كلمة الرئيس

أمـازيـغــيّـون نـحـن… ولــــكن..! / د : عبد الرزاق قسوم

 

 G (43)

 ـ
لَسْــتُ أَدْرِي لِــمَاذَا يَــحْـلُو " لِلْـبَـعْـضِ" مــنَّا، أَنْ يُــثــيروا – عَــنْ قَـصْـدٍ أَوْ عَـنْ غَـيـرِ قَـصْـدٍ – " البَعْـضَ " الآخَر مِـنَّا لِـزَرْعِ الـفـتـنَةِ، وبَـثِّ الَـبَـلْـبَـلَةِ وذلك بالـتَّــشْـكِـيكِ في أَحْـوَالِـنَا، والتَّـهـجُّـمِ عَلى فُـصولِـنَا، وَتَـهْــدِيــدِ حُـصونِــنَا.
ـ
فَـلا أَحَـدَ، يُـنـكِـرُ عَـلينا هـذه الأصول، فَـلَـقَـدْ سـألـت الأحـياء والأمـوات، واستـنطقت الشجر والحجر، فما وجدت في إجاباتهم، من ينازعنا شـرف الانـتماء إلى الأمازيغية، فنحن أمازيغيون في أعراقنا، وإن تَـعـدّدت لهجاتُـنا، وتـنـوّعت سحناتُـنا، وتـباعـدت مـناطـقـنا؛ فَلَمْ نَـنـتـظـر مـجيء الأكاديـميّة البـربـريّـة بـفرنسا، ولا دعـاة الربيع البربري، أو الخريف المقاتي، ليثبت لنا هذا الانتماء.
نحن – إذن بحمد الله أمازيغيون عَـرَّبَـنَا الإسـلامُ، عـنـدما جَـاءنا فـاتحاً للـقـلوب والعـقول وَلَـمْ يَـأتـنا مُـسْـتَـغِـلاًّ للـجُـيوب أو الحُـقول. فَـقَـدْ تَـشَرَّبْـنَا الثّــقافـةَ الإسلاميّة الحضارّية عَـن قـناعة، لا إكـراه فيها، فأصبحنا عَرباً، لا عُروبةَ الـدّمِ للحصانِ، ولـكن عُـروبةَ الحَـضارةِ لـلإنـسانِ، كَـما يَـقول صـديقُـنا الـدّكـتور " أحمد بن نعمان ".
ـــ
فأيـن التّــناقـض في أنْ نــكون عــرباً في ثـقافــتـنا وحـضارتـنا، وأمازيــغ في لهــجاتــنا وانـتــمائــنا ؟ فَـلاَ أَحَد يَـمْـنَـعُـنَا مِنْ أَنْ نُـغَـنِّي باللهـجة القـبائليّة، ونُـنْـشِـد باللهجة الميزابـيّة، ونَـرقُـص على أنْـغام اللهـجة الشّاوِيّة، ونَـتَـرنّـح على دويّ بارود اللّهجة التَّـرقـية، لكـنَّـنَا جميعا نَـعـبُدُ اللهَ بِـلُـغَـة الإسـلامِ الذي وَحـدّنا، قَـلـباً وَصَـفًّا، وقد تَـعلَّــمنا مُـنذ نُـعومة أظفارنا القاعدة النحويّـة : أنَّــه "مَـتى أَمْكَن الاتّـصالُ، فـلا يَـجوز العُـدول عَـنه إلى الانـفصال".
ـ
فَـواعجباً، للـبعض مِـنَّا! كُـلَّما أظـلَّـنا تَـقْـلـيدُ " يــنايـر" أو " ربـيع الجـزائـر "، خَـرَجَ عَـلينا مَـنْ يَـحْمِلُ قَـميصَ الأمازيغيّة، مُـذَكِّـرا بِـضَـرُورة تَـرسيمِها، وبذلك تَـحَوَّلَ التَّـمزيغُ الذي هو تَـقـلـيدٌ وَانـتـِمَاء، إلـى تَـمْزيـقٍ وَإقْـصاءٍ.
ـ
فَـعَـنْ أيَّــةِ أمازيـغـيّـةٍ يَـتَّـحَـدَّثُـون؟ وَعَـن أَيِّ رَبـيعٍ يَـتَساءَلُـون؟ فإذا كانت العربية التي هي اللغة الإسلامية الجامعة، الموحدة لجميع أعراقنا وأعرافنا، لَمْ تَـتـجـسّـد عملـيًّا في أَلْسِنَـتِـنَا وعقولنا، ولم تـتـرَّسم –سياسيّا- في دواوينـنا وإدارتـنا، وهي اللّـغة الواحـدة في قـواعـدها النحوية وبنياتها الثقافية، فكيف يمكن أن نرسّـم لهجات مختلفة تـتـعـدّد بتعـدّد المـناطق؟
ـ
أَمْ ُيـريدون أن نـتـخـلّى عـن العــربية الواحـدة وعـن الأمازيغــيّات المتعــدّدة لصالح اللـغة الفرنـسية الــسائـــدة وقوانـينها الـــشـاهــدة؟
ـ
لَــطالَـما، نـاديــنا خـدمة للوحدة الوطنية، أن إحياء اللهجات الأمازيغية، وهي جزء من إحياء تراثنا، لا يمكن أن يكون إلا بالعودة بهذه اللهجات، إلى ما دَأَبَ عليه أجدادنا الأمازيغ الرواد، بكتابة الأمازيغيات بالحرف العربي، ففي ذلك تعميم لمعاني الوحدة الوطنية، وتحرير للأمازيغية من ربقة التحكم الاستعماري الذي تدعو إليه الأكاديمية البربرية، لا حُبًّا في إحياء الأمازيغية، وإنما إحراجا للُّغة العربية، وتمكينا للثقافة الفرنسية على حساب الأمازيغية والعربية معا.
ـ
فَــيَا قَــومَـنا! إنّ الإسـلام الذي ندين به جميعاً، عَـربًا وبربرًا، ما جاء غازياً لهذه الدِّيار، وَلاَ استئصالياً لأيِّ شِـعار، بَـلْ إنَّـهُ عَـمَّـقَ فـينا معنى العِـزَّة وَالاعـتـبار، وَأَشاعَ بيننا، لغة الوحدة، والتّوحيد والانتصار. فَــعَلَى مَا نَـسْـتَـبْـدِلُ الذي هـو أدْنَى بِالّـذي هُـوَ خَـير؟ والحالُ، أنَّ العربية، في هذه الرُّبـوعِ عـقـيلةٌ حُـرَّة، ليس لها ضُرَّة كـما يـقول إمامُـنا محـمّد البشـير الإبــراهــيمي.
ـ
حَــذار! فـإنَّ إثارة النَّـعرات الطّائـفـيّـة تَحْتَ الشّعارات المظلومة، اللُّـغوية، والثّـقافـيّة، والسّياسيّة، إنَّـما هـي لَعـبٌ بالـنّارِ، نارِ التّـفـتـيتِ الشّـعبيّ، والتَّـمزيقِ السّياسيّ، والتَّـقسيم الوطنيّ.
ـ
إنَّــنَا، في البَـدْءِ والخِـتَامِ، أمَـازيـغ عَــرَّبَــنا الإسـلام كَـمَا عَــرَّبَ الـفِـرْعـونيـين، والهندوسيـين، والأشـوريّـين وغـيرهِـم، فَاحْـثُوا التُّـراب في وجـهِ كُـلّ مَــنْ يَــعْـمَـلُ على إيـقاظِ الـفِـتْـنَةِ بَـيْـنَ أبْـنَاءِ الشَّعـب الـواحد، وأجـزاء الوطـن الـواحـد، مِـنْ شَـرقِــه إلى غَــرْبِـه، ومِـنْ شَـمالِــه إلى جَــنوبـه، فالفِــتْـنَة نائِـمَـةٌ، وَلَــعَـنَ اللهُ مَنْ يَـعْمَل عَــلَى إيــقَاظِهَا.
ـ
أَمَّـا الأصـلاءُ في هـذا الـوطن، فَـسيظَـلُّون، أوفـياء لأمازيغـيّـتِـهم، في بُـعـدِها الحضاري العـقَـدي، و أَشِـدَّاء في التَّـشَبُّـث بـثَـوابِــت وَطَــنِهِم، وَ رُحماء في الإيمان بِـتَعَـدُّدِ الأعـراقِ والأصولِ، والأَفْـخاذِ والبُـطونِ، التي تَـوَحَّـدَت كُـلَّها في بَـوتَـقة الإسلام الثّـقافي الحَضاري، { وَمَــن يَــبْـتَـغِ غَــيْرَ الإِسْـلاَمِ دِيـناً فَــلَن يُــقْـبَـلَ مِـنه } ( سورة آل عمران :85 ).
ـ
نَـحن، يَـشْهَـدُ الله، نَـنْـبُـذُ كُـلَّ تَـعَـصُّـبٍ لُـغَـويٍّ، أَو طائِـفِـيٍّ، أَو مَـذْهَـبِيٍّ، وَ نُـدين أيَّـةَ دعوةٍ للـتَّعـصّـب مٍـنْ أَيَّـة جِـهَـةٍ جَـاءَت، حـتَّى وَلَوْ كـانت باسـمِ الإسـلام أو داخـلِه. إنّ إيـمانَـنا الرّاسخ الذي لا يَـتَـزَعْـزَعُ إنْ شاء الله، هُـو أنَّ قُـوَّتَـنا تَـكْـمُن في وحـدتِـنا، وضعـفـنا يَـكمن في "تَـمزيـغِـنا" أو تمزيـقِـنا، وقـد رَسم لنا الطّـريق أسلافُـنا الماهدون من مؤسّـسي جـمعـيّة العـلماء، فَجَــسَّـدَ ذلك عـبُد الحميد بـن بـاديـس بصنهاجيّـته، والعربي التبسي بشاويّـته، والفضيلُ الورتلاني بقبائليّـته، وإبراهيم بيوض بمـيزابـيّـته، فـقَّـدَّموا للجزائر باقـةَ علميّة متـنوّعة الأزهــار داخـل وحـدة الرّبـيع الجزائريّ الإسـلاميّ الّذي لا تَــذبُـل أوراقُـه.   
ـ

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق