مقالات مختارة

قصة أول وزير للتجارة في جزائر الاستقلال …وزير يخاف الله…


دخلت مزرعته المسماة "مزرعة التقوى"، كانت جنة فوق الأرض، سبحان الله تبارك الله أحسن الخالقين، كل أنواع الثمار، والخيرات والمياه العذبة موجودة في هذه المزرعة التي لم نتعود في بلادنا أن نسمي مزارعنا بهذه الأسماء التي تحمل بعدا عقائديا راقيا.
استقبلنا أول وزير للتجارة في الجزائر المستقلة، وزير قال لهم يوما: هذا فراق بيني وبينكم، بعد أن ألح عليه أحد رؤسائنا أن يعود للاستوزار بعد أن ظُلم ظُلما عظيما من أحدهم، لكنه اختار حياة الاستقلال والاستقلالية، بعيدا عن المسؤوليات المرهقة والمتعبة والمُذِلة والمسببة للمشاكل في كل وقت وحين.
جلسنا إلى الرجل في منزله بمدينة القرارة الراقية والعامرة بأهلها الخيرين، كان استقباله لنا راقيا وقمة في الروعة، أخذنا نتجاذب أطراف الحديث الذي ركز فيه على الربا وخطورتها، حيث أهداني كتيبا كان قد تحدث فيه عن الربا والبنوك الإسلامية، بعد أن علم أنني مهتم بالاقتصاد الإسلامي، ووصل بنا الحديث إلى مشاريعه الاستثمارية، فكانت قصة مزرعته أول حديث بدأه، حيث ذكر لي أنه بعد أن اعتزل المسؤوليات بدأ يعمل لحسابه، وعاد إلى القرارة وربّى عددا من الأبقار للاستخدام الشخصي، ثم كبر العدد فطلب منه رئيس البلدية آنذاك أن يخرجها من وسط المدينة وأعطاه مكانا سماه أرضًا، لكن الرجل عندما أراني صور ذالك المكان كيف كان تعجبت، حيث كان عبارة عن كثبان من الرمال في شكل جبال عظيمة، وتحداه قائلا بنبرة فيها نوع من الاستهزاء: أنت تقدر… قال وسبحان الله وكأن ذلك التحدي جعلني أتحرك وأبذل ما آتاني ربي من قوة من أجل أن أحوّل تلك الكثبان إلى مكان صالح للفلاحة وفعلا أنتج ذلك المكان مزرعة قمة في الروعة سماها: مزرعة التقوى، وهي مزرعة طبيعية مائة بالمائة لا تستخدم فيها المواد الكيميائية فتعطي أرقى الثمار وأجودها.
العجيب أنه حفر بئرا غير أن البئر في القرارة لا يقل عمقه عن 800 متر في الأعماق وسبحان الله يرزقه الله ماء لا يوجد مثيل له في العالم أرسلت تحاليله لأرقى المخابر وأثبتت التحاليل أنه صالح للمرضى المصابين بالعجز الكلوي، فنصحه من حوله أن ينشئ مصنا للمياه المعدنية فرفض قائلا: من الذي أعطاني هذا الماء؟ قالوا: الله، قال: إذا فأنا أردُّه لله، وتصدق بالماء حيث سخّر شاحنات بصهاريج تجول في المدينة توزع الماء على أهلها لوجه الله.
ومما أخبرت به أن الرجل تناهى إلى سمعه أن امرأة حامل اشتهت نوعا من الثمار كان يباع في السوق من مزرعته، وعجزت تلك المسكينة أن تشتريه، فوصل الخبر إليه، وعندها قال: كيف لي أن أمنع الفقراء من هذا الرزق الذي وهبني ربي إياه، فجعل الثمر لله، يجمع ويوضع في المسجد يأكل منه الفقراء والمساكين.
كل هذا يحدث من رجل خاف الله وعلم أن الذي يرزق هو الله رب العالمين، وسبحان الله عندما أخبرنا بقصة والده أدركنا أن الأمر يتعلق بشخصية رباها رجل صالح، فوالده كان ممن فتح الله عليه، فيحكي قصة عجيبة عن والده، أنه مرة كان مسافرا إلى قسنطينة، وكان معه سائقه، فذهبا إلى الفندق المركزي بقسنطينة ودخلا ليقضيا ليلتهما، فما كان من مدير الفندق إلا أن رحب بوالده ولكنه رفض أن يبيت السائق في الفندق لأنه من طبقة أقل شئنا من سيده، لكن والد صاحبنا رفض هو أيضا المبيت وخرج من الفندق مع سائقه، وفي اليوم الموالي طلب من موثقه أن يبحث عن صاحب الفندق ويشتريه منه بأي ثمن، وفعلا كان صاحب الفندق يريد بيعه، فاشتراه منه وبعد توقيع العقد، أخذ شاحنة مملوءة بالخرفان وأدخلها فندقه الذي اشتراه، فعندما شاهد مدير الفندق ذلك ذعر ذعرا شديدا وصاح في وجه الرجل قائلا ماذا تفعل؟ قال سأترك هذه الخرفان تنام في هذا الفندق الذي أصبح ملكي وها هو العقد…فأسقط في يد الرجل، وحدث أن انقلبت قسنطينة على عقبها لأن الفندق معروف، فاتصلوا به يحاولون فهم ما يحصل، وفي النهاية أخبرهم بالأمر فاعتذروا وطلبوا منه أن يشترط ما يشاء المهم أن يفتح الفندق للضيوف، فما كان منه إلا أن اشترط أن يعامل كل إنسان يدخل الفندق باحترام مهما كانت صفته ما دام يملك سعر الغرفة، وكتب الاتفاقية ورد الفندق لصاحبه بعد أن ترجاه أن يبيعه إياه مرة أخرى.
مواقف مثل هذه هي مواقف الرجال الذين لم تبهرهم الدنيا الفانية، ورغم أن صاحبنا كان أول وزير للتجارة للجمهورية الجزائرية المستقلة إلا أنه بقي متواضعا، مضيافا، يعرف قدر الرجال.
كان هذا هو "الأستاذ الحاج محمد خبزي" -عليه رحمة الله- أول وزير للتجارة في تاريخ الجزائر، رجل صالح ونحسبه كذالك ولا نزكي على الله أحدا، رجل بقي على مبادئه لم يلجأ إلى أي بنك للحصول على قروض ربوية رغم أن المجال كان مفتوحا له، خاصة عندما بدأ مشروع مصنع مشتقات الحليب، الرجل كان إلى آخر أيام حياته يؤمن بضرورة الابتعاد عن بيع منتجات بمواد حافظة للشعب الجزائري المسكين، الذي أصبح يستهلك كل شيء يسوق له، بما فيها مواد تدخل في صنع الخبز أثبتت الأبحاث أنها مسرطنة، ناهيك عن منتجات ذات أصل خنزيري، دون رادع ولا خوف من الله.
عندما يغيب خوف الله تعم الفوضى والضياع، واستباحة حياة الناس، وأموالهم، وهذا الذي يحصل الآن في بلادنا، وعندما نبحث في عمق القضية نكتشف أننا افتقدنا إلى رجال يمكن أن يكونوا حاجزا وحائلا ضد كل من تسول له نفسه التربح على حساب حياة الناس.
رحمة الله عليك يا أستاذنا الحاج بوخبزي، أيها الرجل الصالح الذي تعلمنا منه خوف الله، وتعلمنا كيف يمكن أن يعيش الإنسان، بعيدا عن المسؤولية عزيزا مكرما دون أن يترك المجال لأي كان أن يذلّه بمنصبه أو سلطانه أو ماله.
وصدق الله سبحانه إذ يقول: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره)
 
 
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق