تحاليل وآراءحدث وتعليقغير مصنف

اقتصاد السجون…../الدكتور فارس مسدور

MESDOURحيثما وليت وجهي في ولايات بلدي وجدت بناية خرسانية عالية الأسوار عظيمة، فأسأل ما هذا؟ فيجيبونني بجواب غريب قائلين: إنه سجن؟ هذا الأمر تكرر معي عدة مرّات، وأنا أسير إلى الأغواط سجن، وخارجا من البليدة سجن، وفي طريق الشرق الجزائري سجن، وطريق الغرب سجن، سبحان الله سجون في كل مكان، لماذا لا تكون مصانع؟ لماذا لا تكون جامعات ومعاهد ومراكز تكوين الحرف؟ لماذا لا تكون مدارس؟ قالوا إن هذه السجون حديثة ومتطورة وستضم كل المجرمين الذين يتزايد عددهم عاما بعد عام…

لنحسبها مع بعض إن بناء سجن واحد من هذه السجون (المتطورة) يكلف مبالغ جد عالية، تخيل أننا نريد بناء 81 سجنا تبلغ مساحة أحدها (ببرج بوعريريج) 23 هكتار، فكم تكلف هذه السجون في مجموعها؟ المؤكد المبلغ خيالي؟ والأعجب والأغرب أن العمالة الأجنبية هي المكلفة ببناء هذه السجون في بلادنا…

إن ما ينفق على سجن واحد يمكن أن يستصلح به خمسة آلاف هكتار، وتبنى به خمس مائة مدرسة، أو مائة مكتبة راقية، أو ننشئ ونجهّز به خمس كليات علمية متخصّصة، ونوفّر ما لا يقل عن ست مائة وحدة سكنية، أو يمكن أن نبني 1000 محل للحرف أو للتجارة، أو يمكننا أن نبني به ما لا يقل عن أربع مستشفيات صغيرة، أو قريتين كاملتين متكاملتين…

إنه الهدر الاقتصاد، فلو أننا اعتمدنا قوانين صارمة ما كانت الجريمة لتصل إلى الحد الذي وصلت إليه في بلادنا، حيث أصبح القتل والسرقة وتجارة المخدرات والاختطاف أمر عادي لا يخيف المجرمين، مادام يوجد سجون 5 نجوم (كما يصفها البعض)، إلى درجة أن منهم من يتعمَّد ارتكاب الجريمة التي تدخله ليقضي فترة الشتاء في السجن (مأكل ومشرب وملبس، وتلفاز، ومكان للنوم مجهز بما يوفر الراحة…)

والسؤال الذي يطرحه كل واحد منا هو: لماذا لا يستغل السجناء في استصلاح الأراضي، وتعبيد الطرقات، وبناء الجسور، وحفر الآبار، وتنظيف المدن، وإنشاء المدن الجديدة، وإنتاج السلع الأساسية التي يحتاجها الاقتصاد الوطني؟ لماذا لا يتم استغلالهم لإنشاء سدود خضراء، وغرس الصحراء؟

إننا نهدر المال العام بشكل غير عقلاني، فلو أن الذين بنو هذه السجون كانوا جزائريين لقلنا وفرنا مناصب شغل لعمالنا وضمنّا عدم إفلاس مؤسساتنا، لكن الأمر يتعلق بتوفير مناصب شغل لصينيين وغيرهم من الأجانب الذي وجدوا في بلادنا جنة لمكافحة البطالة والفقر عندهم، ويحققون أرباحا طائلة على حساب اقتصادنا، بل على حساب تعاستنا.

إن مصطلح الرشادة والعقلانية الاقتصادية غابا من قاموس حياتنا الاقتصادية في الجزائر، فلم يعد لدينا من لغة نُتقنها سوى لغة البُطُونْ والبَاطُونْ، فبالنسبة للبطون نحن من أسوأ المستهلكين في العالم، نستهلك كل شيء ونستورد كل شيء حتى الأمراض أصبحنا نستوردها في غذائنا ولباسنا ودوائنا، أما بالنسبة للباطون فبلادنا أصبحت ورشة مفتوحة تستهلك الاسمنت المسلح بشكل رهيب أصبح يهدد الأراضي الصالحة للفلاحة التي دمرنا جزءا هاما منها، والأغرب أن جزءا منها كان عبارة عن سجون بأسوار أعلى من جدار الصهاينة في فلسطين الجريحة…

إن الجرائم لا تحارب بالسجون، لأن التجربة أثبتت أن الانسان قد يدخل السجن بريئا فيخرج مجرما محترفا، ذلك أننا لم نفهم الدور الذي يمكن أن يلعبه السجن لو يتم استغلاله بذكاء وبناء على أسس علمية متخصّصة، لو يتم ذلك لكان السجن مدرسة تصلح الرجال وتبني الأجيال، فكم من عظيم كان السجن مدرسته، وكم من عالم مفكر كان السجن خلوته.

قال لي أحدهم يوما: ابن قسماً تغلق زنزانة…، فما أحوجنا إلى المدارس والمعاهد والجامعات التي نغلق بها أبواب السجون، وتكون دولتنا دولة الكفاءات لا دولة الزنزانات…

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق