أحداث وطنية ومحليةحدث وتعليق

ملفات الجزائر.. /التهامي مجوري

MAJOURIعندما ينظر المرء في واقعنا الاجتماعي والثقافي والسياسي، يرى أن هذا الواقع ليس مجرد قضايا معلومة الأسباب محددة المنطلقات فيمكن معالجتها، وإنما هو جملة من الملفات الكبرى، التي لا نرى منها إلا الأعراض، اما جواهرها، وأسبابها الحقيقية، ومآلاتها وشخوصها فالله أعلم بكل ذلك وبما يحيط به.

فعلى مستوى الأشخاص، تجد جميع الجزائريين يتكلمون عن ضمير غائب تقديره “هم”، قكل الناس يتكلمون عن هؤلاء الـ”هم”، لكن لا أحد يعرفهم، فالمسؤول يتكلم عن الناس الذين يخربون ويتلاعبون ويفسدون ولا يصلحون، والشعبي البسيط يتكلم عن الفاسدين وعن الذين خربوا البلاد وساقوها إلى الهاوية، وعن الرشاوي والفساد الإداري والإقتصادي والسياسي، وكل فرد او مجموعة يتكلم عن هؤلاء الذين ألصقت بهم كل الجرائم ولكن من غير أن يحددهم في وزير أو رئيس أو مؤسسة أو فئة من الناس.. وإنما هكذا هي امور عائمة لا سائل فيها ولا مسؤول.

فهذا هو اول الملفات، وهو ملف تحمل المسؤولية والاستعداد للمحاسبة، ومحاسبة كل من كلف بعمل، وهذا النهج لا يستقيم مع ترقية من فشل في مهمته التي أسندت إليه، او التغاضي على من قصر في مهمته، لا سيما واننا كلما تقلد مسؤول مهمة في الدولة الجزائرية إلا وذهب يعدد نقائص القطاع الذي تولاه، وكأن القطاع لم يكن فيه احد، ولا أحد كان مسؤولا عليه، وهنا لا يمكننا أن نصدق الذاهب والقادم معا، فإما أن يكون المغادر أو المبعد كان يكذب علينا فيما كان يعدد من إنجازات، او أن القادم يكذب عليها فيما يدعي من نقائص وجد عليها قطاعه..، وهذه مشكلة وهي ليست في قطاع واحد، وإنما في جميع القطاعات، فقطاع التربية مثلا بقي فيه بن بوزيد ما لم يبق فيه وزير في الدنيا، ومع ذلك ها هو القطاع يلوح بالمراجعات والإصلاحات..

اما الملف الثاني، فهو ان المسؤولين يتكلمون عن ارتياح اقتصادي ونمو وتحسن، في حين ان الواقع لا يصدق هذا الإدعاء، فعلى مستوى العملة الجزائرية مثلا، أقل قطعة نقدية رسميا هي 25 سنتيما، وعمليا هذه القطعة اختفت، واختفت معها قطعة الـ50 سنتيما، وتكاد تختفي معها قطعة الدينار، بحيث تكاد تكون قطعة الـ5 دنانير هي أقل قطعة متداولة.. وذلك يعني ان مستوى التضخم في تصاعد، أي بلغة الأرقام أن مبلغ 5 دنانير قيمته الحقيقية في المجتمع الجزائري هي 25 سنتيم، والسبب في ذلك أن المجتمع منساق إلى أسواق الإستهلاك، بسبب الفساد السياسي والمالي، وليس منقادا إلى مصانع الإنتاج، والمجتمع المستهلك لا قيمة له في سوق العمل ولا قيمة لعملته في عالم النقود؛ إذ عندما يستهلك أكثر مما ينتج أو يستهلك من غير أن ينتج، فإن قيمة عملته تسقط بالقدر الذي يضعف فيه الانتاج.

الملف الثالث، هو الجانب الإجتماعي وهو مشكلة المشكلات، ولكنه المشكلة التي تخبئها الترقيعات الجزئية المتمثلة في الكذب النقابي والتحايل الرسمي، والتي لا تريد ان تكشف عن حقيقة المرض، الذي هو في جوهره ثقافي وسياسي، حيث لا يوجد مشروع ثقافي يعمل على صناعة العنصر الوطني المنتج ماديا ومعنويا، بحيث سقطت جميع المرجعيات والشرعيات التي كان يتمتع بها المجتمع الجزائري. فالجزائري الذي كان عندما يشرع في عمل ما، يتساءل عما مدى شرعية ما يقوم، هل هذا يجوز؟ هل يسمح به القانون؟ أليس هذا عيب؟ ماذا يقول الناس عنه إذا ما قام بهذا العمل؟ كل هذه المعاني قد اختفت وعوضت بـ”احييني اليوم واقتلني غدوة”، أو بالقيام بالفعل من غير سؤال ولا بحث في ما مدى المشروعية.

الملف الرابع، وهو الملف الثقافي الذي تصنعه التربية والخيارات السياسية الناضجة، ومثلما قلنا عن الواقع الإجتماعي وافتقاره إلى خطاب ثقافي يصنع العنصر المنتج، نقول عن افتقار المشروع الثقافي الذي يصنع الشعرية في المجتمع إلى عمل تربوبي تساهم فيه جميع مؤسسات الدولة متحجانسة متناغمة، من مدرسة وإعلام وانتاج إلعلامي وخطاب سياسي…إلخ.

إن قائمة ملفات الجزائر لا تزال طويلة ولكن في اعتقادي ان هذه الملفات الأربعة هي المكلفات العاجلة.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق