أحداث دوليةحدث وتعليق

تخطيط غربي، أم مس شيطاني؟!/عبد الحميد عبدوس

ABDOUSلا تنقطع محاولات الغرب لتحويل العالم العربي إلى مكب للنفايات الثقافية والأخلاقية والصناعية، ولعل أحدث هذه المحاولات هي تصدير تلك البضاعة الفاسدة النتنة الممقوتة المتمثلة في جعل التعري وسيلة من وسائل النضال من أجل حقوق المرأة!

في الأيام القليلة الماضية اهتم الإعلام الغربي بشكل لافت بأخبار بعض الشاذات الساقطات من النساء العربيات، اللواتي أعماهن التقليد ودفعهن الاغتراب الفكري والاستيلاب الحضاري إلى نشر صورهن عاريات على صفحات التواصل الاجتماعي على شبكة الأنترنت، على غرار ما تفعله عضوات حركة “فيمن” التي تأسست في أوكرانيا عام 2008، هذه الحركة التي دعت يوم الخميس الماضي 4 أفريل 2013 إلى تظاهرة عارية أمام سفارات تونس في العالم للتضامن مع شابة تونسية تدعى “أمينة تايلر” نشرت صورتها عارية الصدر بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة، وكتبت فوق صدرها عبارات بذيئة باللغة الإنجليزية، وزعم البعض أنها تعرضت للاعتقال بعد ظهور صورتها في “الفايسبوك”، ثم نشرت بعد ذلك أخبار عن وجودها بمستشفى للأمراض العقلية؟!

وفي الجزائر نشرت قبل بضعة أيام امرأة تسمي نفسها “صونيا” صورة لها مكشوفة الصدر، وكتبت على صدرها نفس العبارات البذيئة التي كتبتها التونسية “أمينة”،  وأعلنت أنها أسست في الجزائر فرعا لحركة “فيمن”. وفي المغرب أطلقت صفحة فايسبوك سميت “فيمن مغربية” طلبت من النساء المغربيات إرسال صورهن عاريات لنشرها على الصفحة تضامنا مع الشابة التونسية.

وقبل ذلك قامت شابة مصرية تدعى “علياء المهدي” بالتظاهر عارية أمام السفارة المصرية بالسويد احتجاجا كما ادعت على الاستفتاء على الدستور المصري، الذي وصفته القوى العلمانية التغريبية بأنه “دستور إسلامي”، هذه الفتاة التي صرحت بأنها ملحدة ولا تؤمن بأي دين جريا على مذهب صديقها المدعو كريم عامر الذي فصل من جامعة الأزهر بعد إعلان إلحاده في كتابات منشورة، قامت بإهانة المصحف الشريف بطريقة متعمدة.

من جهتها اعتبرت إحدى مؤسسات حركة “فيمن” الأوكرانية التي شاركت في تظاهرة يوم الخميس الماضي ضد ما سمي “التطرف الإسلامي” أمام مسجد باريس: “إن مسجد باريس الكبير يعد رمزا للدين الإسلامي”، وتم بالمناسبة حرق العلم الذي كتبت عليه عبارة الشهادتين! وكان شعار حركة “فيمن” هو: “جسدي ضد الأسلمة”.

من اللافت للانتباه أن تستقطب العاصمة الفرنسية باريس جموع العاريات للتظاهر ضد “التطرف الإسلامي”، في حين أن فرنسا هي أول بلد أوروبي بادر إلى منع الحجاب، وما زالت سلطات مطارات باريس وشرطة الحدود الفرنسية البرية والبحرية ترفض دخول المسلمات المنقبات، ولكنها تستقبل آلاف العراة الذين يجتمعون في بلدية “كاب داغد”  الواقعة جنوب فرنسا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، المعروفة بكونها “عاصمة العراة في أوروبا”.

ولا تخفي فرنسا في ظل الحكومات اليمينية أو اليسارية عداءها للإسلام، أو على الأصح للحركات الإسلامية التي دفعتها موجة الربيع العربي إلى صدارة المشهد السياسي في تونس ومصر على وجه الخصوص، وللتذكير فإن وزير الداخلية الفرنسي مانويل فالس أعلن جهرا ما تتبناه السلطات الفرنسية دون تصريح، عندما قال في شهر فيفري الماضي بعد اغتيال المناضل التونسي شكري بلعيد أن “فرنسا تفضل وصول القوى العلمانية إلى الحكم”، والأكثر من ذلك فإن الحكم الاشتراكي في فرنسا الذي تآكلت شعبيته في زمن قياسي يبدي عداءواستخفافا ليس بقيم الإسلام فحسب، ولكن بقيم كل الأديان السماوية والتشريعات الإلهية، وذلك بإقدامه على إباحة زواج المثليين مما أثار رفضا شعبيا واسعا في فرنسا لدخول قانون زواج المثليين حيز التنفيذ في شهر جوان القادم، هذا القانون الذي سبق للجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) أن رفضته في سنة 2011 قبل وصول الاشتراكيين إلى الرئاسة وحصولهم على أغلبية مقاعد البرلمان.

التعري في الدول الغربية تحت الأنظمة العلمانية ليس ظاهرة جديدة، إذ وصل مسار الانحلال الأخلاقي في الغرب إلى ظهور معسكرات، ونوادي، وشواطئ للعراة منذ منتصف القرن العشرين، كما عرفت الحركات النسوية المطالبة بالمساواة وحقوق المرأة في المجالات السياسية والاجتماعية والجنسية ذروتها بعد ثورة الشباب في فرنسا في سنة 1968، ولكن الجديد والمقرف في الأمر هو تسارع حركة التقليد في المجتمعات العربية الإسلامية من طرف بعض النساء العربيات المنحرفات لسلوك بعض النساء الغربيات الكافرات الفاجرات، وتشجيع التيارات العلمانية في الغرب لهذا التوجه مع سعي الإعلام الصليبي الصهيوني الحاقد على الإسلام إلى تحويل تلك النماذج الساقطة المأزومة إلى بطلات ورائدات لحركة التقدم والنضال من أجل حقوق المرأة.

لاشك أن النساء اللواتي خلعن ثيابهن وتجرأن على نشر صورهن عاريات، في مواقع إلكترونية مفتوحة ومتاحة لمئات الملايين من الزوار، كن قد خلعن الحياء قبل خلع الثياب، وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي قال: “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذ لم تستح فاصنع ما شئت”.

ولا يحتاج المرء إلى أن يمارس التنجيم حتى يدرك أن القاسم المشترك بين اللواتي اخترن النضال في المجتمعات العربية بالعري، على طريقة المنتسبات إلى حركة “فيمن” الأوكرانية، الفاقدة للعفة والكرامة، يعانين من فراغ روحي وفشل عاطفي أو دراسي أو أسري أو من هذه العوامل كلها، لأن عرض الجسد بهذه الطريقة الفاحشة إنما هو قبول بتحويله مع سبق الإصرار إلى بضاعة في سوق النخاسة، والانزلاق إلى مهاوي الرذيلة والفاحشة والابتذال، وذلك هو الهوان الحقيقي للمرأة الشريفة، وإهانة لكرامتها، وامتهان لخصوصيتها، ولا ينطوي ذلك على أدنى ذرة من البطولة أو التميز، وقديما قال الشاعر العربي: “من يهن يسهل الهوان عليه”.

فاللباس ليس سجنا لجسد المرأة أو الرجل، أو تقييدا للحرية، بل هو عنوان الحضارة والرشد العقلي والأخلاقي، قال الله تبارك وتعالى في الآية 72 من سورة الأعراف:﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، وكل الأديان السماوية والحضارات الإنسانية الراقية دعت إلى التستر والتأدب والاحتشام والتعفف، والإسلام أوجب على الرجل والمرأة ستر العورة.

بل إن المجتمعات الغربية التي عانت من الانحلال الخلقي بدأت تتراجع عن مخازي الإباحية، فقد قامت دولة أيسلندا في شمال أوروبا في سنة 2011 بإغلاق كافة نوادي العراة، واعتبر البرلمان الأيسلندي أن تلك النوادي تشكل “انتهاكا صارخا لكرامة المرأة”.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية اعتمدت مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا قانونا يمنع التعري في الشوارع والأماكن العامة، وقال رئيس البلدية: “هذا موضوع يتجاوز بكثير حرية التعبير، فقد تجاوز الناس الحدود كثيرا مع هذه النزعة للتعري”.

والكارثة أنه في الوقت الذي بدأ الغرب يتراجع عن نزعة التعري ويدرك مضارها بدأت بعض النسوة المستلبات في عالمنا العربي الإسلامي يستوردن هذه النزعة الشيطانية المشينة بحجه حرية التعبير، وحرية التصرف في الجسد والدفاع عن حقوق المرأة، وفي ظل غياب الوازع الديني لابد من اعتماد الرادع القانوني للحفاظ على السلامة المعنوية والاستقامة الأخلاقية للمجتمع، ولكن منظمات الإلحاد والإفساد في الغرب تعتبر ردع أولائك الشاذات الخارجات عن الدين والقانون تكبيلا لحرية التعبير ومساسا بحقوق المرأة. ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق