تحاليل وآراءحدث وتعليق

رسول الله وأمتّه… هل وفت له أم توّلت؟ /د. محمد دراجي

DERADJI{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ، فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}. هكذا وصف رب العزّة، رب العرش العظيم عبده ونبيّه محمّدا صلى الله عليه وسلّم مع أمتّه، فهو صلّى الله عليه وسلّم يعزّ عليه أن تقع أمتّه في أيّ أمر يكشف عليها أو يعنتها، أو يصيبها بالهلاك، وهو الحريص على هدايتها وإصلاحها في العاجل والآجل، في المعاش والمعاد، في الدين والدنيا، وهو الرؤوف الرّحيم بها.

فرسول الله صلى الله عليه وسلّم الرّحمة المهداة، والنّعمة المسداة، الذي لم يترك سببًا ولا وسيلة يجعلان من أمتّه خير الأمم، إلاّ ودّلّها عليه، وحثها على الأخذ به، جاء في الحديث الشريف تصوير دقيق لهذا المعنى، فعن ابن عبّاس أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتاه ملكان فيما يرى النائم فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر على رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمتّه، فقال: إنّ مثله ومثل أمتّه كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مغارة، ولم يكن عندهم من الزاد ما يقطعون به المغارة ولا ما يرجعون به. فبينما هم كذلك حتّى أتاهم رجل في حلّة طبرة، فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا روّاء تتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم فأوردهم رياضا معشبة وحياضا روّاء، فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم: ألم ألقكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا روّاء أن تتبعوني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني، فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنّه، وقالت طائفة: رضينا بهذا نقيم عليه.

لكن السؤال الجوهري الذي لابدّ من طرحه بهذه المناسبة، مناسبة ميلاده صلى الله عليه وسلّم هو: هل نحن فعلاً أتباع أوفياء ومحبون صادقون، وورثة مأتمنون على الدّين الحنيف الذي أكرمه الله تعالى به، فكانت الأمّة بسببه خير الأمم، فهو مناط عزّها وعنوان فخرها، يقول تعالى: { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} والمساءلة الكبرى إنّما تكون عمّا كان سببا للذكر الأكبر.

لو سمحنا لأنفسنا أن يجمح بها الخيال، وتصوّرنا إنسانًا  يعيش في كوكب غير الكوكب الذي يعيش فيه المسلمون، أتباع النبي الكريم، وورثته في الدّين الذي جاء به من عند الله عزّ وجل، وسلّمنا له نسخة من القرآن الكريم، ومنحناه الوقت الكافي لقراءته وحسن فهمه، واستيعاب ما فيه من شرائع وأحكام، وتعاليم وتوجيهات، وبعد أن تمّ له ذلك جيّدا، وحقق فيه شأوًا بعيدًا، أتينا به ليعيش بين المسلمين، وطلبنا منه بعد مدّة أن يقوم بعملية مقارنة بين تعاليم الدّين الحنيف كما هي مقرّرة في الكتاب الذي طلبنا منه قراءته واستيعاب ما فيه، وبين واقع المسلمين في فكرهم وسلوكهم، وفي طريقة عيشهم وبناء مجتمعهم على كافة المستويات والأصعدة، فإنّه ممّا لا شك فيه أنّه سيجزم بأنّه لا علاقة تربط بين هذه الشعوب وبين مضمون ومحتويات الكتاب الذي قرأه.

وإنّه مما لا شك فيه كذلك، أنّ الدهشة تتملكه إذا أخبرناه بأنّ هذه الشعوب هي أمّة ذلك النبي الكريم، المؤمنة بالكتاب الذي جاءها به من عند الله، المكلّفة بتطبيقه في حياتها والعيش وفق تعاليمه، والالتزام بجدوده، والدعوة إليه.
لقد جاء في الحديث الشريف: “…إنّه سيجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول يا ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح { وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ } فيقال لي: “إنّهم ما يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم”.

أجل ماذا فعلت الأمّة الإسلامية بالوحي الإلهي الأخير؟، وهل ارتقت إلى مستواه، وكيفت حياتها على ضوئه، واستنارت بتعاليمه، أم أنها اكتفت بالمحافظة على رسمه، ولكنّها ضيعت محتواه ومضمونه؟، فالعقائد الحقة التي جاء بها الإسلام، شابتها البدع والضلالات، والشريعة السمحة غطت عليها العوائد والمنكرات، والأمّة التي أرادها الله أن تكون خير الأمم، بسبب إيمانها به، وأمرها بالمعروف، ونهيها عن المنكر، وسلوكها الطريق المستقيم، أصبحت أمّة متسوّلة على موائد الأمم الأخرى وحضاراتها.

أهذه هي الأمّة التي يباهي بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأمم الأخرى يوم القيامة؟ إنّ مظاهر التفريط في الأمانة التي استودعنا إيّاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هي فوق الحصر، ولعلّ هذا هو الذي دفع بمفكر كبير، ومجدد عظيم كالدكتور محمد إقبال –رحمه الله- أن يدعو الله مخلصًا أن يدخله الجنّة برحمته، ولكن لا يريد أن يقابل رسول الله فيها، لأنّه لا يملك وجهًا يقابله به من فرط التقصير في صيانة الإرث النبوي العظيم، وإنّها لرّجة أرادها الشاعر الكبير لعلّها تزعزع الجامد، وتحرّك الخامد من واقع المسلمين البئيس.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق