أحداث وطنية ومحليةحدث وتعليق

السيـر في الاتجاه المعاكس! /أ.عبد الحميد عبدوس

ABDOUSيمكن للفرنسيين أن يباهوا بكون لغتهم وبعد خمسين سنة من خروجهم من الجزائر مهزومين مدحورين، أصبحت أكثر تمكنا وانتشارا وعزة في الجزائر المستقلة!
لقد وجد الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والوفد المرافق له في زيارته للجزائر في نهاية العام المنصرم (19 و20 ديسمبر 2012)، بلدا عاشقا للغة الفرنسية، يحتضنها في إدارته، ويرفعها في لافتات شوارعه ومؤسساته، وينشرها في صحفه وجامعاته، حتى أنه يحق للفرنسيين أن يتحدثوا بلا خجل عن المظاهر الإيجابية للاحتلال،ويضربوا المثل باللغة الفرنسية التي تحولت من “غنيمة حرب” إلى “سيدة” في بلد ضحى الملايين من خيرة أبنائه لإنهاء الهيمنة الفرنسية على الجزائر!
في سنة 1990 صدر قانون الإعلام الذي سمح بإنشاء التعددية الإعلامية، وتأسيس الصحف الخاصة، لكن القانون حرص على إلزام الصحف باللغة الفرنسية بإصدار عنوان آخر باللغة العربية، حتى لا تصبح التعددية الإعلامية مدخلا لنسف أو نسخ المادة الثالثة من الدستور الجزائري، التي تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية، و بعد مرور أكثر من عشرين سنة على صدور هذا القانون ، انقلبت الصورة تماما حيث أصبحت الصحف الصادرة باللغة العربية هي التي تتنافس و تجتهد في إصدار عنوان وأكثر باللغة الفرنسية، ولكل حسب حجم ميزانيته، وشبكة علاقاته، وسوق إشهاره!
ولعل هذا ما جعل الوزيرة الفرنسية المكلفة بالفرانكفونية “يمينة بن قيقي” ذات الأصل الجزائري تطمئن الفرنسيين بعد زيارتها للجزائر على وضع الفرنسية، التي “لم تتمكن سنوات التعريب من القضاء عليها، فهي أول لغة أجنبية ينطق بها الجميع صغارا وكبارا..!” على حد تعبيرها.
غير أن المتأمل في وضع اللغة العربية “اللغة الوطنية والرسمية” في الجزائر يكاد يجزم بأنها هي اللغة الأجنبية وليست الفرنسية، وأن رئيس الحكومة الفرنسي في عهد الاحتلال “كاميل شوتان” كان يشرع لزمننا هذا ،عندما أصدر المرسوم الذي يحمل اسمه في شهر مارس 1938، الذي اعتبر اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر ، حيث أن اللغة العربية لم تصبح أفضل حالا من الفتى العربي في “شعب بوان” في قصيدة المتنبي الذي وصفه بأنه “غريب الوجه واليد واللسان”!
ففي الندوتين الصحفيتين اللتين عقدهما الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بالجزائر ظهرت اللافتة المعلقة فوق منصة الندوة الأولى التي عقدها في فندق “الشيراطون” بالعاصمة في اليوم الأول من زيارته للجزائر، وكذلك الأمر بالنسبة للندوة الصحفية الثانية التي عقدها بفندق “ماريوت” بتلمسان يوم 20 ديسمبر 2012، في اليوم الثاني، خاليتين تماما من الحرف العربي، مما قد يعني أن مصالح الإليزيه هي التي أشرفت على ضبط كل صغيرة وكبيرة في برنامج زيارة هولاند انطلاقا من فرنسا إلى الجزائر، أو أن مسيّري فندقي “الشيراطون” و”ماريوت” لا يعرفون اللغة العربية ولا يقيمون لها وزنا، أو أن المسؤولين الجزائريين لم يعيروا أدنى اهتمام لهذا الأمر، وكأن الرئيس فرانسوا هولاند قد انتقل من باريس إلى مارسيليا، وليس من دولة سيدة اسمها “فرنسا” إلى دولة أخرى سيدة اسمها “الجزائر” لها لغتها الوطنية، ورايتها الوطنية، ونشيدها الوطني،وما إليها من المميزات التي تجسد سيادتها الوطنية، وشخصيتها الدولية المستقلة بين الأمم.
قبيل زيارة الرئيس هولاند إلى الجزائر كتبت جريدة “لوموند” موضوعا عن وضع اللغة الفرنسية في الجزائر، وسجلت على لسان إحدى الشابات الجزائريات التي قالت للجريدة بتفاخر، إن الاختيارات الشفوية للتوظيف في المؤسسات الخاصة بالجزائر تجري باللغة الفرنسية، وأن أول سؤال شفوي يطرح على المترشحين هو: هل تتقن اللغة الفرنسية؟!
حقا، يا له من نصر مبين حققته لغة موليير، في بلد كان المجاهدون والشهداء فيه يعتبرون الفرنسية لغة غزو وقهر واستدمار، فأصبحت بقرارات حكام الجزائر ،لغة تمايز اجتماعي، وخطوة سياسية، وترقية وظيفية!
هل كان الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران يملك مفاتيح صياغة مستقبل الجزائر من وراء البحر، عندما صرح لحاشيته بلهجة الواثق في الثمانينات من القرن الماضي بقوله: “سأعيد لكم الجزائر… دون أن أدفع فرنكا واحدا من ميزانية فرنسا”؟!
وقبله قال مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة الجنرال شارل ديغول: “لو خيرت بين البترول والفرنسية في الجزائر لاخترت بقاء الفرنسية”!
نعم إن بقاء الفرنسية في الجزائر هو الذي يفسر سر ذلك النفوذ الفرنسي الهائل في الجزائر، والذي يتفوق على النفوذ الأمريكي، رغم أن أمريكا هي أول مستورد للنفط الجزائري، ولا يقارن كذلك بنفوذ إيطاليا رغم أن إيطاليا هي الشريك التجاري الأول للجزائر.
ولكل ما سبق يمكن القول أن مئات الملايير من الدولارات لن تكون قادرة على إنجاح التنمية في بلد يعاني من أزمة الهوية وازدواجية الشخصية، كما أن السباحة في نهر الفرانكفونية ليس بمقدورها أن تحقق للجزائر الكرامة الوطنية والنهضة العلمية والتكنولوجية، ومسايرة الثورة المعرفية خصوصا وأن فرنسا –مصدرة الفرانكفونية- المتمسكة بالخصوصية الثقافية لم تعد قادرة على مواجهة الهيمنة الأنجلوساكسونية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والإعلام، حتى أن أفضل الجامعات الفرنسية التي تخرج فئة النخب العلمية والسياسية المتعلمة بالفرنسية، يأتي ترتيبها متأخرا كثيرا بالمقارنة مع الجامعات الأنجلوساكسونية، وعلى رأسها الجامعات الأمريكية، ومع ذك فإن الدعوة في الجزائر إلى تدعيم مكانة اللغة الإنجليزية في البرامج الدراسية وتعليم اللغات الأجنبية لا تلاقي عند أغلب المسؤولين الجزائريين سوى الصدود والاستهجان!
فاللغة الفرنسية التي تعتبر في الجزائر مفتاح التقدم العلمي والرقي الحضاري تأتي في المرتبة الثامنة في ترتيب اللغات المستخدمة على شبكة “الأنترنت”، أي بعد اللغة العربية مباشرة!
ولكون اللغة أبرز ملامح الهوية الحضارية والثقافية، وذاكرة الأمة، وعنصر السيادة الوطنية، فقد كانت من أهم مجالات النضال الثقافي في برنامج الحركة الوطنية بصفة عامة، ونشاطات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بصفة خاصة للمحافظة عليها كلغة وطنية جامعة للشعب الجزائري، وتمكينها من الصمود في وجه الغزو اللغوي الفرنسي، والمسخ الحضاري للشخصية الجزائرية،ولذلك يقول إمام اللغة العربية وفارس البيان في الجزائر، العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في موضوع عن فضل اللغة العربية: “قامت اللغة العربية في أقل من نصف قرن بترجمة علوم الأمم ونظمها الاجتماعية وآدابها، فوعت الفلسفة بجميع فروعها، والرياضيات بجميع أصنافها، والطب والهندسة والآداب والاجتماع، وهذه هي العلوم التي تقوم عليها الحضارة العقلية، في الأمم الحاضرة والغابرة، وهذا هو التراث العقلي المشاع الذي يأخذه الأخير عن الأول، وهذا هو الجزء الضروري في الحياة، الذي إما أن تنقله إليك فيكون قوة فيك، أو تنتقل إليه في لغة غيرك فتكون قوة في غيرك، وقد تفطن أسلافنا إلى هذه الدقيقة؛ فنقلوا العلم ولم ينتقلوا إليه…”
ولعل أحد أهم أسباب التلوث اللغوي والتخبط الثقافي، وتشوش المرجعية الدينية الذي تعيشه الجزائر راجع إلى تهميش دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومنعها من مواصلة نشاطها الثقافي والديني، بعد استرجاع الاستقلال مباشرة، ورغم استئناف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لنشاطها بعد فتح مجال التعددية السياسية والجمعوية بعد صدور دستور فيفري 1989، إلا أن نقص الدعم المادي والتشجيع المعنوي والإعلامي الذي سلط على جمعية العلماء منذ عودتها إلى الساحة الوطنية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، أثر سلبا على انتشار وتفعيل رسالتها في تكوين وتحصين الأجيال التي ترعرعت وتعلمت بعد الاستقلال.ومواصلة دورها الإصلاحي والدفاع عن مقومات الشخصية الحضارية للشعب الجزائري .

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق