أحداث وطنية ومحليةحدث وتعليق

هل الإصلاح التربوي ممكن في ظل الظروف الراهنة للجزائر…؟/ الأستاذ :محمد العلمي السائحي

SAIHIشرعت وزارة التربية الوطنية في عملية تقييم مناهج التعليم الابتدائي والإكمالي، قصد إدخال التعديلات الضرورية لتصحيح مسار الإصلاحات التي فرضتها لجنة بن زاغو على منظومة التربية الوطنية، وجاء ذلك استجابة-   على ما يبدو –   للانتقادات المبررة، التي وجهتها أطراف عديدة فيما مضى لإصلاحات بن زاغو

ويبدو أن إصلاح الإصلاح هذا الذي تعتزمه  وزارة التربية الوطنية، سيقتصر على الجوانب الشكلية ولن يمس جوهر المنظومة التربوية في شيء، مادام يهدف – بحسب ما تردد-  إلى التخفيف من كثافة المنهاج ومراجعة التوقيت،  في حين أن  إصلاحات بن زاغو انتقدت، لأنها جارت العولمة على حساب البعد الوطني، وجاملت الفرنسية على حساب العربية، وتبنت نظرة العلمانيين للدين والأخلاق، بدل الالتزام بمقومات الشعب الجزائري العربي المسلم، أي أن الانتقادات كانت تتعلق بالجوهر أكثر من تعلقها بالشكل والعرض، و إذا لم يكن للجنة بن زاغو في ظل الظروف التي واكبت عملها، أن تقترح غير تلك الإصلاحات التي جاءت بها، حيث أن الوضع الدولي كان – آنذاك – معاد للعرب والمسلمين، إذ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي على إثر هزيمته في أفغانستان، تحول العداء المصروف سابقا للاتحاد السوفيتي، إلى الإسلام، باعتباره يشكل خطرا على القوى الدولية الطامحة للهيمنة على العالم، وعلى الصعيد الداخلي المحلي، كان فوز التيار الإسلامي في الانتخابات التشريعية سنة 1991، سببا مباشرا لاستعداء العلمانيين في الجزائر على كل ما له علاقة بالعروبة والإسلام، ولغيبة مشروع اجتماعي وطني بفعل الأزمة السياسية الحادة التي كانت تعيشها الجزائر غُيب البعد المحلي الوطني من المنظومة، وتم تبني النموذج الإنساني الغربي والفرنسي على وجه الخصوص، لاتساقه مع ثقافة منظري هذه اللجنة، وبفعل عدم اتفاق القيادة السياسية الوطنية على مشروع وطني واحد مُجمَع عليه، يساعد على تحديد ملمح النموذج الإنساني الذي ينبغي أن تعمل المنظومة التربوية على التركيز عليه، والاجتهاد في الوصول إليه، فجاءت إصلاحات بن زاغو لتشن حربا ضارية على كل ما له علاقة بالعروبة والإسلام، بحكم تلك الظروف التي ذكرنا، وإذا كانت تلك الظروف الخارجية والداخلية تبرر الإصلاحات التي تبنتها لجنة بن زاغو، فإن الواقع الدولي والوطني قد تغير اليوم، ومن ثم فقد توجب علينا بحكم هذا الواقع الجديد، أن نعيد النظر في أهداف ومقاصد الإصلاح ، حتى يكون له معنى، ويستحسن – فيما نرى – تأجيل الإصلاح إلى أن يتم الاستفتاء على الدستور ذاته، حتى يتسنى استلهامه في ضبط أهداف وغايات الإصلاح، وتعيين ملمح الشخصية الوطنية المرغوبة، حيث أن ديباجة الدستور عادة ما تتضمن تصور القيادة السياسية لما ينبغي أن تكون عليه الجزائر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ومن شأنه ذلك أن يساعد رجال الإصلاح على تحديد اتجاه الإصلاح وضبطه، وإنه لمن الأهمية بمكان معرفة التوجه بشكل دقيق، فهو الذي يساعد على تحديد نوعية مضامين المناهج، ونوعية الطرق والوسائل التعليمية الأكثر ملاءمة لتحقيق أهداف وغايات الإصلاح. ثم لا بد من معرفة نمط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي يطمح إليها أصحاب الشأن والقرار في الجزائر، حتى يمكن ضبط ملمح النموذج المعرفي المطلوب الذي يستجيب فعليا لنمط التنمية الاقتصادية والاجتماعية المقترحة، وحتى نضمن أن يكون التعليم هادفا ولا يجري في فراغ، وباعتبار ذلك كله نرى أن الظروف الراهنة للجزائر غير ملائمة لإجراء الإصلاح التربوي، وهو ما يدعونا لاقتراح تأجيله إلى حين  الفراغ من صياغة الدستور والاستفتاء عليه، والاطمئنان لاستقرار الأوضاع السياسية واتضاح الرؤية، فعندها فقط، يصبح الإصلاح التربوي ممكنا وضروريا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق