الحدث

الدستور المقبل ومقومات الأمة (2) / الدكتور عمار طالبي


Ammar

 
إن انفراد لجنة معينة بصياغة الدستور الذي يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم أمر يتناقض مع انفراد جماعة سواء كانت موالية للسلطة أو حيادية، وقد استمعت اللجنة التي يرأسها رئيس مجلس الأمة السيد عبد القادر بن صالح إلى وجهات نظر متعددة، لذا يكون من الضروري أن توضع أمام لجنة صياغة الدستور كل الوثائق التي قدمت إلى السيد عبد القادر بن صالح أو على الأقل خلاصتها، بالإضافة فيما يبدو أن توسع بالضرورة هذه اللجنة لتمثيل الشعب بجميع طبقاته ليكون الدستور معبرا عن إرادة الأمة لا عن إرادة جماعة معينة تشكلها السلطة!
ـ
فربما تكون هذه اللجنة تعبر عن هذه السلطة وعن توجيهاتها الخاصة، إن الشورى أصل رئيسي لمنع الاستبداد بالرأي ولو لأعدل الناس، فإن مشكلة الحكم في البلاد العربية والإسلامية كانت يتولاها المستبدون ويفرضون أنفسهم وأحكامهم على الناس، تقوم على الهوى، لا على العقل والشورى، كما أنه أصبح من الضروري التعاون الوثيق بين السلطة السياسية والسلطة العلمية بطريق الشورى، فإن ذلك يؤدي إلى استقامة شؤون الأمة، وإشاعة الثقة بين الحاكم والمحكوم، وإلى تفادي الاستبداد.
ـ
إنه إذا فقدت الثقة بين الحاكم والمحكوم اختلت شؤون المجتمع، وشؤون الدولة واعوجت وتمزقت العلاقات بين الناس.
ـ
والإسلام باعتباره عقيدة وثقافة وحضارة، هو الذي في قوته الذاتية أن يقوم في توجيه الحياة الاجتماعية والسياسية بدور فعال، فقد عرفنا الاتجاهات الغربية: من الليبرالية، والقومية، والعلمانية، والاشتراكية، وطغى الاتجاه التغريبي، فلم تحرك تلك الإيديولوجيات طاقة المجتمع للنهوض والتخلص من التخلف، لأنها لم تكن تخاطب الأمة في إطار رموزها الحقيقية، فلم تحقق طموح الأمة وآمالها في الحريات والحقوق الدستورية التي وعدت بها، ولم ير التوزيع العادل للسلطة والثروة توازنا، وساد التناقض بين النظام السياسي، وعقائد المجتمع الراسخة وثقافته العميقة، فلم يستجب المجتمع لهذه الإيديولوجيات، ومضى في طريق آخر لا تنمية فيه، ولا تحقيق للمطالب التي كان يتوقعها، فكان سن القوانين مصدره التشريع الفرنسي، ولم تحترم الأمة في حقها في مراقبة حاكمها، ولا احترمت لغتها في الإدارة والتجارة والاقتصاد ولا في إعلانات الشوارع وأسواقها.
ـ
إن الإسلام باعتباره عقيدة وثقافة وحضارة هو الحصن الأمين المتين الذي يجد فيه المجتمع هويته في مواجهة الإشكاليات والأزمات التي يتعرض لها في تاريخه، وخاصة في مراحل الانتقال الجذري الذي يؤسس فيه حضارة جديدة تتناسب مع خصوصياته ليحقق تقدما باستعمال موارده الاجتماعية وطاقاته المعنوية والمادية، وليعبر عن هذه الخصوصيات وينميها. والاعتماد في التقدم إنما يقوم على تجديد الثقافة والوعي أولا، لا الاعتماد على مجرد القواعد القانونية أداة للتغيير والتقدم، ولا على مجرد سيطرة الحكومة على الإنتاج، وطرقه وتنوعه، ولذلك لم يحصل وعي بتلك الإيديولوجيات الجديدة التي فرضت، بل واجهها المجتمع بسلبيته، وعدم المشاركة الإيجابية، فلم يتحول المجتمع في ثقافته التقليدية فبقيت ثقافة القبيلة والعصبيات الجهوية وفقد حريته في مستواه الفردي، وفي مستواه الاجتماعي.
ـ
وكان الاهتمام بالجانب المادي والكمي الذي فرغ من المضمون الكيفي، مؤديا إلى البلبلة واللبس في القيم والسلوك، وظهرت الطبقة الطفيلية الجديدة بسبب هذه التغيرات المادية والكمية، وغاب التخطيط الحقيقي المثمر، فوقع تغيير سريع في الجوانب المادية، ولو يوازه تغيير حقيقي في ثقافة المجتمع وقيمه التقليدية تغييرا جذريا، وكان محاولات في احتذاء النموذج الغربي الثقافي أدت إلى سلوك فردي ممسوخ ومسلوخ عن الواقع الاجتماعي، ودخيل على ثقافة المجتمع وقيمه، والاعتماد على نشاط غير منتج وطفيلي، وأدى ذلك كله إلى الإفلاس الثقافي والاقتصادي والاجتماعي معا.
ـ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق