مقالات مختارة

لـك حـــياةٌ واحـدةٌ فَــعـِـشْهَا بِـهَـنَاء / بقلم: عزّالدّين جلّولي / جامعة بجاية.

 

out_of_the_tunnel_500_175

ـ 
العاصمة رمز الدولة ومجمع ما بلغ عمرانها، يعنى الحاكم بها أكثر من سواها لتكون نبراسا لغيرها، وإن أردتَ أن تَـنظر إلى واقع أمة من الأمم وما بلغت من العمران فزُر عاصمتها، تُـنبـئُـك أخبارُها عمّا بلغ من الرُّقِـيّ سُـكُّـانُـها.
ـ
لذلكم كانت عناية "المنصور" بـبغداد عاصمة خلافته عناية خاصة لمّا أسّـسها عام 145 هـ ، فاختار لها موقع القلب من العالم الجيوسياسي آنذاك، واختار لداره موضع القلب من هذه المدينة، التي سميت المدينة الدائرية. كانت مدينة آية في الجمال الهندسي والتخطيط العمراني، استمدت خصائصها من سنن الكون والكائنات، وأولت حاجات سكانها الروحية والجسدية والثقافية والاجتماعية والأمنية… ما يلزم لها البقاء ولأهلها الهناء، وكانت بحق عاصمة الإنسانية لخمـســمائـةَ عــامٍ بِــلا مُـنَـازِعْ.
ـ
أقول هذا وأنا أعيش في القرن الواحد والعشرين، وأرى الإنسان في بلدي، وفي بلدان أخرى كثيرة شرقا ومغربا، يعاني من مدنه الأمَـرَّيْن، ويَـعيش في عاصمة دولته وهو لها من اللاّعِـنين. ويوماً بَـعـد يومٍ يزداد حالُها وحالُه فيها سوءاً، رغم ما يُخَـصَّـصُ مِـنْ أجْـلِها من أموال ويُـبْـذَل لَهَا مِـنْ تَـخْـطـيط وتَـصليح.
ـ
أَهلُـنا في العاصمة الجزائرية يَعـيـيشون أَكْـثَر مَـن غـيرهـم في ضَـنَـكٍ من العيشِ بَـيِّـنٍ، غَـنِيُّهم وفَـقِـيرُهم في ذلك سواء، تراهُـم أجساداً تسعى ولكن قلوبُهم شاردة، ولا تَـصفو أحاديثُـهم لَـكَ وتَـطِـيبُ إلاَّ وَهُـمْ مُـتَـكَـلِّـفُون. وفوق ذا وذاك يَسْـتَـلِـذُّون بِـوَهْـمِ أَنَّـهُم يَـسْـكُـنُون العاصمة، ويَـظُـنُّـون أنْ لاَ حَـياةَ أَفْـضَلَ مِـنْ حَـيَاتِـهَا!
ـَـ
حــقًّا، أُشْـفِـقُ على أكثرِ هـؤلاء، وأَعـْذُرُ قِـلَّـةً قليلةً لها في سُكنى العاصمة حاجة ماسة لا بديلَ عـنها. الأكثريةُ جَـنَـتْ عليها أوهامُها، وغَـدَتْ ضحيةَ خَـيارِها و لها في أرض الجزائرما هو أفضل منه. وإن تعجب فعجـب من هذه الأكثرية كيف تفشت فيها طباع منكرة، وخصال رديئة، ومظاهر منفِّـرة، وفقـرٌ يَـلُوح على المُحَـيَّا، وسوءُ تغـذيةٍ، رغمَ ما لديهِم مِنْ مادّيّات وإمكانيَّات.
ـ
وإن تَـجَـوَّلْـتَ في زِقاقِها آلَـمَـكَ ما ترى من ضعف التديّن على السلوك، وتدنّي القيم الأخلاقية في النفوس، وبُخس قيمة الإنسان فيها لا تخطـئُه العينُ، ناهيك عن حبّ الدنيا والتّـنافس فيها، وارتفاع بركة وقـتها وقساوة القلوب.
ـ
لا أكون مُبَالغاً إن قلتُ إن قسما كبيرا من مباني العاصمة لا بدّ أن يختفي، وشطرا من أهلها لا بدّ أن يَرْحَـلُوا، ولا بدّ أن تَـنْـتَـقِـلَ هذه العاصمة إلى مكان آخرَ، أطيبَ عيشاً، وأنقى هواءً، وأيسرَ نقلاً، وآمنَ موقعاً… وقد أصبح ذلك المكانُ معروفا للعقلاء.
ـ
عندما أقارنُ أبسطَ فلَّاحٍ في الهضاب العليا بأعلى مسؤولٍ في العاصمةِ، أُدْرِكُ مَـنْ مِنهُما يَعـيش عيشَ المُلوكِ، ويَـهْـنَأُ بِمَـنـزِلٍ رَغِـيدٍ، وصِحَّـةٍ وعافـيَةٍ؛ فَـأَعْـلَمُ ساعـةَ ذاكَ أنَّ المُـقسطَ – جلَّ عُـلاَهُ – قَـسَّـمَ هَـــنَاءَ العــيشِ بِـحَـسـبِ النِّـــيَّاتِ لاَ بِـحـسـبِ الأوهَــام والشَّــطارَاتِ.
ـ

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق