كلمة الرئيس

زلة “مفكر” مصري/الدكتور عبد الرزاق قسوم

الأستاذ فهمي هويدي، كاتب وإعلامي مصري متميز ارتبط اسمه بالكثير من الصحف العربية، فهو أحد المتخصصين في تحليل الواقع السياسي المعاصر، يتسم بالرصانة والموضوعية، ونقطة القوة في ما يكتبه أنه ليس محسوبا على جهة عربية معينة..

منذ بدأنا قراءة فكره، أحطناه بالتقدير لما يتحلى به من نزاهة، فبما يصدر من أحكام فهو يلقي بكلمته، ولا يهمه في أي وعاء قد تقع، ما دام مقصده خدمة الحقيقة كما يراها، ولا يهم إن كانت ستغضب فلانا أو علانا، فالمهم أن تترجم أفكاره قناعاته العميقة.

ولكن عندما يطالعك نفس الكاتب بموضوع، يخرج عن معهود. ويحالف فيه منطق نزاهته وموضوعيته، يساورك نوع من القلق المنتج، لما قد يكون قد طرأ على قلم، لم نتعود منه مثل هذا الذي قد يوصف بالانحراف عن مساره الذهبي العريق.

حدث هذا، عندما نعلق الأمر بأزمة الشرعية في مصر، خصوصا في أعقاب الانقلاب على الديمقراطية، وعزل الرئيس المنتخب، والزج به في غياهب المجهول، والتصامم عن سماع أصوات الملايين المزمجرة في ساحات مصر، بدء بساحة رابعة العدوية الشهيرة كان لابد للمفكرين الأحرار أن يهبوا لتقييم الواقع المتفجر بتشخيصه، وتقديم الناجع من الحلول، واشرأبت الأعناق إلى المفكرين الشرفاء من أمثال الأستاذ فهمي هويدي.

لقد خرج علينا الأستاذ هويدي بمقال غريب عن موقفه، وعن منطقة حين حاول فيه الربط بين ما حدث في الجزائر، من إلغاء المسار الانتخابي في الجزائر في بداية التسعينات، وما نجم عن ذلك من مأساة وطنية أتت على الأخضر واليابس، وعن ما يحدث اليوم في مصر، من توقيف الحكم الديمقراطي، وتعطيل الدستور وعزل الرئيس المنتخب، واعتقال الرموز الموالية للرئيس من ذوي التيار الإسلامي.

ففي محاولته المقارنة بين ما حدث في الجزائر ومصر ذهب الكاتب المصري المعروف إلى استحالة تطور الأوضاع في مصر إلى ما حدث في الجزائر معتبرا أن مصر لا يمكن أن تكون الجزائر لأسباب حصرها في جملة من العوامل أبرزها في نظره ما يلي:

1- إن الطبيعة المصرية تختلف تماما عن الطبيعة الجزائرية ويذهب الكاتب مدفوعا بنوع من التعصب المصري إلى القول بأن الإنسان المصري متحضر، فهو هادئ مسالم عكس الإنسان الجزائري الذي نشأ في بيئة صحراوية تتسم بالشدة والغلظة والدموية والعنف.

2- أن الجزائر بلد لم يعرف منذ استقلاله سوى الحكم العسكري، وهو ما يجعله يعيش العنف بمختلف صوره فينعكس ذلك سلبا على التاريخ الجزائري.

3- المستوى الحضاري والثقافي الذي يتميز به الإنسان المصري، ويفتقر إليه الإنسان الجزائري، فيجعل الهوة سحيقة بين مصر والجزائر في إمكانية أن تصل الأمور في مصر، بعد توقيف المسار الديمقراطي إلى ما وصلت إليه الجزائر عقب توقيف المسار الانتخابي.

كبرت زلة يقع فيها الأستاذ فهمي هويدي، إذ يخوفه تفكيره، ويزل به قلبه إلى أخطاء تاريخية قاتلة.

G-431-150x150-150x1501-150x1502فليتسع صدر الكاتب المصري إلى تبيان حقائق هي من البديهيات بحيث ننزه عنها قلما في مستوى قلم فهمي هويدي.

أولا، ليس صحيحا أن الجزائري يعيش في طبيعة صحراوية، بل نسبة 80 بالمائة من الجزائريين يعيشون على الساحل أو في الجبال أو السهول، ولا يتصلون بالصحراء إلا بسياحة أو مهنة.

ثانيا،عن طبيعة الإنسان الصحراوي، على عكس ما ذهب إليه الأستاذ فهمي هويدي يمتاز بالهدوء والاتزان، والحكمة والخيال الشعري مما يجعله أبعد الناس عن تهمة العنف، والانفعال العصبي الدين رماهما به الكاتب.

ثالثا، أن المستوى الثقافي الذي يمتاز به الإنسان الجزائري اليوم، قد بلغ درجة من التشكل والوعي بحيث يرتقي إلى المستوى الثقافي العالمي بامتياز، فإذا أضفنا إلى ذلك التعددية اللغوية لثقافة الجزائري وانفتاحه على الثقافات الأجنبية أدركنا المستوى الحضاري الذي وصل إليه الإنسان الجزائري اليوم.

رابعا: سواء أكان الحكم العسكري إيجابا أو سلبا، حسب قناعة الأستاذ هويدي، فإن مصر قد سبقتنا إلى ذلك فثورة 23 يوليو1952 هي ثورة الضباط الأحرار، سبقت استقلال الجزائر الذي لم يتحقق إلا عام 1962.

هذا قليل من كثير يستوقفنا في كتابة مفكر كنا نعتبره نموذجا في التعقل والرصانة، يعلو على التنابز بالألقاب والشعوبية، والعصبية المحلية، ولكنه للأسف الشديد، كانت زلته أشبه ما تكون بما يقوم به إعلام الفتنة في مصر، ممن روجوا للقطيعة بين الشعبين الشقيقين الجزائر ومصر، ولا تزال آثار ذلك عالقة في ذاكرة الجزائريين والمصريين معا.

إننا بدافع من حبنا للأستاذ فهمي هويدي وتقديرنا الفائق له ننزهه عن أن يسقط في هذا النوع من الجدل العقيم، وكل ما نرجوه هو أن يحفظ الله مصر من كل سوء، أيا كانت طبيعة إنسانها، وأيا كان موقف ساستها مدنيين وعسكريين، فتستعيد مكانتها المرموقة لدى شعوب المنطقة، وتتغلب الحكمة على التهور والتدهور، أما ما كتبه هذه المدة الكاتب الكبير الأستاذ فهمي هويدي فإنا نعتبره زلة قلم، وعثرة فكر، نجد له أكثر من تبرير، ونتسلى في ذلك بقول الشاعر العربي القديم.

ومن ذا الذي ترجى سجاياه كلها

كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق