كلمة الرئيس

اللسان العربي.. المغتال في بلدي/الدكتور عبد الرزاق قسوم

G-431-150x150-150x1501-150x150أبرأُ إليك –ربّي- مما يفعله الحاكم العربي برعيته، والسياسي الفلسطيني بقضيته، والمسؤول الجزائري بعربيتِه، والمواطن في بلادي بهويته وشخصيته، فالكلّ يَغتال بطريقته وبمنهجيته، والكلّ يُزايد بانتمائه وبوطنيته.

فالشعب المستبَدُّ به يُغتال أبناؤه، بشتّى أنواع الاغتيال، من التّعذيب، والاغتصاب إلى تسليط السِّلاح الكيماوي، ولا ذنب له، إلاَّ أنْ يُطالب بالحق في العمل والتّداوي، وتحرير اقتصاده من الفساد والرّشاوي، واختيار مسؤوليه في الحكم بالعدل والتساوي.
وهذا الشعب المشرَّد والمقسَّم، تُغتال إرادته بالعمالة والتَّقسيم، وبالتَّشرذم وسوء التَّنظيم، ورفض حكامه ما يفرزه الصندوق في التَّحكيم؛ لذلك طالت محنتُه، وتشوَّهت سَحنتُه، وتبدّدت طاقتُه وشُحنتُه، فطالت في المحنة مدّته، وهانت على الصديق والعدو قضيتُه.
وهذا المسؤول الجزائري الذي يغتال لغته، بعد مرور خمسين سنة من الاستقلال الوطني، وما علم أنّ الشهداء يُطِلون في الذكرى الواحدة والخمسين للاستقلال، من علياء جنَّتهم، وعلماء أجِلاء، يتساءلون عمَّا فعلنا بغرس نبتَتِهم، وعطر وردَتِهم.
ويحك! أمَا تخاف أن تَهلَك يوم يقال، يا شهيد! إنّه ليس من أهلِك، ويا عالِم! إنّه ليس من نسلِك.
فبأيِّ منطق نبرِّر –في الجزائر- هذه الجرأة، على اغتيال لغة الجهاد، والاستشهاد، فنَدوسُ على مبادئ وأحكام الدستور، ونشجع بفعلنا ذلك المواطن والجمهور؟.
لقد صرنا –والله- نخجل من أنفسنا، عندما نرى اللّغة العربية تُغتال على واجهات المحلات، وهي التي كانت وسيلة تحرير التجارة والاقتصاد، وأداة تحرِّر البلاد والعباد، فماذا دهانا حتى عمَّ عقولَنا هذا الكساد؟ ومن يُحاكم التاجر الجزائري أو الأجنبيَّ الذي يَغتال لغتنا على واجهة محلِّه، ليكرسَ القُبح الثقافي في محيطنا، ويَلعن علماءنا وشهداءنا في مَخيطنا وهو لُبس وسيطنا وبسيطنا؟
ومن يُلجم هذه المعلمة المتحجبة التي تخاطب أطفالنا الأبرياء بلغةِ من قتلَ أجدادهم وأسلافهم؟ وسفَّه ذاكرة أمجادهم وأجدادهم؟.
تالله إنّها للعنة أبدية أصبناها، وما وجدنا لها من رقية سياسية أو دينية نرفع بها مقتها عنَّا، فالعنف اللّغوي تسلَّل –بعد ألسنتنا ومحلاتنا- إلى بيوتنا وغرف نومنا، فأصبحنا نغنِّي لأطفالنا بلغة “فولتير وموليير”، وتنكَّرنا للغة ابن باديس والأمير، فأيُّ مصير أصابنا، أسوأ من هذا المصير؟.
إنَّ مأساة العربية في الجزائر، هي القنبلة الموقوتة التي توشك أنْ تنسف استقلالنا وتوطئ للعملاء والخونة، ممن يتربصون باستقلالنا ويحلمون بعودة أسيادهم لحكمنا.
أصبحنا -في بلد المليون شهيد- ممن دعوا بحياة الجزائر العربية المسلمة واستشهدوا؛ أصبحنا نتوق إلى من يغرِّد في سماء بلدهم وأرضها بلغة جهادهم واستشهادهم، رمزًا للوفاء والإباء، وذكرى لجهد المجاهدين والعلماء.
إنّنا ونحن على أبواب الاحتفال بذكرى الخامس من يوليو؛ الذكرى الإحدى والخمسين للاستقلال الوطني، ندعو إلى عقد مؤتمر وطني شامل، يحضره كلُّ الفاعلين في الساحة الوطنية، الخائفين على الجزائر من الغد المظلم لدراسة هويتنا الوطنية المهدَّدة، بدءًا بلغتنا العربية المغتالة، وانتهاءًا بوحدتنا الوطنية المقالة، يجب أنْ نخرج بمشروع سياسي، وطني، عملي، يعيد إلينا الأمل المفقود، ويحقِّق لنا الحلم المنشود.
وفي انتظار ذلك، يجب أن نبدأ من البداية، إكرامًا للعالم، والمجاهد، والشهيد، احتفالا بذكرى المجاهد المجيد، فنُفعِّل قانون اللّغة العربية، المجمَّد فعليًا، فنعطي المهلة لكلّ صاحب محلٍ لا يحترم لغتنا على واجهة محلِّه، بأنْ يغلَق محلُّه حتى يستجيب للمطلب الوطني الحتمي. كما نعطي توجيهات صارمة، لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة، أنْ لا يبثَّ أيَّ رأي أو حديث يخلط فيه صاحبه أو صاحبته، في هجانة بين لغات مختلفة. إنَّ في ذلك لتشويهًا لإعلامنا، ومساسًا بمثقفينا، واستهتارًا بقيمنا وثوابتنا.
إنّ من العار على المنظومة التربوية، والثقافية، والإعلامية في الجزائر أن تعجز، بعد إحدى وخمسين سنة من الاستقلال عن إيجاد مواطن نشأ بين أحضان الاستقلال، ولا يستطيع أن يعبِّر بلغة بلاده المستقلة.
بل إنّني أذهب إلى أبعد من ذلك، فلا يولَّى المسؤولية الوطنية، كلّ من لا يقدِر على استخدام لغة الوطن في المحافل الوطنية والدولية.
إنّنا نرسل بخطابٍ واضحٍ لا شفرةَ، ولا لُبسَ فيه، إلى كلّ ذوي الضمائر الحرّة في وطننا، أن يدركوا بأنّ وجه الوطن قد شُوِّهَ، سياسيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا وأخلاقيًا، وعليهم أن يتنادوا مصبحين فيعملوا على إنقاذ الموقف قبل أن يُضيِّع جيل الصغار ما بناه الكبار، وأوّل إجراء إسعافي، هو فكُّ أسر اللّغة العربية من سجنها الذي أدَّى إلا اغتيالها، فيعيدوها إلى الواجهات المشوهة، وإلى الألسنة المرَقعة، وذلك أضعف ما يمكن أنْ يقدموه للشهيد في الاحتفال بالذكرى الواحدة والخمسين للاستقلال الوطني

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق