بحوث و دراسات

جمعية العلماء وسلفية مدرسة المنار/د. محمد دراجي

ABDOUلا يمكن أن يكتمل الكلام ويكون مفيداً يحسن السكوت عليه عند الحديث عن سلفية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، دون الإشارة إلى مدرسة المنار التجديدية العتيدة، وأعلامها الكبار المصلح الثائر جمال الدين الأفغاني، والمفكّر المجدّد الشيخ محمد عبده، والعالم الموسوعي الأثري المفسر الشيخ محمد رشيد رضا، أولئك الأساطين العظام الذين أسسوا لسلفية عقلانية متجددة، تختلف عن السلفية في طبعتها الوهابية.

وأحبّ أن أضع بين يدي القارئ الكريم هذا النّص الذي يبيّن مفهوم الشيخ محمد عبده للسلفية، والأسس التي تقوم عليها، إذ قال رحمه الله في مذكراته: “ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمدين عظيمين:

-الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه، وأنّه على هذا الوجه يعد صديقا للعلم باعثا على البحث في أسرار الكون، داعيا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبا بالتعويل عليها في أدب النفس، وإصلاح العمل، كل هذا أعده أمراً واحداً، وقد خالفت في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة: طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن في ناحيتهم..

.. وهناك أمر آخر كنت من دعاته.. وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة، دعوناها إلى الاعتقاد بأنّ الحاكم وإن وجبت طاعته هو من البشر الذين يخطئون…”

وهكذا فمدرسة المنار الإصلاحية، مدرسة سلفية لأنّها جعلت من أهم أسس دعوتها تحرير الفكر من التقليد، والعودة في فهم الإسلام إلى متابعة الأولى قبل ظهور المدارس الكلامية، والمذاهب الفقهية، ولكنّها سلفية عقلانية منفتحة على التطور، وليست سلفية اجترارية لتراث الأقدمين والتعصب له كما فعلت الحركة الوهابية، إذ انكأفت على التراث، وتقوقعت داخله، وحاولت أن تحل كل المسائل من خلال فتاوى التراث، أما سلفية مدرسة المنار فإنّها تنطلق من الدين ونصوصه، والتراث وأعلامه لتنفتح على مشكلات العصر الأساسية كالاستبداد مثلا، ففي الوقت الذي تروّج الوهابية لفكرة عدم مشروعية الخروج على الحاكم الظالم المستبد، وينتهي الأمر، فإنّ مدرسة المنار تعالج قضية الاستبداد في إطار الحقوق الواجبة للحاكم على الرعيّة، والحقوق الواجبة للرعيّة على الحاكم، وتجتهد في الاستفادة من الآليات، والوسائل التي ابتكرتها الشعوب في محاربة الاستبداد، وتقليم أظافره، والسعي الجاد ليكون الحاكم أجيراً عند الأمّة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وترى بأنّه لا مانع من الاستفادة من تجارب الأمم في هذا المجال، باعتبار أنّ الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحقّ بها، وهي بهذا السعي اجتهدت أن تعود بصورة الحاكم إلى عهد السلف من الصحابة، الذين كانوا ينظرون إلى الحاكم بأنّه بشرٌ يصيب ويخطئ، ومن واجب الأمّة أن تصوّبه إذا رأت منه اعوجاجاً، ويرى هو بأنّه من الواجب عليه أن يعود إلى رأي الأمّة دون أن يجد في ذلك غضاضة أو إهانة.

والخلاصة أن ثمة فروقا جوهرية بين السلفية الوهابية، والسلفية المنارية –نسبة إلى مدرسة المنار-، وأنّ رجال جمعية العلماء كما أثنوا على بعض الجوانب في الحركة الوهابية، وانتقدوا فيها جوانب أخرى، فإنّهم قد أثنوا أكثر على أعلام مدرسة المنار، وكانوا أقرب إلى منهج هذه السلفية من السلفية الوهابية، فهذا الشيخ ابن باديس يقول مقوّماً الحركتين: “ولم تكن في الوهابيين كفاءة للقيام بتلك الدعوة العظيمة على هاته الطريقة الحكيمة، فخابوا وبقيت غايتهم مقصورة عليهم، ونهض بأعبائها الأستاذ الإمام والشيخ رشيد رضا وحزبهما، فملأوا بها الأرض وانتشروا مؤيدوها في العالم الإسلامي أي انتشار، ولا يزالون بحمد الله في ازدياد”.

ويقول الإمام الإبراهيمي في مقاله: “فلسفة جمعية العلماء”: “لا نزاع في أول صيحة ارتفعت في العالم الإسلامي بلزوم الإصلاح الديني والعلمي في الجيل السابق لجيلنا هي صيحة إمام المصلحين الشيخ محمد عبده –رضي الله عنه-، وأنّه أندى الأئمة المصلحين صوتا وأبعدهم صيتا في عالم الإصلاح”، ويقول كذلك عنه: “حجة من حجج الله في فهم أسرار الشريعة ودقائقها وتطبيقاتها، وفي البصر بسنن الله في الأنفس والآفاق، وفي العلم بطبائع الاجتماع البشري وعوارضه ونقائصه”، وهذا قليل من كثير، وغيض من فيض، من ثناء رجال جمعية العلماء على مدرسة المنار وسلفيتها، وعلى تأثرهم بمنهجها، وإيثارهم لهذا النموذج من السلفية، وعليه فإننا نستغرب كل الاستغراب أن يعمد البعض إلى بعض النقول والنّصوص عن علماء الجمعية أثنوا فيها على الحركة الوهابية، ليقول بأن الجمعية كانت وهابية.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق