أحداث دوليةحدث وتعليق

جون لوي ميشون العالم السويسري ، في ذمة الله /محمد مصطفى حابس

MICHONفجع مسلمو ومسلمات أوروبا، هذا الأسبوع ، بخبر رحيل رجل من أفذاذ الأمة، مترجم القرآن الكريم الدكتور” جون لوي ميشون”. ولئن كانت شخصية تستغني باسمها عن تراثها، فان الشيخ الجليل “علي عبد الخالق”، الذي اعتنق الإسلام عام 1945، بعد اطلاعه على مقال في ” المجلة  الافريقية” حول وفاة الشيخ أحمد العلوي الصوفي الجزائري، الذي كان قد توفي حينها منذ عشر سنوات خلت، مع إشارة لافتة في المقال تفيد بأن للقضية الجزائرية أتباعا و للإسلام أنصارا حتى في أوروبا ؟ فعزم الشاب ” جون لوي ميشون” أن يذهب  إلى المسجد لشهود الصلاة، وبعدها بأيام ليس ليعتنق الإسلام فقط، بمساعدة أحد أقرانه واسمه ” ميشال فالسان”(Michel Vâlsan) ، بل ليقرر أيضا تغيير اسمه ويختار لنفسه اسما جديدا هو “علي عبد الخالق”..  لتمتين علاقته بخالقه وبدينه الجديد، نعم “علي عبد الخالق” اسم مركب هكذا.. اسم كله علو وسمو روحي بل وتجرد وصفاء والتزام ونقاء وانقياد، في مجتمع غربي مادي موغل في الفحشاء – على حد تعبيره رحمه الله -.

 “علي عبد الخالق”، يبقى اسماً ‏يختصر تاريخاً زاخرا بالعطاء، وصوتاً يختزل أمة، في روحانيتها، وعقيدتها، وعلومها و إنسانيتها..

“علي عبد الخالق” ، اسماً يبقى ‏يختصر وعياً حمل هم الرسالة، ‏فكان أن اتحد بالرسالة وذاب فيها كما يقول المتصوفة، وتحرك بها عاملاً، فواعظاً ومرشداً، ليس فقط بلغته الاصلية الفرنسية بل وبالإنكليزية أيضا، ليلمع بعد ذلك نجمه بلغة الوحي الإلهي” اللغة العربية” عن طريق زملاء له، يتقدمهم الشيخ محمود بوزوزو عميد المهاجرين المسلمين بسويسرا، وسليل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الأمر الذي يسر له ولوج عالم ترجمة كتاب الله كاملا، وحرص منذ سنوات فقط، أن تتداول  ترجمته مجانا على الشبكة العنكبوتية جنبا إلى جنب مع ترجمة شقيقه في الاهتمام بالقرآن الكريم المرحوم محمد حميدو الله، بعد إنهائه لرسالة الدكتوراه حول ” المتصوف المغربي الإمام بن عجيبة ” التي قال لنا عنها في إحدى ندواته، أنها أتعبته كثيرا، لقلة المراجع وضعفه في اللغة العربية ولولا حرص ومساعدة شيخنا ” سيدي  محمود (بوزوزو)” – كما يحلو له أن يسميه- ما أنهيتها، و كادت أن تنهيني لولا أن سخر الله لي – سيدي محمود – صاحب الفضل الأول علي، بعد الله سبحانه، بحيث أمضيت أشهرا في بيته بجنيف، في التصحيح والمراجعات، وليعذرني اليوم أولاده، وزوجته المرحومة السيدة “لالة أمينة” التي أخذنا من وقتها الكثير، ليلا و نهارا، ولم تبخل علينا رغم ذلك بكل ما لذ وطاب من الأطعمة الجزائرية اللذيذة .‏. وتجدر الإشارة هنا إلى أن زوجة الدكتور ميشون اعتنقت الاسلام بدورها، لما التقت به في سويسرا كلاجئة يهودية من أصول بولونية.

 و منذ سنتين خلت لما دعوناه – رحمه الله- لندوة تكريمية نظمتها الجالية المسلمة بمناسبة رحيل المغفور له الشيخ محمود بوزوزو، رفقة أستاذنا الكبير الدكتور العربي كشاط – حفظه الله- ، كرر لنا نفس القصة قائلا :” حينما كنت أحضر في أطروحة رسالة الدكتوراه، استفدت من الشيخ بوزوزو، أولا، في إتقان اللغة العربية والتعمق في الإسلام عموما ” وأردف قائلا: “لولا سيدي محمود ما أنهيت رسالتي الجامعية ( الدكتوراه) بهذه الجودة وذاك الإتقان بجامعة السوربون الباريسية، فأطروحتي ملك لسيدي محمود”، مذكرا بإسهاب، المساعدات والإرشادات التي لا تقدر بثمن التي أسداها له الشيخ بوزوزو، المترجم الدولي والإمام الاسبق لمسجد جنيف.. وهي ذات اليد الكريمة التي امتدت لتساعد المسلم الجديد أياما وليال لإنهاء كتابه الشهير بالفرنسية ” إبن عجيبة المغربي : موسوعة التصوف الاسلامي”، على حد تعبيره.

و فعلا بن عجيبة أعجوبة في الأدب الصوفي وعلوم التفسير، ولا مشاحة في أن الأدب – بصفة عامة- إذ هو الحال الناطق واللسان المعبر عن تطلعات الأمة وطموحاتها، والمصور لآمالها وآلامها وهو يساهم إلى جانب مكونات أخرى: علمية، فكرية، تاريخية…، في ائتلاف النسيج الحضاري لهذه الأمة وربطه بإطارها المرجعي متمثلا في التراث الأصيل.

وقد شكل “الاتجاه الصوفي”  في المغرب احد أقوى الاتجاهات الشعرية في ذلك العصر، ويمثل “أحمد بن عجيبة” أحد الذين حملوا لواءه وخاضوا في موضوعاته المتشعبة. ولئن عرف “ابن عجيبة” صوفيا من كبار شيوخ التربية في القرن 13هـ/ 18م، فإنه لم يعرف شاعرا أديبا بالقدر نفسه، وذلك راجع في نظر المختصين إلى شح الدراسات، إن لم نقل ندرتها، التي تناولت إبداعه الشعري وحاولت مقاربته.

ويندرج التفسير الصوفي لابن عجيبة، حسب ” جون لوي ميشون” ضمن التفسير بالرأي، وهو ما يطلق عليه بالتأويل، وأحيانا يسمى بالتفسير الإشاري، وهو الاسم الذي ارتضاه الصوفية لجهودهم التفسيرية، ولقد بلغ التأويل أوجه في التصوف وصار مدرسة وطريقة في النظر إلى القرآن الكريم، واحتل مكانه بين مناهج التفسير الأُخرى، ويقوم التفسير الصوفي على طريقة خاصة في أخذ النص وتفسيره، وذلك من حيث وقعه على النفس، ومن حيث إيحاءاته الروحية في تجربة الإيمان العميق، حيث يبذل الصوفي جهده في صرف الآية عن ظاهرها لوجود إشارة خفية باعتباره من أهل السلوك، ولقد جنحوا في تبرير مشربهم التفسيري إلى الاستدلال بما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدالة على التدبر والبحث، كقوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} – محمد: 24

و ابن عجيبة  الفاسي صاحب التفسير المسمى” البحر المديد في تفسير القرآن المجيد” من التفاسير المخطوطة وقد طبع قديما بدار الثناء للطباعة بمصر سنة 1373هـ. وتفسيره إشاري لا يغفل التفسير بالظاهر، وطريقة مؤلفه فيه أنه يقسم السورة إلى مقاطع ثم يقوم بتفسير كل مقطع حسب ما يقتضيه الظاهر ويتبع ذلك بالتفسير الإشاري..وهو ينقل في هذا التفسير عن علماء التفسير الروحيين عبر الاجيال أمثال أبي العباس والقشيري  وأبي يزيد البسطامي و محي بن عربي و الجنيد و ابن الفارض  وأبي مدين و صاحب الحكم العطائية كما ينقل أيضا عن الرازي و البيضاوي و الزمخشري والسيوطي والغزالي وابن سينا وغيرهم.

فكان على ” فارس القرآن” بن عجيبة أن ينهل منهم جميعا عسلا شهدا، جعل منه ” جون لوي ميشون” غذاءه الروحي.. وهو الذي يخاطب الناس في مجالس ذكره بقوله “يامن غرق في بحر الذات، ذلك الكتاب الذي تسمعه لا ريب فيه أنه من عند الله،{فإذا قرأناه فاتبع قرآنه}”و أشكر ربك، والشكر على ثلاث درجات : درجة العوام الشكر على النعم، ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن رؤية النعم بمشاهدة المنعم.

 وقول الشاعر: فلا ترضى بغير الله حبـا وكن أبدا بعشق  واشتياق

                    ترى الأمر المغيب ذا عيان وتحظى بالوصول وبالتلاقي

تعزية ومواساة:

إن الفقيد الراحل الشيخ الجليل “علي عبد الخالق” ( رحمه الله) كان حاضراً وفاعلاً مؤثراً طوال نصف قرن من العمل والجهاد في ميادين الفكر والتوعية والنهضة المعاصرة كما كان حاضراً وفاعلاً في ترشيد العمل من أجل وحدة الأمة والعمل بجد وثبات لترسيخ العمل بفقه الاولويات، رغم طغيان الجانب الروحي عنده أحيانا كثيرة، وهذا معلوم وليس سرا عند عامة المسلمين و خاصتهم.

إننا – كجالية مسلمة في اوروبا– إذ نتقدم بالتعزية الى الأمة المسلمة  بهذا المصاب الجلل، بفقدنا مترجم القرآن الكريم، فإننا في الوقت ذاته نتضرع إلى الله تعالى أن يتغمده برحمته الواسعة، وأن يجزيه أحسن الجزاء على ما قدمه للمسلمين في الغرب من فكر وجهاد وعمل، ويلهم ذويه وعائلته وتلامذته الصبر والسلوان ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

م م ح / جنيف (سويسرا)

**************************************************************

” جون لوي ميشون”  في سطور:  Jean-Louis Michon (1924-2013)

” جون لوي ميشون” ، المكنى بالشيخ “علي عبد الخالق” عالم فرنسي / سويسري من مواليد 1924‏، مترجم متخصص في التراث والفن الإسلامي والتصوف عمل مع وكالات الأمم المتحدة كاليونيسكو للحفاظ على التراث الثقافي الإسلامي في عمان  وبوخارة بأوزباكستان، فمدرس إنكليزية بسوريا ثم رحل لمصر للتعرف على منهج المتصوف الفرنسي “روني قينون”(René Guénon)، ليحط به الترحال في مدينة فاس خصوصا والمغرب عموما كموظف دولي مشرف على التراث الثقافي المغربي بحيث أمضى جل أوقات عمله ما بين المغرب وسويسرا ، ومكث بالمغرب من 1972 حتى1980، حيث شغل منصب كبير المستشارين التقنيين للحكومة المغربية على مشاريع اليونسكو للحفاظ على التراث الثقافي، كمحاولة منه لإعادة تأهيل الصناعات اليدوية التقليدية التي كانت معرضة للخطر في بلد مسلم من قبل مشاريع التصنيع التغريبية.  كما شارك بجد ومثابرة في حفظ وترميم ” قصبات” المغرب كجزء من مشروع يهدف لحماية مدينة فاس.

وقبل ذلك كان موظفا دوليا مستقلا لدى المنظمة العالمية للصحة كمحرر ومترجم إنكليزي / فرنسي في الفترة 1957-1972. كما يعد بحق أيضا أحد المساهمين المقتدرين في المجلة الفصلية، “دراسات في الدين المقارن”

(Studies in Comparative Religion).

و قد أثرى المكتبة الاسلامية والإنسانية عموما بترجمات ومؤلفات منها على الخصوص:

– ابن عجيبة  الصوفي والمعراج له،1998  Le soufi marocain Ibn Ajîba et son Mi’râj
– 1998 بن عجيبة، تقييدان في وحدة الوجود لسيدي أحمد
– L’autobiographie (Fahrasa) du Soufi Marocain Aḥmad Ibn Agiba (1747-1809), 1969
– أضواء الإسلام: المؤسسات والثقافات والفنون والروحانيات الإسلامية في المدينة،2000  Lumières d’Islam : institutions, art et spiritualité dans la Cité musulmane

– مقدمة إلى الإسلام التقليدي، 2008Introduction to Traditional Islam
– الصوفية: الحب والحكمة، 2006Sufism : love and wisdom)
– مقالات عن معنى الإنسان،Every Branch in Me: Essays on the Meaning of Man 2002
– أضواء الإسلام: المؤسسات والثقافات والفنون والروحانيات الإسلامية في المدينة،2000  Lumières d’Islam : institutions, art et spiritualité dans la Cité musulmane

ترجمة القرآن الكريم:

http://www.altafsir.com/ViewTranslations.asp?Display=yes&SoraNo=1&Ayah=0&Language=3&LanguageID=1&TranslationBook=1

أوسمة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق