أحداث وطنية ومحلية

من زفرات المعلّمين /د.عبد الحفيظ بورديم

el hachemiالمعلّمون الصّادقون أشدّ الناس معاناة، وأكثرهم زفرات. هم الذين فهموا التعليم تنشئة ورضوا له أن يكون تربية، فأخلصوا لله النيات وأعلوا للوطن الرايات، ولكنّهم صدموا لمّا اتُّهموا، فقيل لهم إنّ منهجكم فاسد يحتاج إلى إصلاح وإنّ نشأكم فاشل يحتاج إلى إنجاح، ومخبوء الكلام أبعد غورا وأوسع ذعرا. وطنيون أرادوا بناء الإنسان، وتغريبيون أفسدوا الفكر واللسان. وطنيون عملوا على الاستقلال ومفرنسون برمجوا للاحتقلال.

وأعرف من أولئك المعلّمين الصادقين من رضع بدار الحديث لبن جمعية العلماء المسلمين، الأستاذ محمد الهاشمي ذي النسب الهاشمي، وقد حملته الغيرة على المدرسة الجزائرية فكتب شهادته عن المؤامرة التغريبية، أنقلها في هذه المقامة عسى أن يقذف الله بها دعاة القمامة.

التغريبيون والمظلومة التربوية

الأستاذ: محمّــــــد الهاشمي/تلمسان

كثير من المنبهرين بكل ما هو فرنسي ينادون بفتح الأبواب والنوافذ على مصراعيها في جميع المجالات بحجة أن العالم أصبح قرية. وليت الانفتاح كان في مجال العلوم لأن العلم لا لون له ولا طعم ولا جنس ولا عقيدة فهو ملك للبشرية.

لكنّ شأن التربية مختلف، فلكلّ أمة  خصوصياتها لتربية أبنائها مستمدة ذلك من عقيدتها و عاداتها و تقاليدها، فاليابان مثلا وصلت إلى ما وصلت إليه من تقدم علمي ونشاط فكري في مختلف المجالات ولكنهم مقابل ذلك حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم حتى أصبحوا مضربا للأمثال. وما سرّهم إلاّ المدرسة التي جعلوها الأساس المتين للنهوض الثقافي والتجديد الحضاري.

وابتليت الجزائر بأقلية تغريبية عميلة للاستدمار الفرنسي وجهت سهامها المسمومة تجاه المدرسة الجزائرية الأصيلة وشنت حملة هدامة على (اللغة والدين والتاريخ) في جوهرها العربي الاسلامي. واعتبروها مدرسة تعدّ للآخرة فقط، فألغوا التعليم الأصلي (في عهد العلماني مصطفى الأشرف بحجة) توحيد التعليم، ثمّ أوقفوا تعريب المدرسة الجزائرية.

إن التغريبيين – من أصحاب القرار-  حاربوا المدرسة الأساسية رغم أنها عرفت ازدهارا علميا في فترة 1980 / 1989، فلجأوا إلى طرح ملف المنظومة التربوية على القاعدة للمناقشة سنة 1989 ولم تكن نواياهم سليمة بل عملية حق أرادوا بها باطلا و تفطنت الأسرة التربوية لمكائدهم و سايرتهم عملا بقول وزير التربية السابق علي بن محمد: ” لا تستطيع المدرسة أن تكون أداة إصلاح إلا إذا أصلحت نفسها”.

و لأول مرة أعطيت الفرصة لرجال التربية للإدلاء بآرائهم وتصوراتهم في إصلاح المنظومة التربوية، وطرح الملف للمناقشة في جميع المدارس الجزائرية من شرقها إلى غربها و من شمالها إلى جنوبها وفي جميع الأطوار وكان تقرير مدارس البلدية ثم الدوائر لينتج التقرير الولائي وأخيرا تمت الموافقة على التقرير النهائي الوطني بعد تلاوته على الجمعية العامة بتاريخ 07 ذي القعدة 1409 هجرية الموافق ل 11 جوان  1989 بالمعهد العالي للتربية التكنولوجية للرياضة البدنية بابن عكنون الجزائر العاصمة .

وهنا جُنّ جنون الدوائر التغريبية (جراء لاكوست) لأن التقرير فاجأهم إذ انقلب السحر على الساحر ولم يجدوا أمامهم إلا أسلوبهم المعتاد، وهو إلغاء الملف وقبره في مهده لأنه ضد مصالح أسيادهم، فانقضوا على اختيار الأسرة التربوية وألغوا التقرير نهائيا، وأول ما فعلوه إرضاء لأسيادهم برمجة اللغة الفرنسية في السنة الثانية ابتدائي، مخالفين المنطق التربوي الذي يقتصر على تعليم اللغة الأمّ  – تحصينا من كلّ غزو فكري خارجي- وتلك فرنسا التي يتبجحون بتقدمها لا تعلّم أي لغة أجنبية إلا ابتداء من السنة الرابعة، ولكنهم خفافيش الليل عندنا.

ألا أيــها التغريبيون إنكم بحقدكم على لغتكم ودينكم وتاريخكم وعمالتكم لفرنسا أنتجتم جيلا معوقا، غريبا في سلوكه، غريبا في أخلاقه، غريبا عن مجتمعه.

وهلبلغكم نبأ الغربة التي عانى منها الوفد الطبي الجزائري في مؤتمر باريس حين لم يفهم لغة المؤتمر، وزاد من سخفهم احتجاجهم على المنظمين كيف سمحوا للانجليزية – وهم لا يفهمونها- أن تكون مهيمنة بنسبة 90/..

مضت ثلاث وعشرون سنة ولكنّ الأسئلة صارت حرجة، لو أنّ التغريبيين يلقون السمع أو يجيبون، فهذا حصادكم:

ما هو واقــع المدرسة الجزائريــة التي زعمتم إصلاحها؟ وما هي النتائج التي حققتموهـا؟ ثم ماذا جنيتم من محاربتكم لدينكم ولغتكم وتاريخكم؟ ولماذا أوردتم أهلكم ووطنكم هذا المورد؟

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق