أركان خاصةمختارات أدبية

من لا يـذد عن حوضـه بسلاحه يهدم…/أ.عبد الكريم بوعمامه

لـم نسمع ولم تطالعنا الأخبار أن شعبا من شعوب الأرض يحتقـر لغتـه وثقافتـه، يدينها ويهينها، يذمها ويحتقرها، وينـزل بها إلى منـزلة الحضيض، كما فعل الشعب الجزائري في لغتـه العربيـة، حتـى وصلت الجرأة بالدهماء والغوغاء، إلى تشويـه اللـغة العربية واحتقارها والكتابة على أبواب محلاتهم كما يحلوا لهم.

كتب أحدهم على واجهة محله (لحم محمد) وباللغة الرسمية..'(Viande Congelée) مجرد نسيان أو إهمال نقطة الجيم تغير المعنـى كله، وكتب ثانيهم على واجهة محله (معمل كباب) ماذا يفهم المرء من وراء هذه الكلمة..؟ وباللغة الرسمية  .( Bobinage)

وكتب ثالثهم على واجهـة محلـه (شـوَّاي الشعب) ورابعهم (شوَّاي الزوار) أعـاذنـا الله وإياكم منها.

وهناك أخطاء لا حصر لها منها الرسمي وغير الرسمي، مثلا: بين الدرارية والعاشـور لوحة رسمية في مفترق الطرق تعلن الطريق إلى “العاشور” كتب عليها “بالبنـط العريض” (لعـشور) لازالت حتـى كتابة هذه السطور تشهد على ذلك، ولوحة رسمية أخرى “بالبنط العريض” تعلن الاتجاه إلى حي (قايـدي) بباب الزوار، كتب عليها باللغة الرسمية …(Kaidi) وباللغة العربية (قيـدي) ..؟

لو قدر الله وكتب أحدهم على واجهة محله باللغة الفرنسية بهذه الأخطاء، أو وقع خطأ في الكتـابة عـلى لوحة مفـترق الطرق ماذا يقع يا ترى..؟ طبعاً ستقوم القيامة، وستكتب الجرائد، وسينهـض الرسميون لإصـدار الأوامر، والقرارات لإزالـة الأخطاء، وإلاَّ ستنـزل العقوبات على صاحب المحل، أو المؤسسة التـي تولت كتابة ألواح مفترق الطرق، لأنهما تسببا في الاعتداء وتشويه لسـان “موليير ولافونتين” لغـة الحضارة، أما لسان ابن منظور، وابن خلدون، وابن جنـي، فهو مبتور في الجزائر، لأن اللغة العربية مغتربة في وطنها، ليس لها أب ولا أم ولا أهل يسألون عنها ولا من يبكي أو يتباكى عليها، إذا كانت منظومة التربيـة والتعليم في الجزائر – العمود الفقري للوطن- في أيدي أناس لا علاقـة لهم بالثقافـة العربية ولا بالعادات والـتقاليد الوطنية، ولا ارتباط لهـم بالتاريخ، ولا بالأخلاق الإسلامية، فهذا طبعا يخلق اغترابا ثقافيا وبعدا حضاريا، وتزداد وتيرة البعد عندما تكون لغة التعليم والتخاطب أجنبية.

LANGUEيقول محمد الصديق بن يحي -رحمه الله- والذي يتهمونه بأنه شيوعي، لكنه وطنـي مخلص غيور على وطنيته، يقول في مناسبة تصحيح الجامعات في ندوة صحفية عقدها في جويلية سنة1971 وذلك ليجعل التعليم العالي مرتبطا بالمجتمع وقيمه وحاجاتـه وتطلعاتـه: [إن الجـزائر لم تكـوِّن إلا حامـلي شهادات في بلادهم، لكنهم لا يحملون علامة تدل على اهتمامهم بالمشاكل وباختيارات بلادهم، كيف يمكن أن يلعب حامل هذه الشهادة الدور الذي يُعهد إليه كإطار لحل المشاكل التـي تواجه شعبنا، إنه لا يحمل علامة أمته إنه أجنبي وسط شعبه وفي كثير من الأحيان غير قادر على فهمه].

إن اللغة العربية في الجزائر يجري اغتيالها بصمت وهـدوء، وأصبحت تراثا وجلباباً يلبس في المناسبات لإلقاء الخطب والمحاضرات “وَبَـسْ” ثم ينـزع الجلباب ويعاد للخزانة ويغلق عليه حتـى تأتي مناسبة أخرى.

يقول الأستاذ عثمان الكعاك في رسالـة صغـيرة أسمـاها (بلاغة العرب في الجزائر) :[الحق أن الجزائريين قد قتلوا لغتهم بأيديهم وما كان الاحتلال إلا جوا مساعدا على ذلك، لأنهم لو أرادوا أن يحبـوها ما كـان أحد ليصدهم عن ذلك ولو بذل كل العراقيل، وإرادة الأمم لا تقاومها إرادة الحكومات، وكان من الممكن للأدباء أن يعلموا أبناءهم العربية ولو بمشقة ومكابدة](1).

هل غلبت علينا شقوتنا وأصبحنا قـوما بوراً..؟..وهل نحن سائرون في طريق تبنـي لغة المستدمر؟..والتخلي عن اللـغة العربية..؟..لغة الـدين والقرآن التـي قال عنها “عثمان بن جنـيي” :[إننـي إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفـة، وجـدت فيها من الحكمة والدقـة، والإرهاف والـرِّقة ما يملك علي جانب الفكر، حتى يكاد يطمح بـي أمام غلـوة السحر](2).

ألـم يحن بعد لبعض الهيئات أو بعض الجمعيات الجزائريـة الغيـورة على لغتها ووطنيتـها وتراثـها وبالخصـوص “المجلس الوطنـي للغـة العربيـة” أن تتكفل باللغة العربية وتوجيهها وترقيتها وإصلاح الأخطاء التـي وقعنا فيها، أم أن سفينة اللغة العربية في الجزائر تقاذفـتها الأمواج، وتكسر شراعها، وتحطمت دفتـها، ولم يستطع ربانها السيطرة عليها، فتاهت في البحر ولم تجد مرفأ تلجأ إليه…؟

الهوامـش:

(1)  المغرب العربي تاريخه وثقافته: للأستاذ الأديب رابح بونار (ص.7) الشركة الوطنية للنشر والتوزيع1981.

(2)  ابن جنـي: الخصائص دار الـهدى بيروت (ص 47) .

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق