أحداث دوليةحدث وتعليق

زمـن "بـلاك بلـوك"؟!/عبد الحميد عبدوس

AZHARبعد يوم واحد من توقيع وثيقة الأزهر الداعية إلى نبذ العنف والالتزام بأسلوب الحوار الجاد، حشدت جبهة الإنقاذ الوطني المعارضة، الآلاف من مناصريها في مدن مصرية مختلفة في تظاهرة سميت “جمعة الخلاص”، للمطالبة بإسقاط النظام، وإسقاط الدستور، وتغيير الحكومة، وإقالة النائب العام، وفي ضوء ما تخلل هذه المظاهرات والتجمعات من أعمال العنف، ومواجهات، وسقوط ضحايا أمام قصر الرئاسة، يتساءل المرء عن جدية رموز جبهة الإنقاذ الوطني في الالتزام بأسلوب الحوار إذا كانوا يريدون إسقاط النظام بواسطة حشد المسيرات، والضغط بالمظاهرات، والاحتكام إلى الشارع لإسقاط ما تفرزه صناديق الاقتراع؟!

لقد شكلت وثيقة الأزهر التي وقع عليها عدد من قادة الأحزاب السياسية، وممثلو الكنائس المصرية، ورموز العمل الفكري بادرة أمل للخروج من دوامة العنف، وحالة اليأس والفوضى التي أزمت الأوضاع في مصر، خصوصا بعد احتفال أبنائها بذكرى أعظم إنجاز ديمقراطي في تاريخها الحديث، فتحولت الأفراح إلى جراح، وتواجه حلفاء الأسى في الساحات والميادين بكل أساليب ووسائل العنف اللفظي والجسدي، بعد أن تكاتفوا قبل عامين لإسقاط نظام الفساد والاستبداد، الذي جَثِم على صدر مصر ثلاثين سنة، فأذل العباد، وأفقر البلاد، وحول مصر من دولة رائدة في العالم العربي، وقائدة في القارة الإفريقية إلى دولة تعيش على مساعدات أمريكا، وتتحالف مع إسرائيل ضد مصالح أشقائها من العرب والفلسطينيين، وتخشى غضب كينيا وإثيوبيا إن زادت حصتها من مياه النيل!

ولكن للأسف لم تصمد طويلا الآمال المعلقة على وثيقة الأزهر التي بادر بها بعض شباب الثورة، وتبنتها مشيخة الأزهر باعتبارها ممثلة لمؤسسة دينية ووطنية عريقة، تحظى بالاحترام لإيجاد مخرج من حالة الاستقطاب السياسي الشديد بين فصائل التيار الإسلامي، وحركات التيار العلماني، وبقايا النظام المنهار.

لقد نصت وثيقة الأزهر على التأكيد على حرمة الدماء والممتلكات الوطنية العامة والخاصة، ونبذ العنف بكل صوره وأشكاله، وإدانته الصريحة القاطعة، وتجريمه وطنيا، وتحريمه دينيا.

كما اعتبرت اللجوء إلى العنف والتحريض عليه، والسكوت عنه، وتشويه كل طرف للآخر، وترويج الشائعات، وكافة صور الاغتيال المعنوي للأفراد والكيانات الفاعلة في العمل العام جرائم أخلاقية.

كما نصت وثيقة الأزهر على واجب الدولة ومؤسساتها الأمنية في حماية أمن المواطنين وسلامتهم، وصيانة حقوقهم وحرياتهم الدستورية، والحفاظ  على الممتلكات العامة والخاصة في إطار احترام القانون وحقوق الإنسان دون تأخر، ولكن وقبل أن يجف حبر الوثيقة تنصل المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، أحد قادة جبهة الإنقاذ الوطني، وزعيم التيار الشعبي، من توقيعه على الوثيقة، وأكد أن توقيعه لم يكن توقيعا على وقف ما أسماه “الموجة الثالثة” لحماية الثورة، ورهن دخوله في الحوار ب”وقف القتل ونزيف الدم، وغل يد الشرطة، ورفع حالة الطوارئ كليا في بور سعيد والسويس والإسماعيلية”.

فكيف يمكن للمواطنين أن يمنحوا ثقتهم لمن يوقع في المساء على وثيقة تعترف بواجب الدولة، ومؤسساتها الأمنية حماية أمن المواطنين، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، ثم يطالب في الصباح بغل يد الشرطة، وترك المخربين يعيثون فسادا في الأرض، وترويع الآمنين، وحرق المؤسسات، والاعتداء على الممتلكات؟!

وكيف يصادق أعضاء من جبهة الإنقاذ التي دعت إلى المظاهرات والاعتصامات على بند من الوثيقة يعتبر “التحريض على العنف والسكوت عليه، وتشويه كل طرف للآخر”، ثم يقول خطيب الجمعة في ميدان التحرير، وهو أمين الإعلام في حزب التجمع الذي يعتبر فصيلا أساسيا في جبهة الإنقاذ والمعارضة “إننا في جمعة الخلاص من الاحتلال الإخواني..”، ويتهم الرئيس مرسي وجماعة الإخوان والسلفيين بالعمل لخدمة الصهيونية، وتنفيذ مخطط خارجي؟!

ألا يلتقي كلام هذا الخطيب المدافع عن تحقيق أهداف الثورة –في زعمه- مع مرشح فلول نظام مبارك لرئاسة الجمهورية الفريق أحمد شفيق، الهارب إلى دولة الإمارات، بأن “جماعة الإخوان هي جماعة محتلة لمصر وأنها ستدفع الثمن”؟!

وبأي منطق تسعى قناة تلفزيونية مصرية مؤيدة لجبهة الإنقاذ، ومعارضة لجماعات الإخوان وحكم الرئيس مرسي، إلى تشجيع انفصال محافظة مصرية عن الوطن الأم، وتركز في تغطيتها بصفة مثيرة للريبة على شعار: “الشعب يريد استقلال بورسعيد”، وتسلط عين الكاميرا على ما يبدو أنه يمثل راية جديدة لدولة بورسعيد المزعومة ويستفيض مراسل تلك القناة في شرح معنى ورموزه ألوان تلك الراية الجديدة، علما بأن رفع بعض الشباب لتلك الراية يمثل في أغلب الظن حدثا عرضيا مؤقتا، دفع إليه شباب بورسعيد غضبا لأرواح أبناء تلك المحافظة المجاهدة، ذات التاريخ الوطني المجيد، الذين سقطوا في المواجهات التي تلت صدور حكم الإعدام على عدد من المتهمين في مأساة ملعب بورسعيد، التي قتل فيها العشرات من أنصار النادي الأهلي القاهري خلال مقابلة كروية بين الأهلي وفريق بورسعيد الكروي، وما زالت جراحها حية، وآثارها متفاعلة، ولكن أهالي بورسعيد لن يرضى عن الانتماء إلى الوطن المصري الكبير بديلا؟!

إن المعارضة العلمانية التي كانت ترفع شعارات السلمية، ونبذ العنف، والاحتكام إلى الأسلوب الديمقراطي للتداول على السلطة، تبدو اليوم في إصرارها على إسقاط النظام، واستغلال كل الوسائل للوصول إلى هذا الهدف، بما في ذلك استخدام العنف والتحريض عليه، وكأنها تضع الوحدة الوطنية والحفاظ على كيان الدولة في مرتبة متأخرة عن تحقيق مصالحها السياسية العاجلة!

ولعل ما يقوم كمؤشر على ذلك هو هتافات المتظاهرين في ميدان التحرير في “جمعة الخلاص”، التي نظمت بدعوة من فصائل جبهة الإنقاذ الوطني، وبعض الحركات الشبابية يوم الفاتح فيفري 2013، بعبارة تعدت حدود الاستفزاز إلى الإعلان الصريح عن تبني خيار العنف، والإشادة به، وذلك حين قال المتظاهرون: “كلنا بلاك بلوك”!

وذلك بعد أن قررت النيابة العامة في مصر اعتبار جماعة “بلاك بلوك” (الكتلة السوداء) جماعة إرهابية يجب القبض على أعضائها ومحاكمتهم، ولم يخف أعضاء جماعة “بلاك بلوك” أنهم استخدموا العنف ضد جماعة الإخوان المسلمين، وتسببوا في حرق مقراتهم، والهجوم عليهم في أحداث قصر الإتحادية!

إن تصاعد أعمال العنف والتخريب من طرف عصابات ملثمة، وعدم إقدام زعماء الأحزاب المعارضة على سحب الغطاء السياسي عن تلك الأعمال المخالفة للقانون، والمتعارضة مع حق التظاهر السلمي، والتعبير عن الرأي بالطرق المشروعة، جعلت جريدة “واشنطن بوست” الأمريكية، تصف حشود المتظاهرين في الشوارع المصرية بأنهم “لا علاقة لها بالثورة التي أطاحت بالرئيس مبارك من الحكم قبل عامين، ولكنهم عصابات من المخربين، وبقايا قوات الأمن في النظام المخلوع، وعناصر فاسدة من جهاز الشرطة، لا يخضعون لأية سلطة سوى أنفيهم”.

ورغم اتضاح الصورة للجميع، يكتب أحد الصحفيين في جريدة مؤيدة لجبهة الإنقاذ، ومعارضة لحكم الرئيس مرسي، بتاريخ 28 جانفي 2012، قائلا: “ما يجري على أرض المحروسة ليس وليد الصدفة، فالقتل والحرق والسطو الذي يظهر مع خروج قوى المعارضة يوم الجمعة الماضي للمطالبة بإسقاط الدستور، ورفض ديكتاتورية مرسي، ومحاولة جماعة الإخوان المسلمين سرقة مصر، يجعلنا نصل لنتيجة واحدة هي أن كل ما يجري الآن إما بفعل إخواني، أو تخطيط منهم في محاولة لتشويه صورة المعارضة المصرية، وهي الطريقة التي كان مبارك يستخدمها مع خصومه، ولن أكون مبالغا أن الجماعات الملثمة التي ظهرت في الشارع الآن، ربما وراءها قيادات إخوانية تشجعها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، المهم أنني أشم رائحة الإخوان في كل عمليات العنف المنظمة التي تجري الآن في عدد كبير من محافظات مصر”. يا له من إصرار على قلب الحقائق؟!

ربما يتوجب على الذي يريد أن يتأكد من “ديكتاتورية” الرئيس مرسي أن يستمع إلى هذا الكم الهائل من الشتائم والتهديدات، وعبارات التفكه والتنذر والسخرية من الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين في قنوات “أون.تي.في”، و”سي.بي.سي”، و”دريم”، و”النهار”، و”القاهرة”، و”الناس”، و”المحور”، و”القتال”، وفي جرائد “المصري اليوم”، و”اليوم السابع”، و”الوطن”، و”الشروق”، بل وحتى في قنوات “النيل” العمومية، وجريدة “الأهرام” التي كانت تسبح بمحمد حسني مبارك مع طلعة كل شمس!!

وإذا كانت المعارضة العلمانية، وفلول النظام المنهار يعتقدون أنهم يتحدثون باسم الشعب المصري، ويسعون إلى تخليصه من احتلال جماعة الإخوان المسلمين لمصر، واستيلاء محمد مرسي على كرسي الحكم، فلماذا لا يقنعون الشعب المصري بأن يمنحهم ثقته، ويصوت لهم بأغلبية في الانتخابات النيابية القادمة تمكنهم من تشكيل الحكومة، وتعديل الدستور، وتحييد الرئيس مرسي في الحكم، إلى غاية تنظيم انتخابات رئاسية مقبلة، أليست هذه هي الديمقراطية يا دعاة الديمقراطية؟!

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق