تحاليل وآراءحدث وتعليق

متى يقلع المسلمون عن قصر النظر؟/ الدكتور عمار طالبي

TALBIكنا نلوم قادة المسلمين، وزعماءهم، عن السلوك السياسي والاقتصادي الذي لا يعتمد على استراتيجية مدروسة، مخططة، بناء على المعطيات الواقعية، والمداخل التي تشير مقدماتها إلى نتائجها وعواقبها، في الحرب وفي السلم، ولكن اليوم نرى زعماء الدين، ونخبة العلماء، وصفوتهم، يقعون دون مرادهم، ويفتون فتاوى هوائية لا تقوم على درس الواقع وفهمه، ولا على السعي لإصلاحه أو الدعوة للنهوض به، وغابت الحكمة من البيان الذي أصدره علماء الأمة، فصبوا النار على الزيت في غمرة من العواطف، والبعد عن الأناة، فزادوا الطين بلة، ولم ينظروا إلى العواقب. فياله من بيان يدعو للجهاد في بلاد المسلمين، وقتال أهل الإسلام، وهم يعلمون أن دم المسلم يحرم سفكه، والعدوان عليه تحريما واضحا، وأن أهل السنة والشيعة معا مسلمون لا يجوز التقاتل فيما بينهم، وقد ورد في خطبة حجة الوداع: “لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض”.

كانت الحكمة تقتضي أن يدعو علماء الأمة هؤلاء إلى المصالحة، وإيقاف سفك الدماء، وأن تذهب وفود منهم إلى طرفي القتال للإصلاح، فإذا ما فشلت المساعي ولم يركن أحد الطرفين إلى الصلح، وتغطرس وبقي على كبريائه، وظلمه جاز بعد ذلك الإقبال على ردع الظالم وصده عن ظلمه، كما نصت الآية الكريمة من سورة الحجرات:{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}(الحجرات:9). وهذه الخطوة الأولى من المصالحة، وإيقاف القتال أهملت، وأسرع علماؤنا وقادة ديننا إلى الدعوة للجهاد، جهاد من؟ جهاد المسلمين، وهل يصح شرعا وعقلا استعمال اصطلاح الجهاد في هذا البيان، وفي هذا السياق؟

وهل يصح أن ندعو إلى ما يزيد المسلمين سنة وشيعة تفرقا وتشتيتا، وعداوة وإضرام نارها؟ في عصر يتحد فيه الناس، ويعون مصالحهم بعد نزاع وحروب طويلة، فهموا بعدها أن مصالحهم في الاتحاد والتجمع، فأصلحوا تاريخهم وأدركوا ما يحقق لهم مصائرهم، وتفوقهم على العالم.

إن هذه الظاهرة تدل على غياب التعقل الحصيف، واللجوء إلى التهييج، وشحن النفوس بالعداوة وتمكينها، إننا أخطأنا في حقنا كثيرا، وما زلنا نضاعف أخطاءنا، ونستجيب لرغبات غيرنا وننساق إليها انسياق ما ينجذب إلى الذئاب ويتبعها ليقع فريسة لها سائغة.

لاشك أن استعمال النظام السوري للأسلحة الفتاكة من الطائرات والصواريخ، والدبابات لهدم الأرواح والمنازل والمدن أمر شنيع فظيع، منكر لا يقره عقل ولا دين، ولسنا من أنصار هذه الحرب الضروس التي أصبح حزب الله من أنصارها، وسفك الدماء فيها، وليس له في اعتقادي أي مبرر، بنسبة ذلك إلى المؤامرات والمشاريع الجهنمية التي تراد للمنطقة، ولكن أن يدخل في الحرب بدل الدعوة إلى السلم، والسعي لها سعيها، هو دخول فيما يعمق العداوة بين المسلمين، ويوقد لهيبها، ويؤدي إلى الكراهية ويرسخ جذورها، بدعوى المقاومة، مقاومة من؟ مقاومة الشعب السوري ومناصرة نظامه؟ لماذا لم يلجأ حزب الله إلى الصلح، وإيقاف المظالم وهو حليف النظام ونصيره، فنصرة الأخ رده عن ظلمه، أم يعتقد أن النظام السوري نظام ديمقراطي عادل لا ظلم فيه، ولا عدوان ولا استبداد.

أعتقد أن جيش نصر الله يدرك تماما وهو السياسي الذكي أن النظام السوري مستبد ومع ذلك ركن إليه:{وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}(هود:113) لقد أصاب الأمين العام السابق لحزب الله، وجماعة من الشيعة في بيان حين أنكروا على حسن نصر الله هذا الموقف الذي لا يزيد الأزمة إلا تعقيدا وإفسادا، وطائفية بغيضة، تدوم أجيالا، ومن أدراه أن الشعب السوري إذا نجح في ثورته لا يصبح أشد مقاومة لإسرائيل ومظالمها؟
11

أوسمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق