أحداث دولية

رحيل المفكر جمال البنا الشقيق الأصغر لمؤسس جماعة “الإخوان المسلمين”/محمد مصطفى حابس

DJAMEL EL BENNAشيعت بعد عصر يوم الاربعاء 30 يناير/ جانفي 2013 ، جنازة المفكر الإسلامي الراحل “جمال البنا” مؤسس “دار الفكر الاسلامي”، من مسجد علي بن أبي طالب بالدقي ، حيث أقيمت صلاة الجنازة، وتم دفنه بمدافن أسرته بشارع حسن البنا بالسيدة عائشة، بعد أن وافاه الاجل بمستشفى الزراعيين بالدقي بالقاهرة عن عمر يناهز 93 عاما، رحمه الله.

ويعتبر المفكر الإسلامي الراحل الأستاذ جمال البنا، صاحب كتابات جدلية في قضايا إسلامية، ورغم أن المكتبة العربية تزخر بما يربو عن 150 كتابا، إلا أنه أيضا صاحب العديد من الآراء الفقهية التي يعتبرها بعض العلماء مخالفة للإجماع؛ فهو يرى أن المرأة أحق بالإمامة من الرجال إذا كانت أعلم بالقرآن ، كما يرى أن الحجاب ليس فرضاً على المرأة خاصة في الغرب، كما يذكر جمال البنا بأنه لا يجوز للرجل أن يطلق زوجته منفردا، وذلك كونه تزوج منها بصفة رضائية وبالتالي يتوجب الطلاق رضا الطرفين واتفاقهما لكي يتم الانفصال بينهما، .. و آراء أخرى جعلتني قبل أن التقي به في نهاية تسعينات القرن الماضي وكنت حتى قبلها وأنا شاب، طالب علم، كما يحلو للبعض قوله، كنت “مطعما” ضد بعض أفكاره من جهة، و معجبا نوعا ما بشخصه، ليس فقط ، لأنه شقيق الإمام  حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، رحمه الله.

 بل لدوره النضالى تاريخيا على أرض الواقع فى أكثر من مجال، أذكر منهم هنا مجالين اثنين، المجال الأول: هو مساعدة المسجونين السياسيين، حيث أسس جمعية لمساعدتهم، وجاء ذلك أصلا بمناسبة الصدام الأول بين “جماعة الإخوان المسلمين” والرئيس جمال عبدالناصر فى عام 1954 والحكم على أعداد من قيادات وكوادر وأعضاء الجماعة بالسجن، هذه المساعدة التي انبرت لها جمعية العلماء المسلمين الجزائرية أثناء الثورة الجزائرية  بمواقف رجالها أمثال الشيخ الابراهيمي و الورثلاني و غيرهم.. بل حتى بعد الاستقلال عام 1965، بحيث حلت جمعية العلماء في عهد الرئيس بن بلة بإيعاز من جمال عبد الناصر، بعد تنديدها حينها بحكم الإعدام في شخص المفكر الاسلامي سيد قطب رحمه الله.

أما المجال الثانى فهو مجال العمل النقابى العمالي، وتحديدا جهوده الدءوبة فى إطار “الاتحاد الإسلامى للعمل” الذى كان محاولة جادة لإقامة وكالة متخصصة للدول الإسلامية معنية بقضايا العمل على نسق “منظمة العمل الدولية”، وهو جهد كان مؤمنا به إلى أقصى الحدود، ومن أجله كان كثير السفر لمدينة جنيف لحضور المؤتمر السنوى لمنظمة العمل الدولية بهدف تمثيل “الاتحاد الإسلامى للعمل” فى فعالياته، وأيضا لا ننسى زياراته العائلية في سويسرا، للقاء سهره الدكتور سعيد رمضان رحمه الله، و زوجته السيدة وفاء بنت الإمام حسن البنا ووالدة كل من الاخت أروى والاخوة أيمن و بلال و ياسر و طارق  المفكر الاسلامي المعروف و هاني رمضان المدير الحالي للمركز الاسلامي بجنيف.

ليس أضر على الدين من مقولة” لم يترك الأوائل للأواخر ما يقولون فيها”

 ومما شجعني للحضور لبعض ندواته في المركز الاسلامي بجنيف، تبصيرنا ببعض أولويات العمل الإسلامي خاصة النقابي والبرلماني. ومما حفزني أكثر على ذلك الحضور، العمل بوصية إمامنا الشيخ محمود بوزوزو، رحمه الله (من تلامذة الشيخ العلامة بن باديس، و أول إمام لمسجد جنيف بسويسرا في بداية الستينات)، ما ملخص قوله: “أن في القرآن الكريم الإعجاز البياني والعلمي كما فيه من الإعجاز التشريعي والإصلاحي، وإذا كان الأوائل وقفوا في بعض النصوص عن ما تتيحه  الألفاظ، فإن من المتأخرين من أعاد قراءة هذه النصوص، فكشفوا عن معجزات علمية خدمت العقيدة خدمة جليلة، ولا ريب أن يصل الأواخر في ذلك إلى ما لم يصل إليه الأوائل، وإذا ساغ ذلك في مجال العلم فهو سائغ في مجال التشريع بلا شك، بل قال ابن عبد البر:” ليس أضر على الدين من مقولة: لم يترك الأوائل للأواخر ما يقولون فيها.”
وصاحب هذه السطور ليس فقيها في العلوم الشرعية ليتشعب في الفروع، بقدر ما هو دارس ومراقب وممارس، بل قل انطلاقا من كونه مسلما يعيش في البيئة الغربية، واقفا على رأس مؤسسة معنية بالتواصل والتفاهم المتبادل بين المسلمين من جهة والأخرين من جهة ثانية، وطرف محوري ممثل للإسلام في مجلس حوار الأديان السويسري، همه وما يشغله دائما هو مطلب الارتقاء بالعلاقات التفاعلية بين أبناء البلد الواحد مهما اختلفت عقائدنا ومذاهبنا، عملا بالتوجيه القرآني البليغ، في قوله تعالى:[لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المقسطين]

إسهامات الأستاذ جمال البنا ودوره فى تجديد الفكر الإسلامى:

وبالتالي يبقى المجال الأهم  لنا في هذا المقام، هي إسهامات الأستاذ جمال البنا – رحمه الله – و دوره فى تجديد الفكر الإسلامى، حيث صدر له عشرات الكتب، وفى أكثر من طبعة، سواء عن “دار الفكر الإسلامى” التى أسسها مع شقيقته الراحلة رحمها الله، أو عن دور نشر أخرى، خاصة دار الشروق، وهي كتب تناولت موضوعات محورية وأيضا شديدة الحساسية وشكلت مثارا للجدل والخلاف فى الفكر الإسلامى، وتضمنت عمله الضخم المكون من ثلاثة أجزاء حول السنة النبوية الشريفة والتى شملت دعوته إلى إعادة تحقيق السنة على أساس المتن (المضمون)، وذلك بالإضافة إلى ما تم من قبل على مدار التاريخ من تحقيق السنة النبوية الشريفة على أساس سلسلة الإسناد من الرواة، وهى منطقة وعرة فتحت عليه الكثير من الانتقادات، وفيهم حتى من استغله  للإلتفاف على بعض مقاصد الشريعة، كالكاتب المسيحي سامي الذيب المعروف ببعض كتاباته الشاذة عن الاسلام و المسلمين، المشرف الاسبق على مكتبة ” معهد القانون المقارن” بجامعة لوزان السويسرية.

ولم تكن هذه المسألة هى الوحيدة المثيرة للجدل فى فكر الراحل الكريم، بل هناك مثلا كتابه المهم: «الإسلام دين وأمة وليس دينا ودولة»، والذى رفض فيه ما اعتبره نظرة ضيقة الأفق للإسلام. وارتبط بهذه المسألة خصوصية معالجة الأستاذ جمال البنا لمسيرة حركات الإحياء الإسلامى الحديثة والمعاصرة، بما فيها “جماعة الإخوان المسلمين” ذاتها، كما تضمن ذلك رؤية مستقبلية لما ستكون عليه هذه الحركات من جهة، ولما يجب أن تكون عليه من منظور صالح الدعوة الإسلامية من جهة أخرى..

ولكن من الذين أنصفوه يرون أن آراءه وأفكاره تدخل فى إطار الاجتهادات الشخصية والشاذة أحيانا، التى قد نتفق معها أو نختلف، ولكنها تصب ضمن جهود متراكمة هدفت لتجديد الفكر الإسلامى استمرارا لجهود آخرين سبقوه وتزامنا مع جهود معاصريه ومقدمة لجهود من سيأتون بعده، و مجهوداته هذه تدخل في خانة  قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من اجتهد وأخطأ فله أجر ومن اجتهد وأصاب فله أجران».

تعـــــزيــــــــة:

وبمناسبة هذا المصاب الجلل تتقدم الجالية المسلمة في سويسرا بتعازيها القلبية للحاجة  وفاء بنت الإمام حسن البنا و كافة أفراد عائلة الفقيد كل من الاخت أروى والاخوة أيمن و بلال و ياسر و طارق  رمضان  المفكر الاسلامي المعروف و هاني رمضان المدير الحالي للمركز الاسلامي بجنيف.

 أخيرا و إذ نبتهل إلى الله العلي القدير أن يدخل المرحوم جنة أعدت للمتقين، فإننا ندعوه سبحانه  أن يرحم الأستاذ جمال البنا رحمة واسعة ويلهم أسرته وأحباءه وتلاميذه الصبر الجميل

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق