أركان خاصةمختارات أدبية

محبّة العربية من شعائر الدين /إبراهيم نويري

  AR بَلغتْنا عن سلفنا السروف*، مقولاتٌ رائعة تترجم في مجملها عن حب وإعزاز عارم للّغة العربية لا نكاد نجد له نظيراً في زمننا هذا، ولذلك دلالات قوية، هي بمثابة بصمات على صحة انتمائهم لهويتهم وثقافتهم وأرومتهم. فهذا الإمام أبو منصور الثعالبي النيسابوري، رحمه الله، صاحب الأسفار النفيسة، التي منها كتاب(فقه اللغة وسر العربية) وكتاب (سر البيان) وكتاب (سحر البلاغة وسر البراعة) وكتاب (يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر) وغيرها كثير..يعرض لهذه المسألة فيقول: مَن أحبّ الله تعالى أحبّ رسوله، صلى الله عليه وسلم، ومَن أحبّ الرسول العربي أحبّ العربَ، ومَن أحبّ العرب أحبّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العرب والعجم، ومَن أحبّ العربية عُني بها وثابر عليها، وصرفَ همته إليها، ومَن هداه الله للإسلام وشرحَ صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمداً، صلى الله عليه وسلم، خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، وأن الإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد.

وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يعتبر تعلّم اللغة العربية والتفقه في أسرارها وآدابها، يوازي التفقه في الدين، ويقول: “تفقهوا في الدين، وتفقهوا في السنة، وتفقهوا في اللغة العربية، فإنها من دينكم”؛ كما كان يعتقد بأن الخطأ في الرمي أهون من الخطأ في اللغة، وفي هذا المقام جاء في بعض الروايات أن أمير المؤمنين مرّ على قوم يسيئون الرمي، فأنّبهم على ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين: إنا قوم متعلمين!  بدلا من “متعلمون”، فضجر عمر، رضي الله عنه، مما سمع، ثم قال قولته المشهورة المدويّة: “والله لخطأهم في رميهم أهون عليّ من لحنهم وخطئهم في لسانهم”.

 أيضا يروى عن الخليفة عبد الملك بن مروان ـــ خامس الخلفاء الأمويين ـــ أنه كان من القلائل الذين لا يُلحنون لا في جدّ ولا في هزل! وكان يردد في مجالسه: اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب، والجدري في الوجه!

  وجاء أيضا في ترجمة أبي الريحان البيروني، إشارة طريفة، تنمّ بحق عن مدى اعتزاز سلفنا من أهل العلم والمعرفة والاستقامة والصلاح، بلغة القرآن والوحي الخاتم. إذ إنه كان يقول: لئن أُشتَم بالعربية، خير لي من أن أُمدَح بالفارسية! على الرغم من كونه أوزبكي الأصل!

  فأين هذه المعاني من الأجيال المعاصرة؟ إن الغزو اللساني والثقافي استطاعا تغيير المفاهيم والرؤى والتصورات، حتى ليحسب البعض ــ من أبناء جلدتناــ أن ما أوردناه قبل قليل إنما هو ضربٌ من الأوهام والمبالغات التاريخية التي لا تستقيم مع الأذواق والتصورات الحداثية المعاصرة!

    ولعل ما يحزّ في النفس والضمير أن الكثير من الهيئات العالمية، والدارسين الغربيين، يدركون قيمة اللغة العربية وخصائصها أكثر بكثير مما يدركه أبناؤها! فهذا المستشرق الفرنسي ماسينيون يصرّح بأن “المنهج العلمي انطلق أول ما انطلق باللغة العربية، ومنها انتقل إلى الحضارة الأوروبية، فاللغة العربية أداة خالصة لنقل بدائع الفكر في الميدان الدولي، وإن استمرار حياة اللغة العربية دوليا لهو العنصر الجوهري للسلام بين الأمم في المستقبل”.

 كما أدركت هيئة الأمم المتحدة منزلة اللغة العربية، فجعلتها ضمن اللغات الست المعتمدة لديها، وهي:(الإنجليزية والإسبانية والعربية والفرنسية والروسية والصينية) وجعلت لكلّ منها يوما عالميا للاحتفاء ..فيوم 23 أبريل هو اليوم العالمي للاحتفاء بالإنجليزية، ويوم 12 أكتوبر للإسبانية، ويوم 18 ديسمبر للعربية، ويوم 20 مارس للفرنسية، ويوم 6 يونيو للروسية، ولم تحدد بعدُ الهيئة  الأممية اليوم العالمي للغة الصينية في حدود علمي، لأن ذلك ينبغي أن يتمّ بالتوافق بين الهيئة وأهل اللغة أو ممثلها الرسمي. وقد سارت جميع الهيئات والمنظمات التابعة للهيئة الأممية ـ كمنظمة اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية واليونسيف وغيرها ـ على المنوال ذاته من جعل اللغة العربية لغةً رسميةً ضمن اللغات الست المعتمدة لديها على المستوى العالمي.

 لقد بدأت مطاردة العربية الفصحى مع مجيء الاستعمار العسكري إلى ديارنا، لكنها بقيت متواصلة مع ضراوة الغزو الثقافي واللساني الغربي، ودليل ذلك أن اللغة العربية لا وجود لها في عدة ميادين مثل الفنادق الكبرى، والهندسة والطب والصيدلة..وهو أمر يترجم بوضوح عن فشل الذائدين، كما يثبت صحة ما صرخت به اللغة العربية على لسان حافظ إبراهيم رحمه الله:

رَمَوْني بعُقْم في الشباب وليتني    

عقمتُ فلم أجزع لقول عداتي

وكانت النتيجة الحتمية لضراوة الهجوم وضعف خطط الدفاع، أن ساد التعبير الهابط، وغلبت اللهجات السوقية، والكلمات الحوشية على ألسنة الناشئة، وبهتت ملامح الشخصية العربية، جراء هذه الأخلاط المستغربة في التعبير!

  فليعلم أهل لغة الضاد أن اختيار القدر الأعلى للغة العربية وعاءً لحفظ الوحي الخاتم، إنما هو آية وإعلان فصيح صريح عن صلاحية اللغة العربية علميا وإنسانيا وجماليا، لحمل قيم ومفاهيم الحضارة وتوجيهها وترشيدها، لأن اللغة التي تتسع لحقائق الغيب والشهادة، لابد أنها أقدرُ على التعبير عن أيّ مستوى من مستويات تقدم الإنسان وحضارته ومنجزاته، عبر مختلف محطات تاريخه، كما أن ارتباط العربية بالوحي وخلاصته الأخيرة ــ القرآن الكريم ــ هو أشبه بالعملة الورقية المضمونة برصيد من الذهب، وهذه نعمة جليلة على العروبة يجب أداءُ شكرها، لأن نسيانها، بلْهَ التجهّم لها، إنما هو جريمة تقتضي القصاص في العاجلة قبل الآجلة.

ــــــ

السروف: العظيم

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق