تذكر لنا بعض ملاحظات قراء البصائر عن الحوار؟
مثلا، ملاحظات القارئ الكريم الاخ موساوي كثيرة ومتنوعة وهامة، يتعلق بعضها بتحفظه على تحفظي على وصم الصحوة الروحية والاجتماعية المعاصرة في الجزائر والعالم بالإرهاب، بالرغم من تورطها الموثق في هذا العنف الذي طال البلد والعالم، وبعضها بمنطق المؤامرة الذي يسكن ذاكرتنا الجماعية، وإشكالية وصاية الماضي على الحاضر والمستقبل لدى بعض فئات الصحوة، وقضايا التثاقف ونقل الخبرات وازدواجية النظرة إليها، وقضية الانحياز للصحوة الذي قد يضيق من دائرة الرؤية، ويحجم الدور الذي ينبغي أن يؤديه المثقف الرسالي في المجتمع عامة.. وغيرها من القضايا الهامة، التي أزعم بأن رأيي فيها، وموقفي منها، يتسم بالشمولية والتوازن والإيجابية، ويبتعد كثيرا، في تقديري، عن منطق الازدواجية والتناقض والكيل بمكيالين.
س 4: بماذا تعلق على تعميم وصف الحركة الإسلامية بالإرهاب ؟
تعميم وصف الإرهاب على الحركة الإسلامية أو الصحوة الإسلامية، كما تسعى إلى ذلك قوى محلية ودولية، لا أقبله، ومقتنع بأنه يدخل في منطق واستراتيجيات الصراع الفكري وتقنياته، وهو ما ينبغي أن يكون المجتمع وليس الحركة الإسلامية أو الصحوة وحدهما، على بينة منه، لما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة في المجتمع وعلى الإسلام في العالم. ولست بحاجة إلى التذكير بالعواقب والتداعيات الظرفية والاستراتيجية التي حملها نشر وتعميم هذا المصطلح في العالم، على الإسلام والمسلمين. فالصحوة أو الحركة كيان اجتماعي وحركي واسع ومتعدد، قد يكون بعض الأفراد والفئات فيه تورطوا أو ورِّطوا في دوامات العنف فعلا، لأسباب عديدة ينبغي دراستها بكل موضوعية ومسئولية وجدية، ولكن ذلك لا يسوغ علميا وأخلاقيا واستراتيجيا، وصم كل هذا الجسم الاجتماعي والحركي الواسع والمتعدد والمتنوع بالعنف والإرهاب، وإلحاق الأذى النفسي والاجتماعي به، والمنطق العلمي والشرعي، والنظر الاستراتيجي، يقتضي حصر الأمر في من يعنيه وينطبق عليه، ولا يؤخذ غيره بجريرته، كما علمنا القرآن ذلك (ولا تزر وازرة وزر أخرى) و (كل نفس بما كسبت رهينة). وفي الحديث الصحيح: ( أيُّما امرئٍ قالَ لأخيهِ: يا كافِرُ. فقد باءَ بِها أحدُهما. إن كانَ كما قالَ . وإلَّا رجعَت عليهِ ).
ولو طبقنا منطق تحميل مسئولية الأفراد أو الأجزاء على المؤسسات الكلية، لطال منطق الإرهاب كل شيء في المجتمع، ولما سلمت مؤسسة اجتماعية من ذلك. والصحوة كحراك ثقافي روحي أخلاقي مجتمعي واسع، متطلع إلى نهضة ثقافية واجتماعية وحضارية جديدة، والحركة كأفراد ومؤسسات شعبية ورسمية محدودة، تساهم مع غيرها في قيادة المجتمع نحو هذا الطموح، لا يمكن أن نحملهما مسئولية أفراد أو فئات فيهما، كانت لهم رؤاهم ومواقفهم وخياراتهم وقناعاتهم وهم مسئولون عنها، ويمكن للمجتمع أن يسائلهم عن ذلك ويجادلهم بشأنها .
س 5: وماذا عن منطق المؤامرة الذي يسكن الذاكرة الجماعية للمسلمين ؟
أولا ما هي المؤامرة ؟ وباختصار فإن المؤامرة هي تقنية استغفال واستغباء الآخر واستدراجه إلى المصير الذي يراد له من حيث لا يدري. والمبالغة في إعمال هذا المنطق في تفسير حركة المجتمعات به، مرض نفسي، وعجز فكري، وجهل بمنطق سنن المدافعة والتجديد الذي يحكم حركة الحياة. والغفلة عنه، وادعاء عدم وجوده، مرض نفسي وعجز فكري وجهل بمنطق سنن المدافعة والتجديد كذلك. والصواب هو الانتباه إلى منطق المؤامرة وتعميق الوعي بتقنياته، والحذر من الوقوع فريسة له. والمسلمون من شدة ما لدغوا وما لحق بهم من جراء ذلك من كوارث ماضيا وحاضرا، تسكنهم فكرة المؤامرة واليد الخفية، وتشل طاقاتهم، وتفوت عليهم فرصا كثيرة. والأمر كله في النهاية يكمن في الوعي السنني الذي يحرر الإنسان من الأوهام، ويصله بحقائق الأشياء، ويكسبه القوة والفعالية في مواجهة التحديات بعيدا عن منطق السهولة أو الاستحالة كما يقول مالك بن نبي .
وأعتقد بأن الأيام كشفت وستكشف بأن فئات كثيرة في الصحوة عامة والحركة الإسلامية خاصة، كان يعوزهما كثيرا الوعي بمنطق المؤامرة في أبعادها الوهمية المزيفة، وأبعادها الحقيقية، فانجرت وراء بعض الأوهام حينا، ولم تنتبه إلى بعض الحيل والفخاخ الحقيقية المنصوبة حينا آخر للإيقاع بها، وضرب سمعتها، وتعويق مسيرتها، فأصابها الكثير من العنت والاضطراب الطويل التداعيات الفكرية والنفسية والاجتماعية بالخصوص .
س 6: وماذا عن انحياز المثقف الرسالي عامة وانحيازكم للصحوة خاصة ؟
المثقف الرسالي في المنظور الإسلامي الإنساني للحياة، منحاز بطبيعته إلى الإنسان وإلى المجتمع وإلى الكون، وإلى المصلحة العامة، وإلى الحق في النهاية، لأنه معني بذلك مباشرة، وليس له الحق في أن ينحاز إلى غيرها ما دام قد اختار أن يتموقع في خط الرسالية. والرسالية تعني أنك صاحب قضية ومهمة ورسالة تؤديها في محيطك أو في المجتمع أو في العالم والكون، ولذلك فإن الرسالي معني بالوفاء لأفق القضية والمهمة والرسالة التي يتحملها في الحياة .
أما بخصوص انحيازي للصحوة وإمكانية تحجيم ذلك للدور الذي ينبغي أن يؤديه كل مثقف على المستوى العام، فأنا معتز وفخور بأن أصنف ضمن القوى الرسالية المنحازة للصحوة الاجتماعية للمجتمع، وأتشرف بأن أؤدي بعض الواجب على هذا الصعيد إن تمكنت من ذلك. لأنني أعني بالصحوة صحوة مجتمع وأمة بالدرجة الأولى، ونحن جميعا يجب علينا أن نكون خداما لهذه الصحوة بكل ما نملك من جهد وكفاءة ووقت. لأن الصحوة بهذا المفهوم تتجاوز مصالح الأفراد والعائلات والجهات والطبقات والأحزاب والأجيال، لتلتحم بالمصالح الحيوية العليا للدين والإنسان والمجتمع والأمة والعالم والكون . فالصحوة الإسلامية في أبعادها الاجتماعية الحقيقية، كما أفهمها وأدعوا إليها، تتحرك على خط (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وكل ما لا يتحرك على خط الرحمة الكونية أو يناقضها أو يضر بها، فهو لا ينتمي إلى الصحوة الإسلامية في حقيقة الأمر، وإن حشر نفسه فيها والله يقول: ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ).
س 7 : ماذا يعني الإنحياز للصحوة الاجتماعية هنا ؟ وما حدوده ؟
الانحياز هنا يعني الالتزام الصادق المخلص الوفي بخدمة المصالح العليا للصحوة الاجتماعية للمجتمع والأمة، من خلال الحرص الدائم على فعالية وكفاءة الأداء للواجبات، والتنبيه على التحديات والأخطار التي تواجه المجتمع والأمة، والمشاركة في حركة النصيحة والنقد والمراجعة والتقييم والتقويم الجدي المخلص لوقاية الصحوة من الأمراض الفكرية والنفسية والسلوكية والاجتماعية والتنظيمية الفتاكة. فالانحياز بنائي نقدي وقائي إيجابي فعال، بعيد عن الانتهازية والمداهنة والغرضية المعلولة. وقد يكفي في وصف حقيقة الانحياز الرسالي، ما جاء في الحديث النبوي الصحيح: ( انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قالوا : يا رسولَ اللهِ ، هذا ننصرُه مظلومًا ، فكيف ننصرُه ظالمًا ؟ قال : تأخذُ فوق يديه ).
فأنا هنا عندما أنوه إلى المنجزات الاستراتيجية للصحوة، وأعتبر الصحوة من أعظم المكاسب الاستراتيجية التي تحققت للمجتمع الجزائر بعد الاستقلال، وكان بالإمكان أن يحقق بها المجتمع المرحلة الثانية من استراتيجية نهضته الحضارية، وهي التحرر الثقافي، وشحذ شبكة العلاقات الاجتماعية ولحمها، وتعميق الروح الوطنية الرسالية، وأخلقة الحياة السياسية.. لو وعت نخبة الصحوة والمجتمع والدولة العمق الاستراتيجي لهذه الصحوة، وعرفت كيف تستثمر ما فيها من عنفوان نفسي، وروحية إيمانية، وأخلاقية سلوكية، وانسجامية اجتماعية، التي لا تقدر بثمن .
إنني عندما أنظر إلى الصحوة الروحية والأخلاقية والاجتماعية للمجتمع بهذا المنظور الاستراتيجي، وأضعها في هذا المقام من الأهمية، فإن ذلك كله لا يعني أنني أبرر أخطاءها المفصلية، أو أتستر على نواقصها القاتلة، بل أنتقدها وأكشفها وأنبه عليها، ولكن ذلك كله، لا ينبغي أن يؤثر بأي حال من الأحوال على عمق الخيرية الاستراتيجية الكامنة في الصحوة، وعلى المكاسب الاستراتيجية التي حققتها، بل ينبغي أن تكون المراجعة والتقييم والتقويم كلها خادمة لذلك ومعمقة له ومحافظة عليه، وحامية له .
وأكشف لك سرا ما فتئ يكبر في نفسي، ويؤرقني كثيرا، وهو أنني وبعد أن رأيت ما لحق بهذه المكاسب الاستراتيجية للصحوة المجتمعية العارمة، من أضرار داخلية وخارجية، وما وضع أمامها من حواجز فكرية ونفسية واجتماعية ضخمة، وما تسبب فيه ذلك من تضييع فرص تاريخية لا تقدر بثمن على المجتمع في تحقيق المرحلة الثانية من مسار نهضته الحضارية، جاءتني فكرة المحاكمة الشعبية لكل الأفكار والأطروحات والممارسات التي تسببت في إجهاض هذه الصحوة الاجتماعية، وإلحاق هذا الضرر الاستراتيجي بها؛ كشفا للأخطاء، وتحذيرا من الأفكار القاتلة، وتحصينا للمجتمع من الأخطار المستقبلية حتى لا يلدغ من جحر مرتين .
س 8 : إنها فكرة طريفة، ومن ينجز هذه المهمة ؟ وكيف ؟
هذه المهمة ينجزها المجتمع المدني للصحوة الاجتماعية، عبر المراجعات النقدية العلمية الموضوعية المتوازنة. ومع الأسف فإنني أتصور بأن مجتمعنا لم ينجز ذلك بعد، بل هناك خوف وشبه حضر للخوض في مثل هذه الأمور حتى على المستوى الجامعي ! فنحن في حاجة إلى دراسات مخبرية علمية معمقة حول الأزمة الوطنية، والأفكار والمواقف والممارسات والأساليب التي أدت إليها، تقدم كحيثيات علمية أمام هذه المحاكمة الشعبية التي يشرف عليها علماء ومفكرين وقضاة ومحامين نزهاء، يصدرون فيها أحكاما شعبية تاريخية، تعمم على المجتمع كله .
إنني أتصور لو أن عملا تاريخيا كهذا تم إنجازه بعلمية وموضوعية ونزاهة، ستكون له آثار تربوية بعيدة المدى على الأجيال الحاضرة والقادمة . فنحن في هذه المحاكمة الشعبية، لا نستهدف استصدار أحكام قانونية تدين أو تبرئ الأشخاص أو المؤسسات، فذلك شأن المحاكم القضائية الوطنية، ولكننا نستهدف إدانة الأفكار والمواقف والممارسات المتطرفة، التي قادت إلى المحنة، وألحقت أضرارا بعيدة المدى بالصحوة والمجتمع والدولة والأمة .
س9: وماذا عن فكرة وصاية الماضي على الحاضر والمستقبل لدى فئات من الصحوة ؟
هناك فعلا من يؤمن بوصاية الماضي على الحاضر والمستقبل، ووصاية الأموات على الأحياء، ووصاية حاجات الماضي وتحدياته وتطلعات أجياله على حاجات الحاضر وتحدياته وتطلعات أجياله، ووصاية المتغيرات على الثوابت.. إلى ما هنالك من أشكال الوصايات المرفوضة سننيا وشرعيا .
والصحيح في ميزان الشرع وسنن الاستخلاف في الأرض، هو أن روح التاريخ ساكنة في كل إنسان لا يمكنه أن ينسلخ عنها بأي حال من الأحوال، وهذا ما يعنيه الراسخون بمقولة ” التاريخ يعيد نفسه ” ، لأنها تتعلق بثوابت سنن الله في المدافعة والمداولة والتجديد الحضاري، وأما التاريخ كحاجات وتحديات وتطلعات واستجابات إجرائية ظرفية لكيل جيل، فإنه لا يعيد نفسه، لأنه من المتغيرات الزمنية، ومن حاول إعادته قصمته سنن المدافعة والمداولة الحضارية، وقذفت به تحت أقدام القوى الأكثر تجديدا لفعاليتها الحضارية، ليكون تابعا لها، وخادما ذليلا عندها، كما هو مشاهد على طول التاريخ البشري، ولن يُرفع عنه سلطان الذل والمهانة الحضارية حتى يغير ما بنفسه من تفكير أو اعتقاد أو سلوك أو عمل غير سنني، ويطابق نفسه مع سنن الله في المدافعة والمداولة الحضارية . وفي الكتاب الذي أشرت إليه سابقا تفاصيل ضافية عن هذه القضايا الحيوية في العمران الحضاري البشري .
نحن غير ملزمين بكل شيء في الخبرة الإجرائية الماضوية، ولكن ملزمون بروح الماضي أو التاريخ كما ذكرت، وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ). والشريعة في ثوابتها العقدية والتشريعية والأخلاقية خارج هذه الخبرة الإجرائية الماضوية، لأنها منظومة سننية كونية، ولذلك يجب التفريق بين ثوابت الشريعة من ناحية، والحركية الاجتهادية التي انبثقت عنها عبر العصور من ناحية أخرى، لأنها حركية مرتبطة بحاجات وتحديات وتطلعات الأجيال عبر التاريخ، فهي في عمومها من المتغيرات، وليس من حق أي جيل أن يرهن حاضره ومستقبله بالخبرة الإجرائية المتغيرة لغيره من الأجيال، بل عليه أن يستجيب لحاجاته وتطلعاته وتحديات عصره هو .
س 10 : دعنا الآن نسألك عن نظرتك إلى التحولات التي تحصل في المنطقة العربية، تونس و مصر و ليبيا و .. ؟
نظمت أنا [و مجموعة من الاخوة الاساتذة]، عقب سقوط النظام التونسي مباشرة ندوة استغرقت أسبوعين تقريبا، عبر البالتوك، تحدثت فيها مطولا عن ” الاستبداد والثورة ” على ضوء الواقع التاريخي والمعيش في العالم الإسلامي عامة والعربي خاصة، حيث بينت، عجزنا عن توطين أنظمة سياسية للتبادل السلمي على إدارة الشأن العام، وتورطنا مبكرا في توطين الاستبداد وشرعناه، فأدى بنا ذلك إلى التخلف والضعف والتبعية المهينة، ومراكمة وتخزين كميات مهولة من الاحتقان النفسي والاجتماعي، ولذلك فإن أوضاعنا قابلة للاشتعال في أية لحظة بطريقة مخيفة، تأتي على الأخضر واليابس، كما دلت على ذلك التجربة الليبية والسورية واليمنية وحتى المصرية والتونسية بأشكال أخرى .
إن ما حصل من تحولات في المجتمعات الإسلامية والعربية والعالمية، وما أفرزه ذلك من وعي جديد، يجعل التغيير حتمية تاريخية، ولكن مع الأسف يبدو أن بعض الأنظمة تجهل هذه التحولات أو تتجاهلها أو تصر على معاكستها ثقة منها في قوتها ! وقد أثبتت التجارب الحالية في العالم العربي أن تلك الثقة في غير محلها، وأنه إذا جاء أجل التغيير فإنه لا مرد له، وعواقبه دراماتيكية على مثل هذه الأنظمة، والحكم تقتضي المبادرة إلى التغيير إنقاذا لمصالح الكل، وهو أمر ممكن جدا .
وقد استخلصت من هذه الندوة الفكرية المطولة عن الاستبداد والثورة ، أكثر من 50 فكرة في حقيقة الاستبداد وتخلقه وتفرخه واستحكامه وفتكه بروح المجتمع، وتهيئته لشروط الثورة العنيفة عليه، ومضاعفات تلك الثورة، والثورة المضادة لها، وما ينجم عن ذلك من تداعيات خطيرة على المجتمع، يجب على النخب السياسية والفكرية في المجتمع أن تتحمل مسئوليتها تجاه ذلك كله، وتبادر إلى التغيير الجدي بكل صدق وإخلاص، قبل أن يطالها الطوفان بطريقة أو أخرى .
إن ما يجري في العالم العربي من تحولات عنيفة، وأخرى صامتة، شكلت نقلة مهمة في الوعي المزدوج بضرورة التغيير من ناحية، وضرورة تجنب الغييرات الثورية العنيفة من ناحية أخرى، لتكلفتها الاستراتيجية الخطيرة، والنخب السياسية والفكرية والاجتماعية المرتبطة بها، تتحمل المسئولية الأكبر على التغيير السلمي وتجنب التغيير الثوري العنيف . وأتمنى أن تنشر هذه الخلاصة الفكرية التي خرجت بها ندوة الاستبداد والثورة ليطلع عليها الناس .
س 11: وماذا عن تحمل بعض تيارات الحركة الإسلامية لمسئولية إدارة الشأن السياسي والاجتماعية العام في هذه المرحلة ؟
كنت أرى بأن تتريث هذه القوى وأن لا تزج بثقلها في أتون هذه المرحلة الانتقالية المعقدة جدا جدا، وأن لا تتخلى في الوقت نفسه عن الحضور القوي لحماية حركة التغيير الاجتماعي وتأمينها، وأن ترابط في المواقع الحيوية للتغيير، وفي مقدمتها ساحات المجتمع المدني، وأن تساهم بفعالية في تفعيلها، وأن تبني جسور الثقة بينها وبين القوى السياسية والاجتماعية الأخرى المناوئة لها، وأن تساعدها على التحول الديمقراطي الحقيقي، ومن ينجح في هذه الساحات الثقافية والاجتماعية والسياسية الحيوية، فإنه لا يفوته أو يضيع من شيء، بل سيظل محل أمل التغيير. وقد كان هذا رأيي في تجربتنا الديمقراطية المجهضة في بداية التسعينات من القرن الماضي، وما زلت أرى بأن له وجاهة ومصداقية، خاصة بعد التجربة القاسية للعبور الديمقراطي المجهض في الجزائر، والذي كانت الحركة الإسلامية هي الخاسر الأكبر فيه بكل اتجاهاتها التي اختارت أن تدخل المعتركات السياسية، وهذا ما تبينه نتائج التجربة .
إنني أرى بأن المبالغة في تحمل مسئولية إدارة أزمات مستفحلة، في ظروف انتقالية معقدة داخليا وخارجيا، أمر يحتاج إلى مزيد من التروي والنظر الاستراتيجي المتوازن، والأخذ بمنطق المساهمة الجدية المتوازنة، البعيد عن منطق المشاركة الشكلية الهامشية التابعة، الذي تورطت فيه بعض الاتجاهات هنا وهناك سابقا، وأثبت محدودية فعاليته، وكثرة تبعاته السلبية على القوى المشاركة نفسها، وعلى مجمل الحركية السياسية للحركة الإسلامية عامة . فالاستعجال مضر بحركة تدعي بأنها تحمل بديلا حضاريا وليس سياسيا فحسب، وإذا بها عندما تقف أمام الأمر الواقع تبدو أنها لا تختلف عن غيرها في شيء ! بل قد تبدو أضعف وأعجز وربما أردأ من غيرها أحيانا ، وهو ما سيكون له ثمنه المستحق طبعا، لذلك فأنا من دعاة التريث والحساب والموازنة والمساهمة الواقعية المدروسة .
س 12: وكيف تقيم هذه الثقة الشعبية في الحركة الإسلامية من خلال نتائج الانتخابات في بعض البدان العربية؟
الشعار الإسلامي الصادق المخلص شعار مبارك منصور . وثانيا فإن هذه القوى التي اقتحمت معتركات العمل السياسي، جنت ثمرات ما زرعته الصحوة لعقود وأجيال من العمل الثقافي والتربوي والاجتماعي المخلص الدءوب . ولكن التحدي الكبير الآن هو هل تستطيع هذه القوى المتحركة تحت شعار الإسلامية أن تفي بوعوده للمجتمع ؟ وأن تصمد أمام تحديات إدارة الشأن العام ؟ أم أنها ستنهار و ينكشف عنها القناع ؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي كان يجب أن يحسب له حسابه بكل جدية .
ألا يناقض هذا ما كنت قد ذكرته عم كون الصحوة والحركة تمثلان مكسبا استراتيجيا للمجتمع والأمة ؟
لا، ليس فيه تعارض، فإبراز بعض جوانب النقص في الصحوة والحركة لا يلغي ما فيهما من خيرية وبركة وصحة قابلة للذهاب بعيدا في استدراك النواقص وتصحيح الأخطاء، وتأمين طريق العبور الديمقراطي الحقيقي في المجتمعات الإسلامية بحول الله . ووعي الحركة بنواقصها أمر في غاية الأهمية، لأن ذلك يمنحها التواضع والواقعية في تحمل المسئوليات، وينأى بها عن المثالية الفارغة، ويدفعها إلى تصحيح أوضاعها وتأهيل نفسها للمهمات التي يفرضها عليها شعار الإسلامية الشريف الذي تتحرك تحت ظلاله . وإن كنتُ قد أوضحت في الكتاب الذي ذكرته سابقا، بأنه ليس من الضروري في المجتمعات الإسلامية رفع هذا الشعار تماما، ومن الأفضل إعطاء الأولية للمضامين الفكرية والاجتماعية والأخلاقية التي تتضمنها منظومة الإسلامية، فذلك هو المطلوب والمفيد والأكثر فعالية وجدوى .
وأنا من دعاة المراجعة العلمية الشاملة والعميقة والدقيقة لمسيرة الصحوة والحركة، وتشخيص الأمراض والنواقص والأخطاء التي تختزنها، ومعرفة مواطن الصحة والإيجابية والقوة فيها، من أجل بناء استراتيجيات واقعية على معطيات موضوعية حقيقية . وقد اقترحت على الإخوة في المغرب وتونس تنظيم ورش علمية متكاملة لفحص حمولة عقود من السنين لا نعرف ما هي ؟ وما طبيعتها ؟ وما هو صحي وما هو مرضي فيها ؟ وما هو قبل للاستمرار وما هو غير قابل لذلك ويجب التخلي عنه والتخلص منه ؟ وهو ما أدعو إليه الدول والأحزاب قبل الحركات والمنظمات المدنية، أن تفتح ورش علمية متكاملة لفحص الحمولة الفكرية والثقافية والنفسية والسلوكية والاجتماعية التي يختزنا الأفراد ويختزنها المجتمع، من أجل تحقيق فهم أشمل وأعمق للإنسان والمجتمع، ووضع استراتيجيات موضوعية حقيقية للتغيير والبناء الاستراتيجي الصحيح .
فمجتمعاتنا منذ قرنين من الزمن وهي تحاول تحقيق نهضتها الحضارية، ولكنها لم تفلح في ذلك بالرغم ما بذل من جهود وأوقات وأموال خيالية من أجل ذلك ! فأين الخلل في هذه البلوعة البيرمودية المخيفة ؟ لا بد أن نكتشف الخلل داخل أعماق المنظومات الفكرية والثقافية والنفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية.. وأن نبني استراتيجيات النهضة على ضوء ذلك حتى لا تؤثر هذه الاختلالات سلبا على مسيرة النهضة . هل نحن كجزائريين على سبيل المثال، وخاصة من يتولون إدارة الشأن العام سواء في الدولة أو المجتمع، نعرف بشكل علمي موضوعي طبيعة الحمولة الفكرية والثقافية والنفسية والسلوكية والاجتماعية.. التي يحملها الإنسان والمجتمع الجزائري ؟ طبيعة هذه الحمولة، وحجم الصحة والمرض فيها، والقوة والضعف فيها ؟ ومصادر ذلك ومؤثراتها ؟ نحن في حاجة إلى معرفة أنفسنا ومجتمعاتنا، ومن لا يعرف نفسه ومجتمعه وعصره، فليس مؤهلا بأن يكون له مكان ودور في إدارة الشأن العام في المجتمع .
س 13: ما رأيك وتقييمك لخوض التيارات السلفية للمعترك السياسي ؟
1. أسئلتك الأخيرة كلها في البولتيك، وأنا غير مهتم بالبولتيك كثيرا، ورؤيتي فيه قد تتسم بالمثالية، خاصة وأن مجتمعاتنا العربية بصفة عامة ما تزال في عمق مرحلة البولتيكي المزمن، ولم تشرع بعد في دخول المراحل المبكرة من السياسة كعلم وفن منهجي لإدارة الشأن العام، وخدمة المصالح الاستراتيجية للمجتمع .
دخول التيارات السلفية للمعترك السياسي بحمولتها الفكرية والثقافية المتمحورة حول سلطة الخبرة الإجرائية التاريخية على حاجات وهموم وتحديات وتطلعات الحاضر والمستقبل، تشكل تحديا كبيرا للفكرة السلفية نفسها، وتحديا كبيرا للحركة الإسلامية وللصحوة الروحية والثقافية والاجتماعية للمجتمع عموما، وتحديا للدولة والمجتمع والعالم كذلك . فهي بهذه الحمولة الفكرية ذات المركزية التاريخية، وبما تصطدم به من تحديات ضخمة ومعقدة في المجتمع والعالم، ستتعرض لخلخلة كبيرة وعميقة لكثير من قناعات وثوابت ومنهجيات هذه التيارات من ناحية، كما ستحدث ارتباكات كثيرة في المجتمع والدولة، وهو ما بدأنا نشاهد بعض تردداته الموجية فعلا، في كل الدول التي تم فيها تغيير الأنظمة الاستبدادية السابقة .
ولكن من ناحية أخرى أرى بأن اقتحام التيارات السلفية لمعترك البوليتيك، سيحدث تحولا عميقا وسريعا في الفكر السلفي والفكرة السلفية، كما بدأت تظهر بعض بوادره بأشكال مختلفة في تونس ومصر وليبيا وغيرها . ومن هذه الزاوية فأنا أرى بأن انفتاح بعض هذه التيارات على البوليتيك ينبغي تشجيعه وتأطيره بيداغوجيا، بالرغم مما فيه صعوبات . فهدف الجميع ينبغي أن يكون التعاون من أجل تحقيق عبور ديمقراطي آمن في المجتمعات الإسلامية، وهذا لا يتم إلا بمساعدة التارات المختلفة لبعضها البعض والأخذ من بعضها البعض، والتصحيح لبعضها البعض، حتى يلتقي الجميع سريعا على أرضية مشتركة هي نقطة ارتكاز التحول نحو الديمقراطية الاجتماعية الأخلاقية الحقيقية التي ينشدها الناس، ويستوعبها الإسلام في تطلعاته الحضارية الروحية الإنسانية العالمية الكونية .
س 14: كيف تقيم مسيرة الصحوة في الغرب ؟
الصحوة في الغرب تعاني من أمراض مستصحبة ومنقولة إليها من البلدان الإسلامية، وهي التي تعيق فعالية مسيرتها. وهي تحتاج إلى التخفف من الأمراض المنقولة، حتى تتحرك بفعالية أكبر . وعلى العموم فهي في تقدم مستمر ملموس وخاصة على مستوى الشكل أو العدد، أما على المستوى النوعي فهي تتحرك ببطأ أكثر، لأنها تحتاج إلى تأطير فكري وتربوي روحي وأخلاقي متين .
س 15: ما المطلوب من الدول الاسلامية نحو الجالية المسلمة في الغرب ؟
التخفيف من نقل صراعاتها السياسية إلى أوساط الصحوة في المجتمعات الغربية . الكف عن الأساليب الأمنية في التعامل مع نخب الصحوة وإطاراتها وجمهورها في الغرب . الانفتاح على هذه النخب ودعمها في كل ما هو مصلحة عامة للإسلام والمسلمين . مساعدتها في حماية هويتها الثقافية والحضارية ضمن التعددية الثقافية في هذه المجتمعات . الاستفادة منها في نقل الخبرات النافعة إلى المجتمعات الإسلامية.
س 16 : ما تعليقك عن الحملات الاخيرة المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم ؟
حملات لا تنتهي، ولها أغراض شخصية وفئوية وسياسية واستراتيجية متعددة . ولذلك فإن الحكمة تقتضي عدم مسايرتها في تحقيق ما تريده من أغراض دعائية واستفزازية واستعدائية مستمرة، والاستفادة من بعضها أحيانا في تعميق الانفتاح على المجتمع وتعميق الحوار الثقافي الخصب معه حول الإسلام وحضارته ووعوده للبشرية . فقد أثبتت التجربة بأنه هذه الحملات المغرضة إذا ما تم التعامل معها بحكمة وفعالية، فإنها تساعد في التعريف بالإسلام، والتخفيف من العداء له، وكسب الأنصار له، بل وحتى المعتنقين له . وعلى العموم فهذا السلوك يدخل في نطاق تجليات المدافعة الثقافية والاجتماعية والحضارية التي تحكم الوجود البشري في الأرض، ولذلك فنحن ينبغي أن نتعامل معها من منطق كيف نحقق دفعا أكثر أصالة فعالية وتكاملية واطرادا.
كلمتك الأخيرة؟
أشكرك وأشكر إدارة جريدة البصائر الغراء، على هذه الفرصة الثمينة للتواصل مع القراء الكرام، وأدعو الله تعالى أن يجعلنا كالغيث أينما وقع نفع، وأن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا، وأن يعيننا على تسخيرها في خدمة ديننا وبلدنا وأمتنا وإنسان عصرنا . فنحن حملة رسالة ذات شأن عظيم في الأرض والكون، وأمة ذات رسالة ودور محوري في العالم والكون، ومسئوليتنا عظيمة عند الله وفي التاريخ، وقد خاب من فرط في أداء دوره في ذلك كله، وأفلح من وفِّق إلى أداء حقوق الله والإسلام والمجتمع والأمة والإنسانية والكون عليه، وصلى الله على محمد وأله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.
حاوره محمد مصطفى حابس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق