بحوث و دراسات

القرآن والسياسة-01 /عبد القادر قلاتي

GUELATI111هناك فكرة أساسية يجب أن يرتكز عليها الفكر الإسلامي، عندما يبدأ فعليا في التنظير للنظرية السياسية؛ التي تميز المجال التداولي للفكر الإسلامي عن المجال التداولي للحداثة الغربية ومنجزاتها في المجال السياسي؛ وهي التفريق –كما ذكرنا في مقالات سابقة – بين خطاب الشريعة الذي يمثله الوحي، وبين خطاب الشريعة الذي تمثله التجربة التاريخية.وليس معنى هذا التفريق، وصف مجمل التجربة التاريخية بالبعد عن روح الشريعة، بل يكمن التفريق بين النص المتعالي للوحي، والفعل الإنساني، الذي أساء توظيف هذا النص في لحظات تاريخية ما، دفعت ببعض القراءات السطحية والمؤدلجة، باستبعاد المنطق الديني عن الفعل السياسي، لأن المجال الديني مغلق بتأثير النص الديني، بينما السياسة مجال مفتوح لا تقيده نصوص ناجزة ومتعالية، ويصر خطاب العلمنة على مجابهة ومحاصرة خطاب الشريعة، نافيا حتى العلاقة التي تجمع بين النص والفعل السياسي، فما نسميه في الفكر الإسلامي بالسياسة الشرعية، ما هو إلا عملية تطويع للوحي ليتماشى وأهواء الفقهاء، وطموحهم السياسي، ولا يتوانى هذا الخطاب المتعثر عن وصف الوحي بأنه نص تاريخي يملك لحظته التاريخية، ولا يمكنه بأي حال من الأحوال أن ينسجم مع معطيات العصر، ثم هو بعد ذلك حمال أوجه، يؤول بحسب الخطاب الأصولي المتطرف، وقد يؤول بحسب رؤية علمانية حداثية، ونجد هذه الرؤى والأفكار مبثوثة في كتابات أركون، ونصر حامد ابوزيد، وطيب تيزيني، و عبدالله العروي، ورفعت السعيد وقائمة طويلة.

  وأنا كمتابع للفكر العربي والإسلامي أتعجب حقيقة من هذه القراءات المؤدلجة التي لا تراعي منطق البحث والموضوعية، وإنما تنطلق من رؤية وتصور للكون والحياة متناقضة مع المنطق الديني، وإلا كيف يفهم أركون، أو العروي، أو غيرهما قول الله تعالي:{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }(المائدة:48)، أو قوله تعالى: {إنَّ الله يأمُركُم أنْ تؤدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكمتُم بين النَّاسِ أن تحْكُمُوا بالعَدْلِ} (النساء:58)، أو قوله تعالى: {يا أيُّهَا الذِين آمَنُوا أطيعُوا الله وأطيعُوا الرَّسُول وأُولى الأمْر مِنْكُم فإنْ تنازعتُم في شيء فردُّوه إلى الله والرَّسُول إنْ كُنْتُم تُؤْمِنُون بالله واليوْمِ الآخِر}(النساء:59).وقوله تعالى: {إنَّا أنْزَلْنَا إليْكَ الكِتَابَ بالحقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله}(النساء:105). ولو أردنا أن نحصي الآيات الدالة دلالة واضحة على الفعل السياسي الذي يشغل حيزا كبيرا في مجمل مقاصد الوحي، لأتينا على منظومة متكاملة، رسمت أهم معالم الممارسة السياسية، وجسدت نظرية الحكم والسياسة ، هذا طبعا إلى جانب نصوص السنة التي هي تالية للقرآن وشارحة لمقاصده ومراميه.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق